تحصل عندنا، مما تقدم في وحي الفاتحة1، أن الدين عبادة وأخوة وقوة؛ وتحصل، مما بيناه في معنى العبادة في وحي الفاتحة 2، أن العبادة، ترجع أصولها إلى بواعث إيمانية ثلاثة: محبة الله عز وجل، وهداية الوحي، وطاعة الله ورسوله؛ وأن حفظ هذه الأصول إنما يتم بشروط ثلاثة: الصحبة الصالحة، وذكر الله الكثير، وصدق الطلب والدعاء.

وإذ تحصل هذا وذاك، فتعالوا نستمع إلى وحي الفاتحة، في شأن الأخوة؛ بعد أن استمعنا إلى وحيها، في شأن العبادة.

اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ.

جاء في وحي الفاتحة 1 قوله: ويجيء لك، من هذه الآية، أن الهداية قد أناطها الله عز وجل بمحبة الذين أنعم عليهم واتباع صراطهم. وهم الوارد ذكرهم في قوله سبحانه: )وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا سورة النساء الآية 69).

هذه هي أخوة الإيمان. وفيها قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. سورة الحجرات الآية 10.

ولا شبهة أنها السبيل الوحيد إلى الهداية والنور والرحمة. وقد أنزل الله هذه المعاني على قلوب أصفيائه، ولا سبيل لنيلها إلا بمحبتهم واتباعهم. وهل ينزل هدى الوحي إلا على قلوب الأنبياء؟ وإن أردت أن تزداد تبيينا فهاك اقرأ:

قال عز من قائل: )قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ سورة آل عمران الآية 31.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار” 1 .

“”لن تؤمنوا حتى تراحموا” قالوا يا رسول الله كلنا رحيم قال: “إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة الناس رحمة العامة”” 2 .

“الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل” 3 .

فتأمل كل هذا، واستقرئه واحدا واحدا، يدلك على الدستور الذي لنا فيه، إن تأملنا، غنى عن كل ما سواه، وهو أن الهداية إلى طريق العبادة، والتحقق بمعانيها الإيمانية، لا يكون إلا من طريق الصحبة الربانية والأخوة الإيمانية. من أجل ذلك، شرعت أحكام المعاملات إلى جنب أحكام العبادات.

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (9)

وإذ تحصل لديك أن الأخوة الإيمانية شرط في الهداية، فاعلم أن أولها محبة الذين أنعم الله عليهم، ثم تنشر رحمتها، فتعم العالمين، قرابة وجماعة وأمة والناس أجمعين.

وهل تدري بماذا أنعم الله عليهم؟ أنعم عليهم بما أنت إليه. أنعم عليهم بالعبادة والهداية والعناية؛ (اقرأ بيان ذلك في سورة النساء والأنعام ومريم والأنبياء) فاتبع صراطهم، أيها الحبيب اللبيب، تفز بما فازوا.

قال عز من قائل: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ سورة آل عمران الآية 31.

فتفقد ما يصحب الاتباع، من حب ونصيحة ومشاركة في عمل الصالحات، تجد الأخوة منتظمة في نواظم ثلاث: الحب في الله عز وجل، والنصيحة والشورى، والطاعة.

ويجمعها قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ سورة التوبة الآية 71.

فتفقد المحبة تجدها في قوله: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ؛ وتفقد النصيحة تجدها مجملة في قوله: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ؛ وتفقد الطاعة تجدها صريحة في قوله: وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ.

ويشهد لها الحديث القدسي وهو دستور المحبة. عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن ربه تبارك وتعالى: “حقت محبتي على المتحابين في، وحقت محبتي على المتناصحين في، وحقت محبتي على المتباذلين في، هم على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء والصديقون” 4 .

فها أنت ترى نواظم الأخوة في هذا الدستور: التحابب والتناصح والتباذل، في كنف المشاركة والطاعة لله ورسوله.

وإلى هذه النواظم الأخوية يرجع مجموع المكارم الخلقية، المتأسسة على البواعث الإيمانية، وهي تصل الإنسان بأخيه الإنسان في كنف الصلة بالله حتى تكون الجماعة المومنة المجاهدة في سبيل الله والمستضعفين، المتحققة بمعاني الأخوة، قصدها (النواظم) حفظ النسل والمال، المتأسس على حفظ الدين؛ وإليه (حفظ النسل) ترجع أحكام المعاملات، التي تناولها الفقهاء.

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (10)المنهاج النبوي في التغيير

نادى منادي الحاجة الفطرية إلى الأنس بالعشير؛ فأجابه الحب في الله عز وجل، وأنس القلب بالقلب، وأجابته النصيحة والشورى، فأنس العقل بالعقل، وأجابته الطاعة، فأنس العمل بالعمل.

ومن قبل نادى منادي الفطرة ،يسأل الحرية والكمال؛ فأجابه حب الله عز وجل، يحرر الإرادة؛ وأجابه الوحي، يهدي العقل إلى كماله؛ وأجابه العمل الصالح، يتأتى بالجسد إلى غايته.

وإذا استنجدت عقلك، واستفتيت قلبك، رأيت تلك النواظم الأخوية، تخرج من هذه البواعث الإيمانية، فيخرج من حب الله، الحب في الله عز وجل؛ وإلى هداية الوحي، ترجع النصيحة والشورى؛ ومن طاعة الله ورسوله تكون الطاعة لأولي الأمر منا.

ثم تعالوا، إخوتي، فانظروا ماذا يخرج من بطون هذه النواظم من خصال الخير؛ فالحب في الله عز وجل يقتضي البذل والخلق الحسن؛ والنصيحة والشورى تستلزم العلم والحلم؛ والطاعة لأولي الأمر منا تستدعي العمل الصالح والقصد في تدبير الوسائل.

فهذه، إخوتي وأخواتي، خصال ست، تبني بنيان النواظم الأخوية. فكونوا، رعاكم الله، على ذكر منها أبدا. وهلم نحصيها نفعنا الله بها: البذل، والعلم، والعمل، والسمت الحسن رأسه الخلق الحسن، والتؤدة قوامها الحلم والاقتصاد.

لا إله إلا الله محمد رسول الله. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] الراوي: أنس بن مالك. المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم: 6941.

خلاصة حكم المحدث: [صحيح]. \

[2] الراوي: أبو موسى الأشعري. المحدث: الهيثمي – المصدر: مجمع الزوائد – الصفحة أو الرقم: 8/189.

خلاصة حكم المحدث: رجاله رجال الصحيح.\

[3] الراوي: أبو هريرة. المحدث:النووي – المصدر:تحقيق رياض الصالحين–الصفحة أوالرقم: 177.

خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح. \

[4] المحدث: المنذري – المصدر: الترغيب والترهيب – الصفحة أو الرقم: 4/81.

خلاصة حكم المحدث: [إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما]. \