وإذ أفصح صبح البيان فيما تقدم من وحي الفاتحة، فاستبان أن الدين عبادة الله وحده، في كنف الأخوة في الله، تخدمهما القوة الاستخلافية؛ فلنثن عنان القلم مستلهمين من الله السداد فنعرض لنواقض الدين حتى لا نقع فيها.

هل أتاك حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه إذ قال: “كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني” 1 .

كيف ضلوا فغضب الله عليهم؟

ولنبدأ بسم الله.

أما نواقض العبادة، وما تقتضيه من بواعث إيمانية، فتفَقَّدْها في قصة إبليس مع آدم عليه السلام؛ إذ كان إبليس أول ناقض من الجن، ووسوس لآدم، فكان أول ناقض من الإنس.

ولا يخفى عليك، أن هتين هما الأمتان المكلفتان بعبادة الله، عبادة اختيار. وفي هذا المعنى قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. سورة الذاريات الآية 56.

أما سائر الخلائق، فتعبد الله بالفطرة والاضطرار، كالملائكة وغيرها. وفي هذا المعنى قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ. سورة آل عمران الآية 87.

وقوله تعالى وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ. سورة الرعد الآية 15.

واقرأ قصة النقض الأول، في إباية إبليس أن يكون من الساجدين وقد أمره الله بالسجود لآدم؛ وفي أكل آدم من الشجرة، وقد نهاه الله أن يقربها.

فهذا إبليس لم يسجد، وذاك آدم أكل؛ وكلا عصى ربه فغوى؛ أما إبليس فحسدا من عند نفسه، وأما آدم فغره الخلد والملك الذي لايبلى.

وإذا استقصيت ما وراء الحسد عند إبليس، وجدته صريحا في قوله: “أنا خير منه”؛ وإذا استلهمت ما وراء اغترار آدم بالملك والخلد، وجدته في رغبة آدم أن يكون بعد الأكل خيرا منه قبل الأكل.

وإذا كان هذا، فأمسك هذه: إن التعلق بالخيرية التي لا تتأسس على التقوى، لهو الأنانية الصارفة عن الخير.

وكلمتها الصريحة: “أنا خير منه”. وهي كلمة حربائية مختلف ألسنها وألوانها، فمن قبيلها:

“سأصبح خيرا مني الآن” إن لم تكن تظن أنها كذلك، وأملت أن تكون، كما أمل آدم. وهذا أصل حب الدنيا وكراهية الموت.

و”هو خير مني؛ فلأقتلنه” إن ظنت غيرها كذلك، وعملت أن تكون خيرا منه. وهذا أصل الحسد عند بني آدم. وأولهم قابيل الذي قتل أخاه هابيل حسدا.

“أنا خير منه؛ فلأضلنه” إن ظنت أنها كذلك، وأنه جاء ليكون خيرا منها. وهذا أصل الحسد عند إبليس وذريته.

و”أنا خير منه؛ فلأستعبدنه” إن ظنت أنها كذلك، وأنه دونها أبدا. وهذا أصل قول فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى. سورة النازعات الآية 24.

و”لايمكن أن أكون بعد خيرا مني الآن” إن لم تكن تظن أنها كذلك، واستيأست من أن تكون. وهذا أصل الهوان.

“وهو خير مني فلأعبدنه” إن ظنت غيرها كذلك، واستيأست من أن تكون خيرا منه. وهذا أصل العبودية لغير الله ودين الانقياد.

فانظر، رحمك الله، إلى هذه الوجوه الباسرة، لهذه الجرثومة الأنانية. وهي قد تدل على أصناف من الناس، كما قد تجتمع، جميعها أو بعضها، في الشخص الواحد.

ثم استنجد عقلك ترى هذه الوجوه يفضي بعضها إلى بعض؛ فالأول يفضي إلى الثاني، ومنه إلى الثالث، وهكذا إلى السادس.

حب الدنيا يهدي إلى الحسد، وهذا إلى البغي، وهذا إلى الوهن والهوان.

كيف عصى ربه؟

مناه إبليس بشجرة الخلد والملك وقال: يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى. سورة طه الآية 120.

فغره ذلك ونسي أمر ربه. قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا. سورة طه الآية 115.

أنانية يخرج نباتها حب الدنيا، والغفلة عن الله؛ فهذه ثلاث خبائث ناقضات للثلاث البواعث؛ فتأله النفس ينقض العبودية لله، وسيطرة الهوى تنقض سيادة الوحي، وطاعة الشيطان تنقض الطاعة لأمر الله.

هكذا أكل آدم؛ لكنه تاب، فارتقت به توبته إلى مصاف الأنبياء عليهم السلام.

فكيف عصى إبليس؟ قال “أنا خير منه”؛ فأنساه أناه أمر الله، فحكم هواه، ثم را ح يطلب الحياة إلى يوم البعث، يستقوي بذلك على الصد عن سبيل الله.

فها أنت ترى الخبائث الثلاث وراء كفر إبليس. ثم إنه لم يتب.

هكذا حسد، فلم يسجد؛ ووسوس، فلم يتب.

ولك أن تلتمس بيان ذلك في سورة البقرة و الأعراف والحجر والإسراء وطه وص.

ويشير القرآن أن ما يحدث من ضلال، إنما يكون على شاكلة ما وقع لآدم. يشهد لذلك قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ. سورة الأعراف الآية 27.

ثم قص علينا شأن الأنبياء مع أقوامهم. وإذا تأملت وجدت ضلالهم، على نحو ما أضل إبليس آدم.

لقد وسوس إليهم بما وسوس إليه فقال: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى. سورة طه الآية 120.

حب الدنيا وكراهية الموت. هذا مدخل الشيطان إلى النفوس.

هذا الداء مركب في نفوس الكافرين؛ فتدبر هذه الآيات، تنبئك عن الخبائث الثلاث المركوزة في طبائعهم: إنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ سورة يونس الآيتان 7و8.

وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ 2 الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ سورة إبراهيم الآيتان 2و3

وليكن على ذكر منك أبدا، أن هذه الخبائث النفسية ناقضات للبواعث الإيمانية.

وإن أردت أن تقف على مجمل الأمر، في شأن هذه الخبائث النفسية؛ فاقرأ قصة الأنبياء مع أقوامهم، كما قصت في سورة إبراهيم. قال تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ 9 قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ سورة إبراهيم الآيتان:9و10

كفر وشك، وغفلة عن آيات الله، وضلال بعيد: سيطرة هوى؛ واعتراض على بشرية الرسل، وصد عن سبيل الله: تأله نفس؛ ومن وراء كل ذلك استمساك بإرث الآباء، ورضا بالحياة الدنيا من الآخرة، وعدم الرجاء في لقاء الله؛ إنه الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت.

هذه الخبائث النفسية الناقضات للبواعث الإيمانية فإياك إياك: تأله النفس، وسيطرة الهوى، وحب الدنيا وكراهية الموت.


[1] رواه البخاري في صحيحه.\