لا جدال في أن المغرب يمر بفترة دقيقة وفاصلة، تفتح الباب أمام تحولات عميقة وتجعل الشعب المغربي في مستهل مرحلة جديدة تبشر بدنو لحظة العودة وتجديد العهد مع ماضيه الزاخر بالإنتاج والعطاء الذي طالما واراه زمن الغبن والاستبداد.

إن زمن الثورة والتغيير الذي تشهده منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط لن يستثني شعبا ولا بلدا، بل هو مرشح ليشمل كل المنطقة من المحيط إلى الخليج، ليس بالضرورة بنفس الإيقاع والشروط، لكن بالتأكيد بنفس المداخل والنتائج.

فقد كان المدخل في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن والمغرب وسوريا، هو استفاقة غير مسبوقة لشعوب هذه البلدان ورغبة واعية وجادة في التخلص من الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة، وسخطة عارمة على الظلم والاستبداد.

وكانت نتائج هذه الاستفاقة لحد الآن في تونس ومصر وليبيا هو انتصار إرادة الجماهير وإسقاط واندحار رموز الاستبداد. فمنهم من هرب ومنهم من يحاكم على مسمع ومرأى العالم وهو مسجى عل سرير متحرك داخل قفص الاتهام، ومنهم من قبض عليه يمشي على أربع خارجا من قنوات صرف المياه. ليقتل ثم يدفن بعيدا في الصحراء حيث لا تدركه شماتة عدو ناقم ولا تصله رحمة حبيب زائر.

ليت من بقي يتعظ!

وستلي هذه الانتصارات معارك ونضالات أخرى في سبيل تثبيت مكاسب الثورة وتحقيق أهدافها كاملة ولو بعد حين.

وقد تلقى العالم بأسره على التو درسا آخر من دروس هذه الثورة المباركة في تونس، ورأى كيف هب الشعب التونسي عن بكرة أبيه إلى صناديق الاقتراع، وكما لم يفعل من قبل أبدا، لانتخاب أعضاء المجلس التأسيسي يوم 23 أكتوبر الماضي، إذ بلغت نسبة المشاركة في الاقتراع نحو 90 % لتأتي تقارير الملاحظين المحليين والدوليين مجمعة على أن يوم 23 أكتوبر كان بمثابة عرس تونسي انتصرت فيه إرادة الشعب وخيار الديمقراطية.

قد يكون هدم صرح الاستبداد سريعا، رغم المعاناة والبذل بالأنفس والأموال والثروات، لكن إعادة بناء دولة الحق والقانون والحرية وضمان كرامة المواطن وحقه في ثرواته وفي المشاركة السياسية ومحاسبة المسؤولين… قد يتطلب من الشعب بعض الصبر والأناة لأنه بالتأكيد بصدد إنجاز عمل على غير منوال أو تجربة سابقة.

فالشعوب العربية -باستثناء تجربة الشعب الفلسطيني سنة 2006- وشعوب دول شمال إفريقيا -باستثناء تجربة عام 1991 في الجزائر- لم تعرف انتخابات حرة ونزيهة تفضي إلى حكم ديمقراطي يعبر حقيقة عن إرادة واختيار المواطنين، فلا غرابة إذا أن يلحظ المتتبع بعض الفوضى والاضطراب قبل أن يستوي الأمر وتنضج لحظة إدارة التنافس السياسي.

لكن يقظة شعوب المنطقة وتحفزها وتأهبها المتواصل للعودة والنزول إلى الشوارع والميادين من جديد هو بمثابة صمام أمان لديمومة وإرادة الثورة ورفض العودة والقهقرة إلى واقع الاستبداد.

لا تخفى على دارس تاريخ المغرب عظمة هذا الشعب المغربي وعراقة تراثه وحضارته الضاربين في عمق التاريخ. فقد أثل أجدادنا إنتاجا فكريا وسياسيا وفقهيا وعلميا متميزا ومستقلا بذاته عما أنتجه المشرق العربي. وراكم المغاربة تجربة الدولة المستقلة عن المشرق منذ العقد الأخير من القرن التاسع الميلادي، تاريخ قيام دولة الأدارسة التي وحدت القبائل تحت سلطة سياسية واحدة ومذهب واحد هو المذهب المالكي.

وبعد سقوط دولة الأدارسة، تعاقبت الأسر الحاكمة بالمغرب انطلاقا من دولة المرابطين التي امتد نفوذها إلى طرابلس بليبيا وإلى اسبانيا بشبة الجزيرة الإيبيرية، هذه الدولة التي كرست وحدة واستقلال المغرب، واستحق السلطان يوسف بن تاشفين أن ينال لقب “أمير المسلمين”. ثم جاءت دولة الموحدين، ثم بعد فترة دولة الشرفاء السعديين ليمتد نفوذ المغرب في إفريقيا جنوب الصحراء وتعتنق شعوبها الإسلام وليتكرس دور المغرب كحلقة ومحور للتلاقح والاحتكاك الحضاري والثقافي والعلمي فضلا عن التبادل التجاري، بين شعوب أقدم القارات إفريقيا وآسيا وأوربا.

وفي منتصف القرن السابع عشر (1660م) بدأ حكم الدولة العلوية في وقت كان فيه المغرب موزعا بين الإمبراطوريات الاستعمارية الكبرى آنذاك إسبانيا والبرتغال، وقد استطاع السلاطين العلويون الأوائل تحرير كل الثغور المستعمرة التي لم يبق منها سوى سبتة ومليلية والجزر المتوسطية وجزر الكناري في الساحل الأطلسي.

فطوال هذه القرون، منذ نشأة الدولة المغربية المستقلة، حقق المغاربة انتصارات كبرى ضد الغرب المسيحي ممثلا في إسبانيا والبرتغال. كانت أهم تلك المعارك التي انتصر فيها المغاربة في عقر دار اسبانيا هي معركة الزلاقة أكتوبر 1086م. وهي المعركة التي عطلت نمو وتطور إشبيلية أزيد من ثلاثة قرون؛ لكنها فتحت أمام المناطق التي دخلها المغاربة آفاقا جديدة ورحبة بما كانوا حملة رسالة جعلت الأندلس مرتبطة بالمغرب إلى الأبد.

ثم جاءت معركة وادي المخازن ضد البرتغال في عهد دولة الشرفاء السعديين 1578 م التي بوأت المغرب مكانة وموقعا قويا في غرب المتوسط جعلت العالم يحترمه ويتودد إليه، خاصة من قبل بريطانيا العظمى أقوى دولة آنذاك.

وآخر المعارك الفاصلة كانت ضد جيش الجنرال الإسباني “سيلفيستري” التي عرفت بـ”حرب الريف”، قادها الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وهي معركة أنوال 1921 م تكبد خلالها الجيش الإسباني خسائر فادحة كان من نتائجها اندلاع الحرب الأهلية في إسبانيا سنة 1936 م وإسقاط الحكم الملكي وهيمنة النخبة العسكرية على السلطة.

معركة أنوال يعترف الساسة والمؤرخون الإسبان أنفسهم بأن جراحها ومآسيها لم تندمل بعد… وما استمرار وإصرار الساسة الإسبان على احتلال والبقاء في سبتة ومليلية إلا محاولة يائسة يعزون بها أنفسهم على هزيمتهم النكراء أمام المغاربة بقيادة البطل الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي.

غير أن استثمار نتائج هذه الانتصارات لم يكن في كثير من الأحيان في مستوى ما خلفته من صيت وأثر عالميين.

وإلى جانب هذا الإرث السياسي والجهادي للمغاربة، يسجل لهم التاريخ صفحات ناصعات في الإبداع الفكري والثقافي والعلمي جعلهم بحق في مصاف الشعوب المتحضرة وساهموا في إثراء الإنتاج والعطاء الإنساني عبر العصور.

فأول جامعة أنشئت في العالم كانت جامعة القرويين بفاس المغربية في منتصف القرن التاسع الميلادي (859م)، درس فيها الطلبة العلم النظري والتطبيقي، من فقه وفلسفة وعلوم القرآن والحديث واللغة والجدل وعلم الكلام، فضلا عن علوم التاريخ والجغرافيا والطب والرياضيات والفلك. وكانت قبلة لكثير من العلماء من الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، لم تبخل على أي من طلبة العلم في شتى فروعه.

لقد أنتج الشرق والغرب علماء وأنتج المغرب علماء، أنتجوا فلاسفة وكان لنا فلاسفتنا، وأنتجوا مؤرخين وجغرافيين وأنتجنا مثلهم، وأنتجوا فقهاء في الدين، وكان للمغاربة فقهاء اجتهدوا في المذهب المالكي أكثر من أقرانهم في الشرق، وكان لهم رجال في علم السلوك والتصوف، وكان ولا يزال للمغرب رجالات في هذا الباب بلغوا شأوا عظيما ذاع صيتهم في الشرق وفي إفريقيا والعالم حتى عرف المغرب بأنه أرض الأولياء.

لم يتأخر المغاربة عن أي من ميادين الإبداع العلمي والثقافي والفني، كان حضورهم دائما ومتواصلا. ولو كنا اليوم بذات ونفس إرادة المرابطين والموحدين والسعديين وأوائل سلاطين العلويين، بما نتوفر عليه من طاقات وإمكانات بشرية ومادية. لهوت إفريقيا كلها نحونا بدل أن تمد يدها إلى باريس أو واشنطن، ولاشرأبت أعناق المشارقة إلينا يطلبون ويستزيدون من المعرفة.

لو مشينا في المغرب بسرعة القرن التاسع الميلادي بعد تأسيس جامعة القرويين، لكان واقعنا أحسن بكثير مما نحن عليه اليوم، ولبلغ إشعاعنا الآفاق، لأن مقومات الإبداع والعطاء والمساهمة في تطور الإنسانية موجودة ومتوفرة.

لكن اللحظة التي نعيشها اليوم في ظل النظام المخزني جعلتنا لا نعي ولا نقدر قيمة ما بين أيدينا من تراث وقدرات تؤهلنا للعب دورنا كشعب عريق وراق في الإسهام في الإبداع الإنساني.

إن هذا الجيل الذي يحمل كل هذا الموروث تكون أحلامه كبيرة كما هي كبيرة وعظيمة عطاءات أسلافه، فقد أبدع الأجداد في ظروف أقسى وأصعب من حيث الإمكانات، ونحن اليوم عاجزون عن أن نتلقف منهم الراية ونواصل ما بدؤوه وأسسوا له، لا لشيء أو لعيب فينا، بل لأن المخزن الحاكم قد فرض على المغاربة واقعا يائسا، وتفنن في إخراج فقرات مشهد وإيقاعات فلكلور بئيس بصمه بالرداءة والقتامة.

لقد أحدث المخزن تصحرا في الفكر والثقافة والإبداع، وأنتج نمطا للحياة يكرس الفشل ويمعن في كي وعي المغاربة واستبداله بمنظومة يَسِمها التخلف ولا تعكس طموح الشعب المغربي وأصالته وعمقه الحضاري.

نماذج الشعوب الناهضة أمامنا جلية تعطي الدليل على أن مخزونها السياسي والعلمي والثقافي لم ينضب. فهذا الشعب المصري سها للحظة ثم أفاق في ثورة 25 يناير لينسجم مع تاريخه وأصالته، وهذه تركيا لا تفتأ تخطو الخطوة بعد الخطوة نحو استرجاع مجدها ومركزها كأقوى دولة في شرق المتوسط، وهذه أندونيسيا وتونس، كل هذه الشعوب حققت تلك العودة للروح لما انكشف عنها رداء الاستبداد.

الشعب المغربي ليس بدعا من الشعوب، فمخزونه السياسي والثقافي والعلمي مازال حيا زاخرا رغم إصرار المخزن على تمييع المشهد في كل تجلياته. فلحظة المخزن ما هي إلا سهوة في مسار التداول التاريخي الطويل للمغرب، وهي لحظة بحكم الصلاحية زائلة لا محالة! سهوة ستنجلي عن الشعب المغربي، وحينذاك سيدرك كل مواطن بأنه يمثل تلك القيمة التي أراد المخزن أن يغيبها عن إدراكه ووعيه.

فطارق ابن زياد ويوسف ابن تاشفين وأحمد المنصور الذهبي ومحمد بن عبد الله ومحمد بن عبد الكريم الخطابي وغيرهم… كانوا رجالا، لكن عبر كل منهم على حدة عن قيمة أمة.

هذه اليقظة التي يعبر عنها الشعب المغربي بطليعته المتمثلة في الحركة الشبابية ل 20 فبراير تعبر بحق عن تلك القيمة وتجعل لكل مواطن ومواطنة عنوانا في سجل الكبار عبر تاريخ الإنسانية.

إن معركة الشعب المغربي الحقيقية اليوم هي أن يدرك قيمته وعظمته كشعب عريق ومعطاء، وأن لا يلتفت وينشغل بواقع الفشل المحيط به والغريب واللامتناسق مع طبيعته وشموخه، وأن يؤسس للحظة الاستمرارية التي تتناسب وتنسجم مع أمجاده وبصماته التي طالما طبع بها تاريخ وإبداع البشرية.

هذا هو التحدي… وهذه هي المعركة!