قرّرت جماعة العدل والإحسان مقاطعة الانتخابات التشريعية المبكرة، المزمع تنظيمها في 25 نونبر المقبل، في انسجام تام مع خياراتها السياسية والتي على رأسها موقفها الثابت من النظام السياسي الاستبدادي.

أكد بيان المقاطعة على دعوة الشعب المغربي الأبي إلى مقاطعة مسلسل الكذب والتزوير وتسويق الوهم، بمقاطعة الانتخابات المزمع تنظيمها بتاريخ 25 نونبر 2011 تأكيدا لرفض نتائج الاستفتاء المزور حول الدستور الممنوح المعدل، ودعما لحركة 20 فبراير، وللحركة الاحتجاجية المتنوعة التي تشهدها كل مناطق المغرب منذ انطلاق الربيع العربي)، كما دعا النخبة المغربية، الدعوية والسياسية والعلمية والفكرية والجمعوية والاقتصادية والرياضية والفنية، داخل المغرب وخارجه إلى الانضمام إلى حركة الشعب المقهور، وتحمل مسؤوليتها التاريخية في عدم الترويج لكذبة التغيير من داخل مؤسسات الوهم، لأن المغاربة قد فهموا جميعا هذه الأكاذيب).

لم يسبق لجماعة العدل والإحسان منذ انطلاق مشروعها الدعوي والسياسي بداية ثمانينات القرن الماضي أن شاركت في محطة انتخابية، تشريعية كانت أو جماعية، ولم تتورط يوما في تقديم شهادة الزور أو إعطاء الدنية من موقفها وسلوكها رغبا في منحة الحاكم أو رهبا من سلطانه وسطوته، بل تعاملت مع مختلف المناسبات السياسية الرسمية، التي صاغها النظام لإلهاء الشعب وإضفاء الشرعية، بانسجام تام مع موقفها الشرعي من علاقة الحاكم بالأمة، وقراءتها السياسية للإطار الدستوري والسياسي والقانوني الذي تجري في ظله.

ومضت العدل والإحسان طيلة تاريخها الدعوي السياسي في مسارها التغييري ومدخلها الذي اختارته للعمل المجتمعي، موقفا سياسيا يرفض “اللعبة المخزنية” وسلوكا مدنيا ينحاز إلى الشعب ويصطف إلى جانبه، حتى باتت الجماعة من أوضح الحركات التي أسّست في الوطن العربي لما سمي سياسيا بالخط الثالث، الرافض للمشاركة الانتخابية المُتحكم في آلياتها ومآلاتها، والنابذ لخيار التغيير العنيف المنبني على التدمير والفوضى.

وجاء الربيع العربي ليثبت صحة موقف الجماعة وقراءتها، وبدا فعلا أن خيار التغيير من داخل الشعب، والرهان على المجتمع عبر بوابة الشارع، وانتهاج التدافع السياسي الميداني السلمي الحضاري، أجدى وأنفع للشعوب من نفق المؤسسات الرسمية المصاغة على هوى الحاكم وخارطة النظام، التي أثبتت التجربة السياسية العربية، ومنها المغربية، منذ الجلاء الاسمي للمستعمر أن لا أفق لها سوى إعادة تكرار العبث والبعث المتجدد للأماني الموهومة في إصلاح لم يتحقق ولن يأتي.

جاء إذا قرار العدل والإحسان الداعي إلى مقاطعة الانتخابات المبكرة في سياق محلي وإقليمي يتسم بشعار سياسي بارز، عنوانه انتفاضة “الشعب يريد”، من خلال ثورة أبناء المجتمعات العربية ضد حكامها ونظمهم المستبدة، وفي نهضة لم يتوقعها “العقل الخبير” بالدراسات الاستراتيجية، وعبر يقظة أثبتت أن الشعب إذا أراد يوما الحياة فلا بد أن يستجيب القدر. عنوان لم يكن ليتخلف عن المغرب الأقصى، الذي يعيش أبناؤه نفس المعاناة السياسية والمحن الاجتماعية والاغتراب الثقافي، فكانت حركة 20 فبراير، التي لقيت من الجماعة كل الدعم وكامل الانخراط، الحدث والعنوان، وليصبح لصوت الشعب المغربي، الذي قاطع آخر انتخابات تشريعية بنسبة قاربت 80 في المائة، إطار سياسي مجتمعي ينظم جهوده ويوحد صوته ويعلي كلمته.

جاء قرار العدل والإحسان أيضا في وقت يتزايد فيه دعاة مقاطعة الانتخابات في المغرب بشكل لم يشهده البلد من قبل بهذا الحجم من العنفوان والقوة والزخم، فستة تنظيمات حزبية يسارية وإسلامية، وتنسيقيات حركة 20 فبراير في كل المدن المغربية، ومجموعة من الشخصيات الأكاديمية والعلمية والسياسية، وعموم أبناء الشعب الذين ملوا من تكرار مسرحية مملة السيناريو والتشخيص، هؤلاء جميعا أجمعوا على هجر اللغط المخزني والمسرحية المصطنعة، وهو ما يجزم منذ الآن بنسبة مقاطعة عالية غير مسبوقة، ما دفع بالمخزن إلى البدء من الآن في هندسته المعروفة الممهدة لتفصيل نتائج مزورة.

عندما انطلقت الثورة العربية تُسقط النظم المتسلطة أصدرت جماعة العدل والإحسان موقفا للتاريخ حمل عنوان “قبل فوات الأوان” قالت فيه: لا مكان بعد اليوم للتمويه والتخدير والإلقاء ببعض المسكنات وإطلاق الوعود البراقة الخلابة الكاذبة. لقد اتسعت الهوة بين الحاكم والمحكوم وفقدت الثقة وأصبح الحل واحدا من اثنين: تغيير جوهري ديمقراطي عاجل يقطع مع الاستبداد ويستجيب لحاجات ومطالب الشعب. أو يأخذ الشعب زمام المبادرة فيندفع سلميا وبكل التضحيات من أجل كنس الاستبداد). وعندما ألقى الربيع العربي بذرة طيبة في أرض المغرب يوم 20 فبراير، وأقدم النظام على مجموعة من الخطوات التمويهية لتسكين آلام الشعب، أعادت الجماعة التذكير، تحت عنوان “20 مارس والطريق إلى مغرب جديد”، وقالت: ينبغي على السلطة أن تستمع إلى نبض الشارع وأن تقتنع أن ما صرحت به إلى حد الآن لا يرقى إلى تطلعات الشعب. لقد كان ذلك تقديرا من السلطة، لكن هذا التقدير ظهر عدم جدواه. فهل نصر عليه حتى نجد أنفسنا في نهاية النفق المسدود على شفا جرف هار؟ أم نستدرك وندخل مجال التغيير من بابه الواضح والمختصر والموفر لطاقات وجهود وزمن وإمكانيات البلد؟ إن الإرادة الحقيقية في التغيير معروف مسارها، ومعروفة آلياتها، وبينة أجواؤها السياسية والتي لا تبدو، للأسف، وحتى هذه اللحظة أنها تلوح في أفق هذا البلد…).

وحينما واصل النظام الحاكم طريقه المفضلة، فصاغ دستورا على المقاس ونسبة تصويت من وحي الخيال، جددت الجماعة التأكيد على أن الوضع الآن ما يزال يراوح مكانه لأن شيئا مهما لم يحدث ولا تغييرا حقيقيا وقع، بل وقعت الانتكاسة الكبرى في مرحلة فاصلة كان بالإمكان أن تضعنا على السكة الحقيقية التي ينادي بها جميع الشرفاء منذ زمن بعيد. وبهذا فإن النظام المغربي حاول الإجهاز على بصيص الأمل الذي راهن عليه كل ذي نية حسنة، وأعاد الأمور إلى نقطة الصفر، وهذا ما كنا نحذر منه)، وها هي ذي العدل والإحسان تعلن اليوم مرة أخرى أن الانتخابات الشكلية حلقة مفرغة لن تحل مشكلا ولن تخرج السلطة في المغرب من عنق الزجاجة.