يحل عيد الأضحى المبارك على أمتنا كما لم يحل عليها من قبل، ويهب عليها من رياح التغيير، من المشرق إلى المغرب، ما لم يهب على مدى قرون طويلة، وتبزغ من شمسها أشعة للحرية والانعتاق من ربقة الاستبداد المزمن ما أيقظ اليقين الدفين في أعماقها بفجر عهد جديد، تنتزع فيه الشعوب بأيديها حقها في تقرير مصيرها الحاضر والمستقبل.

يمنحنا هذا العيد العظيم من معاني البذل والفداء والصبر لنستنير بها معنَيَيْن عظيمين:

المعنى الأول: في ذات نفس كل مؤمن، حيث يحتاج إلى تزكيتها لتتهيأ للقاء ربها في أي لحظة راضية مرضية مسلمة طائعة، وإلى إفراغ القلب من كل ما سوى الحق، وإلى استلهام حياة وسيرة أبي الأنبياء رمزِ البذل بغير منة، والعطاء من دون كبْر، والسخاء بتسليم الراضي بأمر ربه.

المعنى الثاني: في المجابهة الميدانية للمستبدين والفاسدين، الذين أبدوا استعدادا عظيما منقطع النظير للتضحية، ولكن بشعوبهم التي ذبَّحوا أبناءها بطريقة غير مباشرة بدفعهم إما إلى إحراق أنفسهم أو إلى ركوب قوارب الموت نحو المجهول، وذبَّحوهم، حقيقة لا مجازا حيثما قام للحق رجال مسالمون يسترخصون زكي دمائهم وزهرة أعمارهم وحيوية شبابهم من أجل أمتهم الغالية.

فإن اقترن هذان المعنَيان ورسخا في نفس وسلوك وحياة الشباب المتعطش للحرية فهو عين النصر وحق النصر وحقيقة النصر؛ أما ما يظهر للعيان من بناءٍ للاستبداد قائمٍ فما هي إلا جدران نخرة تنتظر أجلها الموقوت لتسقط بنسمة عبير عابرةٍ سقطتها الأخيرة.

ها هي تونس تخطو أولى خطواتها في طريق لا يقودها فيه طاغية إلى الاستفراد بالحكم وبمقدرات البلد، وها هي مصر تغالب آثار المخلوع ومن سبقه مغالبة، وتلك جماهيرية القذافي أصبحت أثرا بعد عين كأنه لم يكن، وفي اليمن يربض النظام في ركنه يعالج آخر سكراته، وذاك المستأسد على شعبه في الشام يضيق عليه الخناق ويدخل في ممر لا مخرج منه إلا إلى حتف نظامه.

وإن هذا القدر الذي قدره المولى بهذه الرياح التغييرية، إن هو إلا صدى لعذابات المظلومين، الذين تصدعت بأناتهم جدران سجون الاستبداد عشرات السنين، واهتزت السماء لدعوات أراملهم وثكالاهم ويتاماهم، الذين لم يسمع لشكواهم إلا السميع البصير، فتعالت هتافات التغيير من حناجر وقلوب شعوب جعل الظالمون أوطانها حظائر لشهواتهم، وأقبية لقمع معارضيهم، ومرتعا لحكم ظالم حسبوا مُلكَه مُكْثًا طويلا لا يبلى فقصره قانون: “إن أجل الله إذا جاء لا يُؤَخَّر”.

وإن من ارتحل عن هذه الدنيا من هؤلاء المظلومين إلى دار الحق دون أن تنصفهم عدالة الأرض، ومن ينتظر منهم صابرا راجيا محتسبا داعيا مرتقبا ساعة الفرج، ومن يغالب بجهاده المستبدين في سبيل الله والمستضعفين، كل هؤلاء سيحملون قضاياهم وملفاتهم ومظلومياتهم إلى الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة.

وإن الشهيد الذي يسقط اليوم مدرجا بدمائه، باذلا إياها في سبيل الحق، لا تنتهي قضيته بشهادة وفاته بل يبدأ ميلادها بها، فتبدأ بدايتها الحقيقية في الدنيا بما تذكيه في قلوب الشباب من مشاعر البذل والعطاء والإقدام، وفي الآخرة حين عند ربهم يختصمون.