قد علمنا من وحي الفاتحة 1، أن الدين عبادة ربانية وأخوة إيمانية وقوة استخلافية؛ وعلمنا من وحي الفاتحة 2 أن العبادة ترجع أصولها إلى بواعث إيمانية ثلاثة: محبة الله عز وجل، والاستهداء بالوحي، وطاعة الله ورسوله؛ ثم علمنا من وحي الفاتحة 3، أن الأخوة تنتظمها نواظم أخوية ثلاث: الحب في الله عز وجل، والنصيحة الشورية، والطاعة في المعروف.

وإذ قد عرفت ذلك، فاستمع إلى وحي الفاتحة 4، يحدثك، بعض الحديث، عن القوة الاستخلافية:

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين

جاء في وحي الفاتحة 1 قوله:

قال الله تعالى، في شأن قريش، في سورة قريش:

1. لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ

2. إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ

3. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ

4. الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

ولا يخفى على بصير، أن الأمن من الخوف، والإطعام من الجوع، مما يعين الله به عباده في عبادته. ولذلك قال الفقهاء أن صحة الأديان في صحة الأبدان. ولذلك كذلك، شرع إلى جنب أحكام العبادات أحكام العادات، وهي تتعلق بالمأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات وما أشبه ذلك.

والعون في العبادة يكون، بأن يمنحك الله إرادة العبادة؛ ويوري فيك همة التقرب إليه، بالفرض والنفل. ومنه وصيته صلى الله عليه وسلم لمعاذ: “أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك” 1 .

ومن العون أن ينعم الله عليك، بالأمن من الخوف، والإطعام من الجوع؛ وينعم على الأمة بالتمكين والاستخلاف، حتى تتحقق بمعاني العبودية لله عز وجل، وهو القائل سبحانه: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور 2 .

وإذا كان هذا، فقد وجب اتباع الأسباب الموصلة إلى التمكين، وهي الإيمان والعمل الصالح.

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (5) الخبائث النفسية

قال علت كلمته: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ 3 .

وقال تعالى: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ 4 .

وفي المثل المغربي سبب يا عبدي وأنا نعينك.

فالعون يكون بقوة، ينبغي اتخاذ الأسباب إليها؛ هدفها التمكين والاستخلاف؛ وغايتها التحقق بمعنى العبادة في أعلى مقاماتها، وهو مقام الحمد، وهو مقام إحساني.

وجملة الأمر، أن العون الإلهي والعناية الربانية يصحبان من تضرع إلى الله، ثم أعد القوة بين يدي الاستخلاف.

القوة الاستخلافية، ماالقوة الاستخلافية؟

وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ 5 .

وتسأل أيها الحبيب اللبيب كيف كان الناس أمة واحدة؟

لقد نادى منادي الفطرة الإنسانية، يريد الحرية والكمال، فأقبسته الصحبة الهادية؛ ثم برح به الشوق إلى الأنس بالعشير، فأسعفته الأخوة الحانية؛ ثم ألح يسأل الطعام والأمن، فوسعه العمران الأخوي.

هكذا، أخي، كان الناس أمة واحدة؛ لكن اختلفوا، واقتتلوا، وأفسدوا في الأرض، وصدوا عن سبيل الله؛ فانتقضت عرى العبادة والأخوة والعمران جميعا.

فعلوه، وكانوا ظالمين؛ فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ 6 .

جاؤوهم بالحق، يحفظ العبادة والأخوة والعمران، أن يذهب بنورها الاختلاف والعداوة والبغضاء.

بماذا جئت؟ لقد كان جواب النبي صلى الله عليه وسلم، إذ سأله أكثم بن صيفي؛ أن تلا قوله تعالى: إنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 7 .

قال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل، ولشر يجتنب) 8 .

ويجيء لك من هذه الآية، أن الاستخلاف، الواقي شر الاختلاف، بني على ثلاثة، هي أركان المعروف الذي أمرنا الله به: العدل والإحسان وصلة الأرحام.

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (6)نواقض الأخوة

هذه المقاصد الاستخلافية، إليها يرجع مجموع الفضائل والأعمال العمرانية، المتأسسة على البواعث الإيمانية والنواظم الأخوية. وهي تصل الإنسان بالأرض يعمرها، والكون يسخره، في كنف صلته بالله وبأخيه الإنسان؛ حتى تكون الأمة الخيرة المتحققة بمعاني الخلافة والقوة.

ولئن اقتضت البواعث الإيمانية، الخصال الأمهات، صحبة صالحة، وذكرا كثيرا، وصدقا خالصا، كما ورد في وحي الفاتحة 2؛ ولئن استلزمت النواظم الأخوية مع الخصال الأمهات الخصال البنات بذلا سخيا، وعلما نافعا، وعملا صالحا، وسمتا حسنا، وتؤدة رفيقة، واقتصادا قاصدا، كما جاء في وحي الفاتحة 3؛ فإن المقاصد الاستخلافية تستوجب مع كل أولئك الخصلة الأب: جهاد العبادة والدعوة والاستخلاف. فهذه عشر كاملة، كأهل بيت مطهرين: ثلاث أمهات، يخرج منهن ست بنات، والأب يجاهد في سبيل الله والمستضعفين.

وإن أردت أن تزداد تبيينا، بصدد هذه الخصال العشر، وكيف تجمع الدين كله، وتتأدى إلى تحقيق مقاصده؛ فانظر ما كتبه الداعية الرباني، والمفكر الإسلامي، عبد السلام ياسين، في كتابه “المنهاج النبوي”.

واعلم، يا طالب الرشاد، أن هذه القوة الاستخلافية إن تأزرت بها العبادة والأخوة والعمران؛ كان من العبادة الإحسان يسمو بها، ومن الأخوة صلة الأرحام تحفظها، ومن العمران العدل يحميه.

هذا، وليكن على ذكر منك أبدا، أن مقصد هذه القوة العمرانية، هو حفظ النفس والعقل، المتأسس على حفظ الدين والنسل والمال. فهي حافظة بحفظ الله لكل مقاصد الشريعة، كما بسطها الإمام الشاطبي رحمه الله، في كتابه الموافقات.

واحذروا، إخواني، أخواتي، نواقضها الثلاث تقطع بين الأمة؛ وهي للمنكر أركان، تبا لها من أركان؛ إنها البغي والفحشاء وتقطيع الأرحام، كما أوردتها أجمع آية.

وإذا استنجدت عقلك، واستفتيت قلبك؛ رأيت أركان التعارف، التي تجمع بين الأمة والأمم الأخرى، تخرج من أركان المعروف التي تجمع بين الأمة؛ وجملتها ثلاث: السلم والحوار والتعاون، كما ساقها قوله تعالى: وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 9 .

وقوله تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ 10 .

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (8)الأسئلة الكبرى

وقوله تعالى: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ 11 .

تبارك الله، نزل أحسن الحديث؛ فهلم نقبل عليه ابتغاء وجهه، كما أقبل أكثم فأسلم، ولنسمعلقوله إذ سمع أجمع آية: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوساً، ولا تكونوا أذناباً) 12 .

لا إله إلا الله محمد رسول الله. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] الراوي: معاذ بن جبل المحدث: النووي – المصدر: الأذكار – الصفحة أو الرقم: 103. خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح.\
[2] سورة الحج الآية 41.\
[3] سورة النور الآية 55.\
[4] سورة الأنفال الآية 60.\
[5] سورة يونس الآية 19.\
[6] سورة البقرة الآية 213. \
[7] سورة النحل الآية 90.\
[8] انظرالقرطبي في تفسيره.\
[9] سورة الأنفال الآية 61.\
[10] سورة النحل الآية 125.\
[11] سورة المائدة الآية 2.\
[12] انظر ابن كثير في تفسيره.\