شرع الله في الإسلام عيدين عظيمين، يتوج كل واحد منهما عبادة جليلة فعيد الفطر يتوج شهرا من الصيام والقيام لله رب العالمين، وعيد الأضحى يتوج القصد إلى بيت الله الحرام.

وقد جعل الإسلام من شعائر عيد الأضحى ذبح الأضحية، بل إن أحب عمل إلى الله يعمله المسلم في ذلك اليوم هو هراقة دم تقربا إلى الله تعالى، واقتداء بسنة أبينا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التحية والتسليم.

فما هي الأضحية؟

وما هو دليل مشروعيتها؟

وما هو فضلها؟

وما هو حكمها؟

وما هي شروط صحتها؟

تعريف الأضحية

الأضحية اسم لما يذبح من النعم تقربا إلى الله تعالى في يوم العيد وفي يومين بعده، وسميت بذلك لأنها تفعل في الضحى وهو ارتفاع النهار فسميت بزمن فعلها. 1

دليل مشروعيتها

ورد في مشروعية الأضحية أدلة من الكتاب والسنة .

ففي القرآن ورد قوله تعالى: فصل لربك وانحر (سورة الكوثر الآية 2)، وقد ذكر عدد من المفسرين كابن العربي في الأحكام وابن عاشور في التحرير أن المراد بالنحر في الآية هو نحر الضحايا يوم عيد النحر.

وأما في السنة فوردت أحاديث كثيرة تحث على فعل الأضحية نكتفي منها بما رواه الترمذي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من هراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا”.

وقد واظب على فعلها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته -إلا ما روي عن بعضهم كابن عباس وابن عمر من تركها إعلاما للناس بعدم وجوبها- ومن بعدهم إلى يوم الناس هذا.

الحث على الأضحية وبيان فضلها

وقد ورد في الحض عليها وبيان فضلها نصوص شرعية عدة منها ما رواه أحمد وابن ماجه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قلت أو قالوا يا رسول الله ما هذه الأضاحي، قال: “سنة أبيكم إبراهيم. قالوا: مالنا منها؟ قال: بكل شعرة حسنة. قالوا: فالصوف؟ قال: بكل شعرة من الصوف حسنة”.

فهدا الحديث يبين ما للأضحية من أهمية في الشريعة الإسلامية حتى جعل من كل شعرة منها حسنة، وجعلها سنة أبينا إبراهيم الذي ابتلاه ربه في ابنه فكان نعم العبد في الامتثال لأمر الله والتسليم لقضائه.

بل إن الأمر بلغ درجة التحذير من تركها لمن كان في سعة، فقد روى أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا”.

ولعل هذا التحذير لمن تركها استخفافا بسنيتها وإلا فقد ثبت عن بعض الصحابة تركها بقصد بيان عدم وجوبها.

فما أحوجنا لهذا النوع من الفقه في زمان بلغ اهتمام الناس بالأضحية مبلغا رفعها إلى درجة الوجوب ولكن بالعادة لا بالعبادة حتى إنك لتجد المرء يترك الصلاة ولا يترك الأضحية.

بل إن من الناس من يقترض قرضا ربويا لفعل الأضحية.

حكم الأضحية

اختلف الفقهاء في حكم الأضحية بين الوجوب والسنية، والمشهور أنها سنة عينية مؤكدة تسن في حق كل حر كان ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا حاضرا أو مسافرا إلا أن يكون حاجا فلا تسن في حقه لأن السنة في حقه الهدي لا الأضحية، ولا تسن في حق الفقير لأن فعلها مشروط بأن يكون الفاعل في سعة من العيش فلا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها.

والدليل على عدم وجوبها، ما رواه مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره”.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم علق هنا فعل الأضحية على إرادة المكلف، والواجب لا يعلق على إرادة المكلفين فدل ذلك على عدم وجوبها.

شروط صحة الأضحية

لتصح الأضحية وتكون مقبولة عند الله تعالى فلا بد بعد إخلاص النية لله تعالى من توفر جملة من الشروط اشترطها الشارع الحكيم نجملها فيما يلي:

أ- السلامة من العيوب، لأنها إنما تهدى لله تعالى، فكان لا بد أن تكون على أحسن حال، فلا تجزئ العوراء البين عورها، ولا المريضة البين مرضها، ولا العرجاء البين ضلعها، ولا الكسير التي لا تنقي أي التي لا مخ لها.

ولا تجزئ فاقدة جزء، مثل فقد يد أو رجل ولو فقد في أصل الخلقة، ولا تجزئ البكماء فاقدة الصوت، ولا منتنة رائحة الفم، ولا التي لا سمع لها ولا صغيرة الأذنين، ولا التي لا ذنب لها ولا التي فقدت ثلث ذنبها فأكثر، و لا الجرباء والبشماء إلا الخفيف فلا يضر، ولا تجزئ المجنونة إذا كان الجنون دائما ولا من كان قرنها يدمي لم يبرئ فإن برئ أجزأت، ولا تجزئ من فقدت أكثر من سن دون سبب إثغار أو كبر وفقد السن الواحد لا يضر، وكذلك فقد أكثر من سن بسبب إثغار أو كبر لا يضر، ولا تجزئ من كان أكثر من ثلث أذنها مفقودا أو مشقوقا أما الثلث فأقل فإنها تجزئ.

والدليل على ما سلف ما رواه مالك والترمذي وغيرهما عن البراء بن عازب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ما يتقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال: أربعا وكان البراء يشير بيده ويقول يدي أقصر من يد رسول الله: “العرجاء البين ضلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي”.

ووجه الاستدلال من الحديث أنه صلى الله عليه وسلم نبه بالأدنى على الأعلى فكل عيب أكبر من العيوب المذكورة في الحديث أو مساو لها فإنه لا يجزئ.

ب- أن تذبح نهارا لا ليلا لقوله تعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات (سورة الحج الآية 28). وتكون في اليوم الأول بعد صلاة العيد وخطبته وبعد ذبح الإمام -إمام الصلاة- لما أخرجه البخاري عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: “إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل فقد أصاب سنتنا” ويصح الذبح في اليوم الثاني والثالث من أيام التشريق، وينتهي وقت الذبح بغروب شمس اليوم الثالث.

ج- أن يكون الذابح مسلما، والأولى أن يذبح المضحي أضحيته بنفسه، وله أن ينيب عنه فإن أناب عنه كافرا فلا تصح الأضحية، ولا يجوز أكلها وإن أناب عنه كتابيا فلا تصح الأضحية ويجوز أكلها.

د- السلامة من الاشتراك فيها فلا يقبل في الأضحية الاشتراك في ثمنها ويجوز لرب الأسرة أن يشرك معه أهل بيته في الأجر بثلاثة شروط هي:

-أن يكون المشرك -بفتح الراء المشددة- قريبا كالزوجة والأبناء .

-أن يكون المشرك -بكسر الراء المشددة- ينفق على المشرك -بفتح الراء- سواء كانت نفقة واجبة أو غير واجبة.

-أن يكون المشرك -بفتح الراء- ساكنا مع المشرك -بكسر الراء- في بيت واحد.

كما يجوز لشخص أن يشرك في الأضحية من يشاء من الناس إذا لم يكن واحدا منهم، لما رواه أحمد عن أبي رافع “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس، أتى بأحدهما وهو قائم بمصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول: اللهم هذا عن أمتي جميعا من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: هذا عن محمد وآل محمد، فيطعمهما جميعا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس لرجل من بني هاشم يضحي قد كفاه الله المؤنة برسول الله صلى الله عليه وسلم والغرم” ففي الحديث نلاحظ في الأول عدم إدخال رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه في الأضحية، وفي الثاني يضحي عن نفسه ويدخل معه أهل بيته في الأجر.

الفضائل في الضحايا

الأفضل في الضحايا الضأن ثم المعز ثم البقر ثم الإبل، والأفضل في كل نوع الذكر على الأنثى والفحل على الخصي إلا إذا كان الخصي أسمن فهو أفضل فذكر الضان أفضل من أنثاه وأنثاه أفضل من ذكر المعز وهكذا.

والأصل في هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد ضحى بكبش فحيل.

ويشترط في الضأن والمعز أن تكون قد أتمت سنة ودخلت في الثانية وفي البقر أن تكون قد أتمت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة وفي الإبل أن تكون قد أتمت خمس سنين ودخلت في السادسة، لقوله عليه السلام فيما رواه مسلم وغيره “لا تذبحوا إلا مسنة”.

إلا أن العلماء رحمهم الله اختلفوا في معنى قوله عليه السلام “جذعه من الضأن” فقيل الجذع من الضأن ماله سنة تامة وهو الأشهر عن أهل اللغة وجمهور أهل العلم، وقيل ما له ستة أشهر وقيل سبعة أشهر وقيل ثمانية أشهر وقيل عشرة أشهر.

فعل الأضحية أفضل من التصدق بثمنها

والتضحية أفضل من التصدق بثمنها لما ورد في فضلها، ولأنها شعيرة من شعائر الإسلام التي يجمل بالمسلم المحافظة عليها، ولأنه يستحب التصدق منها لما رواه البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: “أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها وأن لا أعطي الجازر منها شيئا وقال نحن نعطيه من عندنا”، وأجلتها جمع جلال وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه.

فالمضحي يجمع بين فضيلتين فعل سنة الأضحية وفعل الصدقة من الأضحية، أما المتصدق بثمنها فإنه يكون فاعلا لفضيلة التصدق ولكن بترك فضيلة الأضحية.

وفي حديث الإمام علي دلالة على حرمة بيع شيء من الذبيحة لا لحماً ولا عظما حتى الجلد، ولا يجوز أن يعطي الجزار شيئاً منها في مقابل الأجرة أو بعضها لأن ذلك بمعنى البيع فأما من أهدي إليه شيء منها أو تصدق به عليه فله أن يفعل ما شاء، من بيع وغيره.

كما يجوز للمضحي أن ينتفع بجلد الأضحية بعد دبغه.

ما يجتنبه في العشر من أراد التضحية

ويستحب لمن أراد التضحية ألا يأخذ شيئا من شعره وأظفاره بعد دخول العشر من ذي الحجة لما رواه مسلم وغيره عن أم سلمه رضي الله عنها “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره وأظفاره حتى يضحي”.

وقد قيل إن الحكمة في النهي عن أخذ شيء من شعر المضحي وأظفاره هو أن يبقى المضحي كامل الأجزاء للعتق من النار وقيل للتشبه بالمحرم بالحج. والله تعالى أعلى وأعلم.

كيفية ذبح الأضحية

يستحب توجيه الذبيحة عند الذبح إلى القبلة مع ضجعها على جنبها الأيسر ثم يقول عند الذبح: بسم الله والله أكبر، لقوله تعالى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه فإن نسي التسمية جاز أكلها وإن تركها عمدا حرم أكلها.

خاتمة

إن فعل الأضحية سنة مؤكدة وقربة إلى الباري جل وعلا فعلى المضحي أن يخلص النية لله تعالى، وأن يفعلها عبادة لا عادة، وأن يجتنب فيها كل أنواع التباهي والتفاخر وأن يجعل منها لله تعالى شيئا بالتصدق والإهداء، وأن يختار فيها الكمال حسب الإمكان، وألا يبيع شيئا منها أو يبادله بمثله مع أحد أو يعطي منها أجرة للجزار لأنها وهبة لله تعالى فلا يحق له التصرف فيها بالبيع أو البدل بل يتصرف فيها بما أحله الله له منها من الأكل والتصدق والإهداء.

تقبل الله منا ومنكم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] شرح الزرقاني على الموطأ ج 2 ص 341.\