خصائص سنن الله

هذه السنن الإلهية كلها تتسم بخصائص مهمة منها:

1- أنها ثابتة لا تتغير، وقد جاءت آيات صريحة في هذا المعنى، قال الله تعالى: سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا 1 . وقال أيضا: فهل ينظرون إلا سنة الأولين، فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا 2 .

2- أنها مطردة لا تتخلف، وما قص الله تعالى علينا قصص الأمم السابقة إلا لنتعظ ونعتبر حتى لا يصيبنا ما أصابهم، جرّاء ما اقترفوه من مخالفات. يقول الله تعالى: قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين 3 .

3- أنها عامة تسري على الجميع من دون محاباة أو تمييز، فهي لا تقتصر على فرد دون فرد، ولا قوم دون قوم، يقول الله تعالى: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوء يُجْز به 4 . لقد كان اليهود والنصارى يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه 5 ، فرد الله عليهم بقوله: قل فلم يعذبكم بذنوبكم، بل أنتم بشر ممن خلق، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. وكانوا يقولون أيضا: لن تمسنا النارُ إلا أياما معدودة 6 . فجاءهم الرد من الله تعالى: قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده، أم تقولون على الله ما لا تعلمون. بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون 7 .

وعندما نقول إن هذه السنن تتسم بخصائص الثبات والاطراد والعموم فهذا لا يعني الحتمية الكاملة، وإنما كل ذلك تحت تصرف الله تعالى إن شاء أثبت هذه السنن، وإن شاء خرقها.

أنواع سنن الله

هي سنن كثيرة ذكرها القرآن الكريم لا نستطيع الإحاطة بها كلها، نذكر منها:

سنة الله في التغيير، سنة الله في التدافع، سنة الله في تداول الأيام، سنة الله في النصر والتمكين، سنة الله في هلاك الظالمين، سنة الله في الأسباب والمسببات، سنة الله في الاستدراج، سنة الله في الابتلاء، سنة الله في الهدى والضلال، سنة الله في الاختلاف والمختلفين، سنة الله في المكر والماكرين، سنة الله في طلب الدنيا والآخرة…

في هذا الصدد نقف عند بعض هذه السنن الإلهية لنرى كيف تفعل فعلها في هذا العالم الهائج المائج بالأحداث حتى ندرك حقيقة الصراع فيه، ونتائج هذا الصراع، وأهم الأسباب المتحكمة فيه.

1- سنة الصراع بين الحق والباطل: وردت فيها آيات كثيرة تُبين أن هذا الكون قائم منذ بدايته إلى نهايته على الصراع بين الحق والباطل، وتُبين كذلك أن هذه السنة جارية على إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وأنه إن كان للباطل جولة ودولة، فإن للحق دولة باقية وجولة دائمة إلى قيام الساعة.

طالع أيضا  أحداث العالم من خلال سنة الله - ج1

ومن الآيات التي تقرر هذه الحقائق:

قوله تعالى: ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون 8 . وقوله تعالى: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين، لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون 9 . وقوله تعالى: وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا 10 .

يتبين من خلال هذه الحقائق التي قررتها هذه الآيات أن نتيجة الصراع بين الحق والباطل محسومة في النهاية لصالح الحق وأهله. لأن الباطل ضعيف وإن بدا وظهر، والحق قوي وإن اختفى وضمر. وقد جاء أصدق تمثيل لهذه الحقيقة في قوله تعالى: قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار، أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا، ومما يُوقِدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله، كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، كذلك يضرب الله الأمثال 11 .

اشتملت هذه الآيات على مثلين رائعين لثبات الحق وبقائه، وزوال الباطل وفنائه وهما:

الأول: مثل الماء أنزله الله تعالى من السماء إلى الأرض فسالت أودية بقدرها الكبير بكبره والصغير بصغره، فاحتمل السيل زبدا رابيا عاليا فوق الماء، فالحق هو الماء في تدفقه وجريانه واستمراره وانتفاع المخلوقات به، والباطل هو الزبد الذي يعلو الماء يختفي بسرعة مع الرياح والحرارة ولا ينتفع أي مخلوق به.

الثاني: مثل الذهب والفضة أو غيرهما يوقد الناس عليهما النار لاستخراج منهما الحلي والمتاع، فالحق هو الذهب والفضة في نقائهما وصفائهما يبقيان لينتفع بهما الناسُ في التزيين وغيره، أما الباطل فهو ما كان يعلوهما من زبد ولهيب نار يضيع مع الرياح ولا يفيد في شيء.

2- سنة تداول الأيام: من الأمور التي قام عليها نظام الحياة أن دوام الحال من المحال، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يكون من السنن التي تحكم حياة الأمم والأفراد سنة التداول. سنة يرفع الله فيها أقواما ويضع آخرين، ويمحو أقواما ويأتي بآخرين، لحكمة يريدها سبحانه من خلقه، وهي تمحيص للمؤمنين ومحق للكافرين. يقول الله عز وجل: إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثلُه، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين 12 .

تقرر هذه السنة أنه وإن أصاب المؤمنين قرح وألم وأذى فإن الظالمين قد أصابهم قرح وألم وأذى كذلك، إن كانت الدولة والغلبة هذه المرة للظالمين يؤذون المؤمنين ويعذبونهم ويقتلونهم، فإنما ذلك ليعلم الله المؤمنين الصادقين من المنافقين الكاذبين، وكذلك ليتخذ الله من المؤمنين شهداء يُزفون إلى الجنة في دار الآخرة. وغلبة الظالمين لا يعني أبدا أن الله يحبهم بل يبغضهم وسينتقم منهم ويمحقهم بعد تمحيص المؤمنين.

طالع أيضا  عالم جديد بألوان طيف غريب!

3- سنة التدافع: ويكون التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل، أي بين المؤمنين وغيرهم، وهذا التدافع سنة حتمية قام عليها هذا الكون أيضا، وبدونها يتعرض للفساد. يقول الله عز وجل: ولولا دفاعُ الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين 13 . أي لولا أن الله تعالى يدفع أهل الباطل والفساد بأهل الحق والإصلاح لغلب أهل الباطل والفساد فتفسد الأرض بفسادهم. وهذا الدفع فضل من الله على عباده ورحمة. ذلك أنه أذن لأهل الحق القائمين منهم والمصلحين في الأرض بل أمرهم بمقاومة أهل الباطل المفسدين حتى يسود في الأرض العدل الذي من أجل إقامته أُنزلت الكتب وأُرسل الرسل عليهم السلام.

اليوم إذا عُطّلت هذه السُنّة، وركب الجميع في هذه السفينة الفاسدة والمفسدة، وإذا لم يأخذ أهل الحق على أيدي أهل الباطل، كيف ستكون النتيجة؟ الغرق لا قدر الله. فمن فضل الله في هذا الزمان الذي بلغ فيه الباطل ذروته، والفساد قمته، والاستبداد عُلوّه، أن يوجد من يقول بصوت عال: لا للفساد، لا للظلم، لا للاستبداد. ولدفع الباطل وأهله من المستبدين والمفسدين، وإحقاق الحق وانتصار أهله من المؤمنين، شرع الله جملة من الوسائل والأساليب منها:

1- الدعوة إلى الحق: لتوسيع دائرته والتقليص من دائرة الباطل، وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن.

2- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يقول الله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. والمعروف هو الحق، والمنكر هو الباطل. واليوم بخروج الشعوب عن صمتها، وسلوكها أسلوب المجاهرة بمطالبها لم يبق هناك مبرر لدى من يكتفي بالإنكار بالقلب بعد أن فتح الله له باب الإنكار باللسان. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”.

3- الجهاد: يقول الله عز وجل: أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفاعُ اللهِ الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامعُ وبِيع وصلوات ومساجدُ يُذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز 14 . والجهاد لا يعني بالضرورة القتال، بل له أبواب من جهاد للنفس وجهاد بالكلمة، وجهاد بالقلم، وجهاد سياسي، وغيره.

طالع أيضا  أحداث العالم من خلال سنة الله - ج1

وهذه الوسائل لا يستطيع أن يقوم بها فرد واحد، بل لا بد من قوة جماعية متماسكة، ذلك أن الباطل ليس مجرد أفراد، بل واقع تجسد في أجهزة ومؤسسات.

الوضع الآن أشد قلبا للحقائق، وأهل الحق لا يسمح لهم بالوجود إلا إذا أعطوا الولاء غير المشروط للباطل. المطلوب إرجاع الوضع إلى نصابه الإسلامي، وإخضاع الواقع الثقيل لعمليات التغيير اللازمة حتى تدور حياة المجتمع حول القرآن. الحق على الهامش والمطلوب إدخاله مرة أخرى إلى مكان الصدارة وإثباته في منصة السيادة. عامة المسلمين جاهلون بما هو الحق وما هو الباطل والمطلوب أن يعرف الناس الحق وأهله ويقبلوا به وينضموا تحت لوائه.

في معرض استخلاص العبرة من سنن الله في الكون ينبغي مع توقع المدد الإلهي الخاص أن نتزود بالصبر، ونُعوّل على المطاولة.

ومن منن الله على عباده المؤمنين أن ينصرهم متى شاء من غير أسباب، وذلك بدفع الباطل بعضه ببعض، فيتسلط الأكثر فسادا على الأقل فسادا بمقتضى سنة الله في ابتلاء أهل الباطل لبعضهم البعض. يقول الله تعالى:[وكذلك نولّي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون] (الأنعام:129). أي نسلط بعض الظالمين على بعض. وقد جاء في الأثر: من أعان ظالما سلطه الله عليه، ومن استنصر له فقد أعانه، ومن دعا له فقد أحب أن يُعصى الله في أرضه. وقال الفضيل بن عياض كما في الجامع لأحكام القرآن (7-85): إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجبا.)

خاتمة

الخلاصة الأولى: إن سنة الصراع بين الحق والباطل سنة كونية ينصر الله بها الحق وأهله، ويهزم بها الباطل وأهله، سنة تبعث الأمل في نفوس أهل الحق المؤمنين حتى لا ييأسوا من تأخير النصر، وتُثبّتُ قلوبهم حتى لا يُفتتنوا بغلبة أهل الباطل عليهم فيستسلموا.

الخلاصة الثانية: إن سنة التداول مرتبطة بحال الأمم والأفراد بأنه لا يدوم وإنما يتغير ويخضع للتداول. وهذه بشارة للمؤمنين بأن حال الظالمين اليوم لا يدوم طال الزمان أو قصر، فلا بد أن تدور الدائرة للمؤمنين فتكون لهم الغلبة والتمكين.

الخلاصة الثالثة: إن سنة الله في التدافع بين الحق والباطل تقتضي أن يدفع اللهُ الباطل بأهل الحق المؤمنين وذلك باتخاذ الأسباب التي شرع لهم.


[1] الأحزاب:62.\
[2] فاطر: 43.\
[3] آل عمران:137-138.\
[4] النساء: 123.\
[5] المائدة:18.\
[6] البقرة: 80.\
[7] البقرة: 80-82.\
[8] الأنفال: 7-8.\
[9] الأنبياء: 16-18.\
[10] الإسراء: 81.\
[11] الرعد: 16-17.\
[12] آل عمران: 140-141.\
[13] البقرة: 251.\
[14] الحج:39 – 40.\