تعيش الأمة الإسلامية اليوم لحظة متميزة في تاريخها، لحظة تحرر من الغثائية ومعانقة للفاعلية، كساها الربيع العربي حلة جميلة وصبغها بصبغة طيبة، تحدث- لا شك – تغييرا في الإنسان العربي والمسلم عموما، إذ تفتح أمامه المجال لتفكير أرحب ونظر أوسع لإدارة الواقع بحكمة وصبر ورفق واستشراف المستقبل بعزم وعلم.

وبما أن أثمن كنز تملكه الأمة هو الناشئة، فينبغي أن تحظى بالأولوية من طرف المكلفين بالشأن التربوي والتعليمي، للسهر على تلبية حاجاتها النفسية والعقلية والجسدية، ويبقى الدور الأكبر منوطا بها لتكتسب المعرفة الصحيحة والعلم النافع المؤهل لها لصناعة مستقبل الأمة في كافة المجالات.وفي هذا المقال سيكون الحديث منصبا على التلاميذ والزاد المساعد لهم في مسارهم الدراسي.

نية صحيحة

النية أصل العمل، وهي منه بمنزلة الروح من الجسد، فأول زادك أخي التلميذ النية الصالحة في طلب العلم، ولا بأس أن تعدد النيات، فتجعل أمها ابتغاء وجه الله تعالى، يقول برهان الدين الزرنوجي في كتابه “تعليم المتعلم في طريق التعلم” ص 36-37: وينبغي أن ينوي المتعلم بطلب العلم رضاء الله، والدار الآخرة، وإزالة الجهل عن نفسه وعن سائر الجهال، وإحياء الدين وإبقاء الإسلام لأن بقاء الإسلام بالعلم ويضيف: وينوي به الشكر على نعمة العقل وصحة البدن ولا ينوي به إقبال الناس عليه ولا استجلاب حطام الدنيا والكرامة عند السلطان وغيره).

لاحظ معي أخي التلميذ كيف تتعدد النيات في التعلم وجماعها الإخلاص لله تعالى وإرادة الآخرة بالسعي في الدنيا لنصرة الإسلام وإبقائه عزيزا ظاهرا على الدين كله.

عبادة سليمة

سبق الأمر الإلهي بطلب العلم على الأمر بالعمل، فأول مراتب العلم طلبا العلم بالله تعالى يتبعه الفقه في الدين تعلما للفرائض والسنن، لتجتهد في عبادة ربك، فتتقن الطهارة بأنواعها وتحافظ على الصلاة في أوقاتها عامرا مسجد حيك ومسجد مؤسستك التعليمية، وتحسن الصوم تطهيرا لنفسك وتزكية لروحك وتحصيلا للتقوى. فقد خرجت من مدرسة الصوم قبل أقل من شهرين، فهل تزودت؟ ما أثر الصوم فيك؟

أخلاق سامية

يعطيك الصوم صفاء في النفس وشفافية في الروح ترقى بك إلى إحسان عبادة ربك وإحسان معاملة غيرك، فتتخلى عن الأخلاق السيئة وتتحلى بالأخلاق الحسنة خاصة التواضع وحسن المخاطبة مع الوالدين والأقارب والجيران والإداريين والزملاء، تضع كلا في منزلته، واحرص على ذلك باستمرار، وليكن حرصك أشد في معاملة أساتذتك فإنما تؤتى العلم بالأدب والحرمة، يقول الزرنوجي في المرجع نفسه ص: 46: اعلم بأن طالب العلم، لا ينال العلم، ولا ينتفع به إلا بتعظيم العلم وأهله، وتعظيم الأستاذ وتوقيره)، فما أحوج تلامذتنا إلى ذلك في وقت قل فيه احترام الأستاذ وتقديره أو كاد ينعدم.

صحة سليمة

لا يقل – أخي التلميذ – البناء الجسمي أهمية عن البناء الخلقي، ولا سبيل إلى ذلك إلا:

– بالتغذية السليمة والمتوازنة، وهذا لا قبل لك به لأنه مرتبط بالنظام الغذائي المتبع من طرف أسرتك هل هو مبني على العلم أم العادة؟

– بالنوم الكافي: يقول ابن جماعة في كتابه “تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم” ص: 78: ولا يزيد في نومه، اليوم والليلة، على ثماني ساعات وهو ثلث الزمان، فإن احتمل حاله أقل منها يفعل).

– بالبعد عما حرم الله تعالى من شرب للخمر وتعاط للمخدرات والتدخين وقرب الزنا وقاية للصحة النفسية والعقلية والجسمية، فمما يدمي القلب أن تتحول المؤسسات التعليمية إلى بؤر للانحراف ومستنقعات للرذيلة؛ فبدل أن تتوارث الأجيال العلم والخلق أصبحت تتوارث الأخلاق السافلة والسلوكات المخلة بالحياء، يقلد فيها الصغير الكبير.

– ممارسة الرياضة بانتظام، فتحفظ لجسمك صحته وتساعد عقلك على امتلاك المعرفة وتملأ وقت فراغك.

همة عالية

من سمات المسار الدراسي أنه طويل، يحتاج إلى نفس طويل وهمة عالية لقطع مراحله ومستوياته بنجاح وتفوق، فينبغي – أخي التلميذ – أن تنظر بعيدا وعاليا؛ فتحدد طموحك الدراسي وطموحك المهني وتضعهما نصب عينيك، وتخطط لتعلمك على المدى القريب والمتوسط والبعيد، فبدون تخطيط تفشل وتضعف إرادتك وهمتك في تحقيق طموحك ويقل صبرك في مواجهة عقبات التعلم. فالموفق من التلاميذ من تعلو همته لإكمال مساره الدراسي وولوج المسار المهني، وقليل ما هم. يقول أبو الطيب المتنبي:ولم أر في عيوب الناس عيبا *** كنقص القادرين على التمامويقول آخر:لكل إلى شأو العلا حركـات *** ولكن عزيز في الرجال ثباتاستحضر – أخي التلميذ – أنك ستغطي خصاص وطنك وأمتك في ثغر علمي وعملي ما، وتكون لبنة في بناء تقدمها وتوطين العلوم بها، فتبحر في أنواع العلوم وفنون المعرفة، واغتنم أيامك ولياليك في تحصيلها، ذلك ما دعاك إليه الشاعر محمد بن الحسن بقوله:تعلم فـإن العلم زين لأهـله *** وفـضل وعـنوان لـكـل المـحامـد
وكن مستفيدا كل يوم زيادة *** من العلم واسبح في بحار الفوائد

مراجعة منتظمة

لا نجاح لك في المسار الدراسي بدون الانتظام في المراجعة، تراجع ما درست وتستعد لما ستدرس باستمرار حتى تبني تعلمك وتجمع معارفك بخيط ناظم يمكنك من منهجتها وترتيبها في عقلك تسهيلا لعملية استدعائها وتذكرها.

وأفضل طريقة أن تراجع دروس اليوم في نهايته ودروس الأسبوع في نهايته ودروس الشهر في نهايته ودروس الفترة في نهايتها ودروس الدورة في نهايتها ودروس السنة في نهايتها أو قبل مستهل السنة الدراسية الجديدة، دون إغفال الترويح عن النفس وأخذ قسط كاف من الراحة في كل الفترات.

لكن ما يؤسف له، عجز كثير من التلاميذ عن الانتظام في المراجعة واكتفاؤهم بها قبل الفروض والامتحانات بنية إجرائها رغبة في النجاح بغض النظر عن امتلاك معرفة رصينة متراكمة في كل المواد، مما يسبب ضعف المردودية والتحصيل الدراسي الذي كثرت حوله الشكاوى. غابت عن مؤسساتنا التعليمية وبيوتنا التربية على المهارات/ العادات الدراسية السليمة بما فيها المراجعة، وسادت بدلها طرق وعادات غير صحيحة للتعلم، وانغمس التلاميذ في اللهو المهيج للغرائز العابث بالعقول المزاحم للعلم المضيع للوقت المبذر للمال القاتل للخلق الماسخ للفطرة.

حافظة ضابطة

من أسباب ضعف الرصيد المعرفي لدى التلاميذ وشح مواردهم العلمية، هجرهم لمهارة الحفظ، أقصد الحفظ المصحوب بالفهم القابل للتطبيق والتوظيف والاستثمار في الحياة الدراسية والمهنية واليومية عموما. وقد كان للحفظ مكانة معتبرة عند السلف الصالح وإلى زمن قريب كنا نسمع آباءنا يتذكرون نصوصا باللغتين العربية والفرنسية مرت عقود على حفظها.

إن لمهارة الحفظ أهمية بالغة إلى جانب مهارات الفهم والتحليل والتركيب والتوظيف، فبدونها لا تتحقق، وهي لا تعدو أن تكون تكرارا لما يراد حفظه، يقال: الشيء إذا تكرر تقرر أي تثبت في الذهن، وعند التكرار تظهر الأسرار أي تستكنه المعاني وتجلو صورتها ويتضح غامضها مع الإعادة، ولقد رسم لك الشيخ قوام الدين حماد الصفاري خطة وطريقة الحفظ بأبيات شعرية رائعة تستدعي منك تأملها والتدرب على تطبيقها:أخدم العلم خدمة المستفيد *** وأدم الدرس بفعل الحميد
وإذا ما حفظت شيئا أعده *** ثــم أكـــده غاية التــأكيـد
ثم عــلقه كي تــعود إلـيه *** وإلـى درسه عـلى التأبـيد
فـإذا مـا أمنت منه فـواتا *** فانتدب بعده بشيء جــديد
مع تكرار ما تـقدم مـنـه *** واقتناء لـشأن هـذا المزيـد

صحبة متعلمة

تحتاج – أخي التلميذ – إلى صحبة حسنة ورفقة متعلمة لتتعاون معها على قطع المسار الدراسي، فتحفظ لهمتك توثبها وتوهجها، فكم من تلميذ مجد في دراسته متفوق تعثر دراسيا أو تراجع بسبب صحبته لتلاميذ كسالى منحرفين، فاحذر ذلك فقد قيل:لا تصحب الكسلان في حالاته *** كـم صالح بفساد آخر يــفسـد
عدوى البليد إلى الجليد سريعة *** كالجمر يوضع في الرماد فيخـمد

برنامج دراسي مضبوط

لتوفق وتتفوق – أخي التلميذ – في دراستك، وتحقق ما سلف ذكره، لا محيد لك عن وضع برنامج دراسي مكتوب، يضم ثلاث خانات؛ الخانة الأولى تسجل فيها الأيام، والثانية تضع فيها الأنشطة الدراسية من دراسة في المؤسسة ومراجعة وإعداد في البيت وسائر أعمالك كالصلاة وتناول الوجبات ومشاهدة التلفاز، والخانة الثالثة تخصصها لتوقيت الإنجاز. من فوائد البرنامج الدراسي أنه يربي فيك الانتظام في الدراسة ويجعل تعلمك أكثر تخطيطا ويكون حافزا لك على الإنجاز. ولا بأس من تعديله من حين لآخر حذفا وزيادة لتحسين تعلمك.

لا يسع – أخي التلميذ – في نهاية هذا المقال إلا التأكيد على ضرورة التخطيط لتعلمك والتزود بما لا غنى لك عنه، فما ذكرت لك من زاد، ليس على وجه الاستقصاء، إنما هي منارات ومعالم تهتدي بها في رحلتك الدراسية الطويلة، وما أسعدك وأسعد والديك ووطنك وأمتك عندما تصل إلى آخر محطاتها بتفوق واقتدار، فتثبت أهليتك وكفاءتك.