الغضبة التي فجرها تلاميذ أكثر من 100 ثانوية تأهيلية يوم 18 أكتوبر عبر مجموع ربوع المغرب لم تكن مجرد لحظة نضال عابرة، أو حالة تقليد صبيانية، بل كانت جرسا آخر منذرا بهول الوضع العام الذي تعيشه بلادنا عموما وقطاع التعليم على وجه الخصوص.

ومما يدل على ذلك، طبيعة المطالب التي بحت بها حناجر الغاضبين، والتي تركزت بشكل جلي على المعاناة اليومية للتلميذ المغربي، بعيدا عن أرقام الوزارة الوصية وتقاريرها التي يفضح زيفها الواقع المعيش؛ واقع الاكتظاظ وقلة الأساتذة وعدم تكافؤ الفرص، واقع تقزيم الحصص الأسبوعية لمواد دراسية هامة، واقع التخبط والارتجال في تنفيذ مشاريع “مخطط الاستعجال”، واقع التلميذ الذي لم يصله شيء ملموس عن تلك الجعجعة التي فلق بها رأسه، مخطط وإصلاح واستعجال وماذا بعد؟؟

إنه وجه آخر من أوجه التدبير المخزني لقطاعات حيوية في بلادنا، لا أحد منا نسي إصلاحات السبعينات والثمانينات التي قرر شكلها الحسن الثاني بجرة قلم، ولا أحد سينسى كيف تكونت لجنة صياغة الميثاق الوطني للتربية والتكوين وكيف اشتغلت وماذا أنتجت، ولا أحد يجهل حجم الميزانية التي رصدت للمخطط الاستعجالي الذي حمل بذور فشله في ذاته، فهل فعلا المغاربة وأطرهم التربوية فاشلون في إصلاح تعليمهم؟ أم أن المخزن بسياسته الشمولية ومعالجاته الأمنية وتدخلاته الانفرادية، هو من يحدد سقف النجاح ومداه؟ وهل فعلا نحن مقتنعون أنه يمكن إصلاح التعليم والنهوض بمنظومته في ظل وضع سياسي واقتصادي واجتماعي متأزم، لا يتململ إلا ليزيد الوضع تعقيدا وتدهورا؟ وهل يمكن أن نبني آمالا على إصلاح لا يضع حقوق موارده البشرية قبل واجباتها موضع أولوية؟

لقد عبر ضحايا المنظومة التعليمية عن وعي كبير وهم يرفعون شعارات تؤكد أن راحة الأستاذ وتمكينه من حقوقه أمر أساسي في التخفيف من معاناتهم، وبترديدهم لشعار “كيف ندير حتى نقرا والأستاذ فالقهرا” و”كيف ندير حتا نقرا … والأستاذ فالحكرة”، و”باراكا من النفاق … التلميذ عاق أو فاق”، بترديدهم لهذه الشعارات ضربوا خطط المخزن الذي طالما سعى للإيقاع بين أبناء الشعب تلاميذ وأساتذة وآباء، حيث يوجه أصبع الاتهام دائما نحو رجل التعليم سبب تردي المنظومة التربوية، كما تردد مؤسسات المخزن الحكومية وغير الحكومية، ويعفى المخزن من أي محاسبة أو متابعة رغم أنه هو من يخطط ويدبر ويحدد حجم الإنفاق ومجاله، وبات الوزراء يتسابقون في نزع صفة الوطنية على كل من قرر شن إضراب للمطالبة بممارسة مهنية كريمة. وقد زكى التلاميذ هذا الوعي برسالتهم المنشورة على صفحات الفايسبوك التي وجهوها إلى الأساتذة يشكرونهم فيها على المجهودات التي يبذلونها لتعليمهم، خاتمين الرسالة بعبارة “فلهذه الأسباب ولغيرها، سنخوض أساتذتنا الأعزاء مجموعة من الأشكال النضالية للضغط على المعنيين بالأمر للاستجابة لمطالبنا، فاعذرونا إن قاطعنا الدراسة لسويعات معدودة لانتزاع حقنا المسلوب”.

فقد التلاميذ إذن ثقتهم في المنظومة التربوية وفي شعارات الإصلاح وفي الأحزاب والنقابات، التي كان يفترض أن تقود حراكا لإنقاذ حاضر الوطن ومستقبله عندما دقت ساعة الصفر في قطاع التعليم منذ أكثر من 20 سنة، انتظر الجميع طويلا لكن غيوم الأزمة لا تزيد إلا تلبدا وخسائر بلادنا أصبحت تقاس بالأجيال المتلاحقة، فكان قرار التعبير الاحتجاجي الحضاري الذي أبان عنه المنتفضون يوم 18 أكتوبر رسالة قوية عنوانها الأبرز نضج في الشكل ووعي بتعقيدات الموضوع واستعداد للدفاع على الحقوق بشكل ذاتي بعد أن اثبتت الوسائط عجزها على إنقاذ الوضع. وهكذا تابع الجميع سلمية الاحتجاجات وخلوها من أي مظهر من مظاهر العنف والشغب، مقابل عنف الدولة سواء بالتدخل الأمني الذي مورس على تلاميذ بعض الثانويات، أو “عنف تربوي” انبرى له بعض المديرين الذي نهجوا أسلوب التهديد والتخويف في تعبير منهم عن تخلف في استيعاب طبيعة المرحلة وتلاميذ المرحلة وتحديات المرحلة.

ترى هل كانت رسالة التلاميذ واضحة كفاية لكل من يهمهم الأمر؟ أم سيتم اعتبارها مجرد هبة عابرة ستنحني بعدها الرؤوس لترضى بالموجود في ظروف التمييز والتهميش والإقصاء واللامبالاة؟ وهل سيكون فشل المخطط الاستعجالي نهاية الإصلاحات الفاشلة أم هو مجرد حلقة في سلسلة مازالت حبلى بالفواجع المخزنية التربوية، كسابقها من الفواجع السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟