ألف الناس أن يميزوا سنتهم بالحديث في نهايتها عن حدث بارز له دلالة ووقع في المستقبل أو الحديث عن امرأة أو رجل السنة ترك بصمته واضحة المعالم في العلوم الإنسانية أو الدقيقة، باكتشاف علمي له حمولة علمية وازنة، أو صنع حدثا سياسيا له دوي وأثر ينحت في سحنة المجتمعات البشري ة،أو غير ذلك من المغربات التي تنشر على الصفحات الأولى للمجلات العالمية في الشهر الأخير من السنة الميلادية.

لكن سنة 2011 ميلادية الموافق لـ1432 هجرية، سنة ربيع عربي بامتياز، يجمع على ذلك المحللون السياسيون والمراقبون الدوليون والمنظمات العالمية والمنابر الإعلامية.

من أجل ذلك سوف نلاحظ، بعد حين، سيلا من الأقلام وعددا من الصور والتقارير تتحدث عن هذا الربيع العربي، غير المنتظر، وما أفرزه ويفرزه من تطورات للأحداث والمفاجآت في المشهد العربي، وما أحدثه وسوف يحدثه من تغيرات محلية وإقليمية ودولية.

أمر جعل – من جديد – مهندسي العالم مضطرين إلى مراجعة خارطة الطريق ورسم معالم جديدة لاستراتيجيات اللعبة السياسية الجديدة لشمال إفريقيا والشرق الأوسط الكبير، غير تلك التي سبق أن وضعها “بيريز” و”جورج بوش” سنة 2001، المؤسسة سابقا لقانون الإرهاب بعد أحداث شتنبر نفس السنة (2001).

2011: عام الجهر بالحق

ارتفعت فيه أصوات شباب ما هم بالأنبياء ولا الرسل المميزين بالمعجزات، ولا هم بزعماء الأحزاب أو النقابات المقيدين ببرامج حزبية أو أجندة نضالية محددة… إنما هم أصحاب إرادات قوية تحولت إلى قوة اقتحامية نزلت لميادين التحرير، مكسرة جدار الصمت ومقتحمة حجاب الخوف، تكشف عورة الفساد.

2011: عام سقوط الاستبداد

تهاوت فيه عروش حكام الاستبداد، حكموا شعوبهم خلال أربعة عقود بالجبر والقهر… لكنهم تناسوا قاعدة كونية ثابتة، ألا وهي: الضغط يولد الانفجار).

قاعدة تخضع لها حتى الصخور التي تبدو ظاهريا صماء لكنها باطنيا دينامية لا تجلي نتيجة حركيتها إلا بعد ملايين السنين. فلنتدبر بإمعان سورة الزلزلة، قال الله عز وجل: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا *وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ*.

فالفحم صخرة شديدة السواد زهيد القيمة يتحول بالضغط إلى ألماس قوي اللمعان ومرتفع القيمة…

فما بالك بالنفوس البشرية التي جبلت على العزة والكرامة والحرية. ولنتذكر استعباد البيض للسود في أنحاء متفرقة من العالم (أوربا وأمريكا): إنسان يباع ويشترى في الأسواق بثمن بخس من طرف أخيه الإنسان، ينكل به ويعامله بقسوة…

استعباد أفرز ثورة. “غضب السود” في الولايات المتحدة وإيرلاندا، جاءت على إثرها مواثيق دولية أسست لحقوق الإنسان، من أجل ضمان التوازن الاجتماعي.

حينما تكره الفطرة البشرية على الاستعباد والمذلة والهوان، تتمرد تلقائيا على مكرهيها، وينقلب السحر على الساحر.

التاريخ مليء بأحداث تؤكد سنة الله في الأرض وفي معمرها الإنسان، وهي سنة ثابتة، المتغير فيها سلوك الإنسان. فكانت “صناعة الصلاح” تحتاج إلى “صناعة الفساد”، حيث لا يمكن إدراك قيمة الصلاح دون معرفة شدة الفساد، بذلك ندرك محنة إرادة التغيير أمام سيادة الاستبداد: فكانت بحق رسالة الأنبياء والرسل أمام جبروت الفراعنة القدامى وممانعة المستضعفين لبطش الفراعنة المحدثين.

القرآن العظيم، الوحي المنزل على أفضل خلق الله, سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكشف هذه الحقائق لأولي الألباب؛.يقول الله عز وجل: طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ *وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ*. سورة القصص.الآيات1-6.

من الناس، ونحن من الناس، من لا يعرف قراءة التاريخ، ولا يعتبر بقصص الأولين المذكورين في الوحي المقروء، إلا أن الواقع المعيش يشهد لنا وعلينا بدروس عظام وعبر كبار لمن أراد أن يتعظ ويتوب إلى الله ليكون من المصلحين بعدما كان من المفسدين.

سنة الله في خلقه أن كتب على خلقه أن يحيطهم الفساد بصنع المفسدين، ليعرفوا حقيقة الصلاح باستخلاف المستضعفين وإمامة أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على منهاج النبوة.

2011: عام الموعظة

عروش حكامنا العرب اليوم فوق فوهة بركان غاضب يقذف بحممه في جميع الاتجاهات، ويخرج صهارة ساخنة من حناجر شعوب رفعت أصواتها عالية ضد الفساد والاستبداد.

1. هرب بنعلي من تونس خائفا من الثورة الخضراء.

2. سجن مبارك في مصر صاغرا ومحمولا وراء القضبان.

3. قتل القدافي في ليبيا شر قتلة، بعدما أخرج من جحر الجردان.

هامات فرعونية تسقط تباعا، بعدما شيدت عروشها على شفى حفرة وجرف هار، حكمت شعوبها بالعصا الغليظة لعقود، وجمعت ثروات طائلة بغير حق تقدر بملايير الدولارات، وفقرت أمة بعد أن أكرمها الله بالإسلام، وأغناها بثروات فوق الأرض وتحتها… لكن أمر الله كان مفعولا.

اللهم “لا شماته”…

أما آن لكم، يا من بقي من حكامنا العرب، أن تأخذوا العبرة من أخلائكم.

يا أسد الشام تستأسد على حفدة الأولياء، تقطع رؤوس الأبطال الأشاوس وتبتر أصابع المبدعين من خيرة أبناء درعا وحماة ودمشق… لأنهم لم يسبحوا لبعثك ولم يهللوا له.

ويا صالح اليمن حرق جسدك يوم جمعة غضب شعبك على مكرك وخداعك وعمالتك، ثم فررت، ثم عدت بوجه جميل وقلب قبيح، تبطش بيدك الشيطانية شبابا طاهرا يطالبك كل جمعة بالرحيل.

يا حكامنا العرب، كفرتم بقواعد الحكم العادل، وسن لكم الغرب قواعد “الحكامة الجيدة”، لتأسيس دولة الحق والقانون ولتحترموا حقوق الإنسان في التعبير بالرأي الحر والعيش الكريم والتعليم والصحة للجميع… كل ذلك من أجل ضمان استقرار محلي وأمن إقليمي، وحتى لا تدير عليكم شعوبكم يوما ظهورها وترتفع أصواتها في ميادين التحرير.

لكنكم خالفتم قواعد الحكم الرشيد بنهجكم أسلوب العض والجبر غير آبهين بنصح الناصحين وحكمة الحكماء.

الغرب أخذ العبرة منذ مائة سنة، أي منذ “الربيع الأوربي”؛ استوعب عواقب الفساد والاستبداد بعدما عاش بدوره ثورات شعبية غاضبة وفي مجالات عديدة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فجاء بعدها عصر الأنوار الذي أسس “الدولة المدنية” التي استمدت قوتها من وعي وإرادة شعوبها، فكانت بحق نهضة مجتمعية قوية.

الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي أنذرا الحكومات العربية منذ فجر هذا الربيع العربي بضرورة القيام بالإصلاحات الضرورية من أجل امتصاص غضب شعوبها الغاضبة، لكن شدة تحذيرها زادت غداة مقتل القدافي الذي ساءل شعبه، قبيل شهور، عن هويته بعبارته الشهيرة (من أنتم؟؟؟).

فحكماء الغرب أصبحوا يطالبون العرب بضرورة الاستماع جيدا لشبابه وإدماج الحركات الاجتماعية في الحياة السياسية وإعادة ترتيب البيت الداخلي بسن أسس جديدة لقواعد الحكم، والتخلي عن القبضة الحديدية.

حكماء الغرب يحذرون، وعلماء الأمة ينصحون، وحكامنا غير آبهين…

“وإنه الإسلام.. أو الطوفان”.