بسم الله الرحمن الرحيم،
وصلى الله وسلم و بارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه

الانتخابات التشريعية المغربية 25 نونبر 2011.. النظام المخزني يبحث عن طلاء ديمقراطي لاستبداده وفساده
فلنتعبأ جميعا لفضحه بمقاطعة شعبية واسعة

انطلق الربيع العربي يوم 17 دجنبر 2010 من تونس، ثم امتد إلى مصر وليبيا فأطاح بثلاثة رؤوس كبيرة من رؤوس الاستبداد في العالم العربي، قبل أن يواصل زحفه إلى اليمن وسوريا والبحرين…، واعدا وعدا جديا بالإطاحة برؤوس جديدة ما ظلت مصرة على استبدادها غارقة في فسادها، فتعزز أمل الشعوب العربية في الانعتاق من الاستبداد الذي جثم طويلا على صدور الملايين المقهورة.

وفي يوم 20 فبراير 2011 انطلقت الحركة الاحتجاجية في مغربنا المكلوم، مطالبة بتغيير جدي وسلمي للأوضاع البئيسة التي يعيشها هذا البلد على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، فطالبت بالحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وبحق الشعب في اختيار الحاكم ومحاسبته، وبصيانة المال العام والثروة الوطنية من السرقة والتبذير والاحتكار، ووضع حد للصناديق المتحركة في الظلام بلا حسيب ولا رقيب، وبمجتمع تحترم فيه حقوق الإنسان وتصان فيه الحريات العامة ويضمن للمواطن العيش الكريم، وبدستور ديمقراطي تقترحه لجنة منتخبة ويلزم بفصل السلط ويقر التداول على الحكم ويربط السلطة بالمحاسبة.

ويوم 9 مارس 2011 جاء خطاب الملك يتحدث في نقطة واحدة هي تعديل الدستور بطريقة انفرادية مانحة من خلال تعيين لجنة ورئيسها وأعضائها وآلياتها السياسية وتحديد مبادئها وسقفها.

ثم أعلن عن مشروع الدستور الجديد يوم 17 يونيو 2011 الذي وضع كل السلطات في يد الملك، الدينية منها والسياسية والقضائية والعسكرية والأمنية، وأغلق الباب أمام كل الآمال التي علقها البعض على خطاب 9 مارس 2011.

استمرت الاحتجاجات وقويت الدعوة إلى مقاطعة الاستفتاء على الدستور، وعمدت السلطة إلى تجنيد “فرق أمنية مساعدة” لإرهاب المحتجين فانفضح أمرها في الإعلام المحلي والدولي.

وجاء يوم 1 يوليوز2011 فكانت وزارة الداخلية، ذات التاريخ المعروف في التزوير، في الموعد، فطبخت وزورت وأراحت الجميع، وخصوصا المعارضين، عندما أعلنت عن النسبة الممقوتة التي بمجرد سماعها يخيم جو من السخافة والغرابة لمخرجيها الذين يظهرون خارج السياق المحلي والإقليمي والدولي، وتسترجع الأسماع كل الأشكال الممقوتة من التزوير والقمع والتلاعب بالإرادات وقلب الحقائق. لقد كانت نسبة مقاطعة الاستفتاء مدوية وغير مسبوقة في تاريخ الاستفتاءات والانتخابات السابقة.

كما صم الحاكمون في هذا البلد الآذان عن كل النداءات والمطالبات بوقف محاولات الالتفاف على التلبية الحقيقية لهذه المطالب، ومحاولة الرهان على الزمن قصد الخروج من المنعطف الحالي دون أن يقدم الاستبداد في هذا البلد أي تنازلات حقيقية في اتجاه تغيير ديمقراطي جدي يضع حدا للاستفراد الظالم والجائر بالسلطة والثروة.

لقد التبس على النظام المخزني وهم كبير نتجت عنه ثقة خادعة في النفس بأنه قد تجاوز عنق الزجاجة، فنكص على عقبيه، وعاد لممارسة نفس الأساليب الاستبدادية البالية، وكان أبشعها عندما أصر على الاستمرار في فرض طقوسه المهينة والحاطة من الكرامة الإنسانية في مخالفة صريحة وفاضحة لأصول الإسلام التي أمرت بالركوع والسجود لله وحده لا شريك له.

وواصلت الشركات والضيعات والعقارات التابعة للقصر ولقلة من المتنفذين استحواذها على ما يناهز 30% من الناتج الداخلي الخام، واحتكارها لأهم مجالات الإنتاج وأسواقه، في وقت يعاني غالبية المستثمرين كل أصناف التضييق والحيف وغياب شروط المنافسة العادلة، ويعيش 13 مليون مغربي في فقر منهم حوالي 8 ملايين تحت عتبة الفقر.

كما سُجل ارتفاع الديون الخارجية والداخلية إلى مستويات خانقة، واستمرار تردي المغرب في كل التصنيفات العالمية والإقليمية. ويأتي هذا بعد مرور ست (06) سنوات كاملة على انطلاق “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” بكل اعتماداتها المالية الضخمة وشعاراتها الدعائية البراقة.

وكل هذا نتيجة استمرار تحكم اقتصاد الريع، وغياب المنافسة العادلة، وتهريب الأموال إلى الخارج، واتساع دائرة القطاعات غير المهيكلة، واعتماد السياسات الاجتماعية العشوائية لامتصاص الاحتقانات الظرفية والبعيدة عن الحلول البنيوية العميقة، والاستمرار في تفريخ مؤسسات ومجالس (المجلس الأعلى للحسابات، مجلس المنافسة، الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة، صندوق التضامن، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مؤسسة الوسيط، المجلس الوطني لحقوق الإنسان…)، ليس لها من عناوينها ووظائفها غير التهام مزيد من الميزانيات وشراء الذمم والإغراق في سياسة التسكين وتبييض السياسات المخزنية السوداء والتي ليس لها من مفعول غير رفع منسوب الاحتقان.

وهذا ما عمق الكساد الاقتصادي والاختناق الاجتماعي؛ فأكثر من 70 % من المغاربة، أي أزيد من 20 مليون نسمة، يفتقدون للتغطية الصحية ، وغالبية الشعب ترزح تحت لهيب الارتفاع المهول لأسعار المواد الأساسية الماء والكهرباء، وأكثر من نصف الشعب ما يزالوا أميين، والخدمات الصحية تزداد تدهورا، والبنيات التعليمية والتربوية تعيش أخطر مستويات التردي، وملايين المغاربة محرومون من السكن المنظم واللائق، وما يزال 30% من الشعب خارج الربط بشبكة الماء والكهرباء.

كما يتواصل الاعتقال السياسي الظالم لعدد كبير من الأبرياء أو المحاكمين ضمن محاكمات لا تتوفر على أدنى شروط المحاكمة العادلة، واختطاف الناس وتعذيبهم حتى وهم داخل السجون، وحرمان كثيرين من حقوقهم الاجتماعية والمدنية لأسباب سياسية.

ويتواصل انتهاك حرية الصحافة وحرية التعبير باعتقال الصحافيين ومتابعتهم بالقانون الجنائي عوض قانون الصحافة والنشر، كما يستمر سيف الغرامات الثقيلة مصلتا على رقاب الصحافيين. كل هذا بهدف إخضاع الصحافة للسياسة المخزنية غير المحتملة للنقد والتقصي وكشف الحقائق.

ويواصل الملك، طبقا للدستور القديم والجديد، الاحتكار المطلق للسلطة، فهو فوق الدستور ويتحكم في الحكومة والبرلمان والقضاء والدين والأمن والجيش، ولا يخضع للمساءلة والمحاسبة عن تدبير كل هذه المجالات الهامة والمفصلية، والسيادة نابعة منه لا من الشعب ومن صناديق الاقتراع.

ولهذا يتفاقم يوما بعد يوم غياب التسيير السياسي المؤسساتي النابع من الشعب للشؤون العامة، ويسود التسيير المخابراتي المنفلت من كل القيود السياسية والقانونية والأخلاقية، والذي يتحكم في كل شرايين التدبير السياسي والاقتصادي والاداري، ويرعى الاستبداد والمستبدين ويحمي الفساد والمفسدين، مما أدخل المغرب في حالة من الارتباك والعشوائية في تدبير جميع الملفات.

في هذه الأجواء يتوج مسلسل التضليل المخزني الذي انطلق يوم 9 مارس 2011 بالإعلان عن إجراء انتخابات برلمانية سابقة لأوانها يوم 25 نونبر 2011، في سياق بنية دستورية وسياسية مستبدة وغير ديمقراطية تجعل مصدر السلطة السياسية هو الملك وليس الشعب كما في كل الأنظمة الديمقراطية، وفي غياب هيئة نزيهة ومستقلة للإشراف على الانتخابات، على اعتبار الدور التاريخي سيء الصيت لوزارة الداخلية المغربية في تزوير الانتخابات والتلاعب بإرادة المواطنين وهندسة مخزنية قبلية وبعدية للانتخابات قصد تفصيل نتائجها على هوى الحاكم وبما يخدم مصالحه في التحكم في كل شيء، وتشتيت قوة الأحزاب ليسهل التلاعب بها في إطار تكتلات تصنع على عينيه ولا تترك أي مجال للمبادرة السياسية المسؤولة والحرة في التحالف وتكوين أقطاب سياسية حرة وفاعلة. وفي ظل وجود لوائح انتخابية مغشوشة ومطعون فيها من قبل الجميع، وضمن إطار سياسي وقانوني لا يعطي أي ضمانة للنزاهة واحترام أصوات الناخبين، ويوظف التقطيع الانتخابي غير الخاضع لاعتبارات موضوعية ونظام الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي الذي يعد من أعقد الأنظمة الانتخابية بشكل سلبي من أجل تنفيذ أهدافه التسلطية الترويضية الإقصائية عن طريق التحكم في نسبة تمثيل كل حزب على حدة واستعماله أداة للبلقنة وإضعاف الأحزاب.

إن الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية الحقة مناسبة دورية يسترجع الشعب من خلالها سيادته فيعاقب أو يكافئ من كان انتخبه في عملية انتخابية سابقة ومكنه من السلطة لتدبير الشأن العام، فهي بهذا المعنى تجسيد لإرادة الشعب باعتمادها النزاهة وانفتاحها على كل الاحتمالات، وهي المدخل الأساس والوحيد لتداول حقيقي على السلطة في فضاء حقيقي لتعددية سياسية مسؤولة.

وقد وضعت جهات دولية مختلفة، على رأسها الأمم المتحدة، معايير متعارف عليها في تقييم كل عملية انتخابية؛ منها ضمان برلمان تمثيلي يعكس حقيقة إرادة الناخب، والحضور السياسي الشعبي للهيآت السياسية الفاعلة في المجتمع، وضمان حكومة مسؤولة وفاعلة، وتعزيز التماسك المجتمعي، وإفراز معارضة برلمانية جدية، ونزاهة العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها.

إن الانتخابات في المغرب تفتقد لأدنى هذه الشروط اللازمة لعقد انتخابات ذات مصداقية. فسيادة الشعب لا وجود لها، ولا أثر لفصل السلط، والسلطة لا علاقة لها بالمسؤولية والمحاسبة، إذ الذي يحكم حقيقة وبصفة مباشرة دستوريا وتنفيذيا يوجد خارج إطار أي متابعة أو محاسبة، وليس هناك تداول حقيقي على السلطة خاضع لنتائج غير مزورة نابعة من انتخابات حرة ونزيهة، وحرية التنظيم والتعبير ما زالت تتعرض لملاحقات ظالمة و تعسفية مستمرة.

وما زالت الحقوق في هذه البلاد ينظر إليها باعتبارها منحة وصدقة من المخزن يتفضل بها على المواطنين (الرعايا) كيف يشاء ومتى شاء.

وعلى هذا الاعتبار تجري الانتخابات في المغرب من أجل إضفاء الشرعية على النظام المخزني الاستبدادي السائد، ومن أجل إضعاف الأحزاب السياسية وتحميلها وحدها مسؤولية الفشل والإخفاق أمام الشعب. وهي تجري أيضا من أجل تحسين صورة السلطة أمام الرأي العام الدولي والظهور بمظهر الدولة الديمقراطية التي تحترم إرادة شعبها وتتوفر على مؤسسات منتخبة. وبهذا يحصل النظام على ما يسوقه خارجيا مقابل استمرار الاستبداد والقمع ومصادرة الحريات.

وهي تجري أيضا، وخصوصا في هذه الظرفية المتسمة باستمرار مئات المسيرات والاحتجاجات في مختلف مناطق المغرب وقطاعاته، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي وتحويل آماله المعقودة على التغيير إلى أوهام معلقة على انتخابات وما قد يليها من تكوين مؤسسات شكلية.

كما أن هناك إجماعا على أنها انتخابات يطبعها الارتباك والتسرع كما كان شأن الدستور قبلها، هدفها الإجراءات الشكلية الكفيلة بامتصاص الغضب الشعبي والالتفاف على الجوهر. وإلا فمن المستحيل إجراء انتخابات حقيقية تحترم المساطر شكلا ومضمونا في الأجل الزمني المحدد.

إن الربيع العربي وسقوط الطواغيت الثلاثة في البلدان المجاورة تونس ومصر وليبيا، واستمرار هذا الربيع في أكثر من بلد خصوصا اليمن وسوريا، و استمرار الحراك المغربي قرابة ثمانية أشهر وإصراره على مطالب عادلة وممكنة رغم التنكيل المخزني بالمحتجين بالاعتقال والتعذيب والتقتيل… كل ذلك كان ينبغي، عقلا وحكمة سياسية وإخلاصا للوطن، أن يدفع النظام إلى الطي النهائي للمرحلة السوداء في هذا البلد، والتأسيس لدولة عادلة تكون فيها الكلمة الأولى والأخيرة للشعب في الاختيار الحر والنزيه لمن يحكمه، وتكون له الآليات الواضحة المباشرة لمحاسبته ضمن مؤسسات ديمقراطية حقيقية ومسؤولة ومؤهلة، من حكومة منتخبة ومسؤولة وحرة في قراراتها السياسية والإدارية، وبرلمان تشريعي ورقابي حقيقي، وقضاء مستقل ونزيه، وضمن مناخ اجتماعي وسياسي وقانوني كافل لحرية التعبير والتنظيم والحركة.

لكن شيئا من هذا لم يقع، واستمر نفس الوضع المستبد، وواصل النظام نفس الرهانات الخاسرة على التمويه ومحاولات تضليل الرأي العام حول جدوى الانتخابات وما يقدم عليه من إجراءات تسكينية.

إن نفس المقدمات تفضي غالبا إلى نفس النتائج، لذا نعتبر ،كما تعتبر ذلك الفئات العريضة من أبناء الشعب، أن هذه الرهانات خاسرة ولا ينبغي أن تنطلي حيلها على ذي لب وعقل، وأن الإصرار عليها يفتح البلد على المجهول الذي ما فتئنا نحذر منه انطلاقا مما يمليه علينا ديننا من أمانة تستوجب الصدق والصراحة والوضوح.

لهذا، فإن المشاركة في هذه الانتخابات إنما هي مساهمة في خديعة ماكرة ومنظمة تستهدف تضليل الشعب، والتلاعب بإرادته، واستصدار شهادة حسن سيرة ديمقراطية مزورة، وفرصة لتبذير المال العام، وإصرار متعمد على تكرار مهزلة الدستور التي أصبح اليوم حتى أكثر من روج لها أو انبهر بها، في مقدمة من يكشف زيفها وخديعتها. وينبغي علينا جميعا، حركات وأحزابا ومنظمات صادقة وشخصيات فاضلة ومثقفين غيورين وكل حر في هذا الوطن المكلوم، أن نقف في وجه مسلسل العبث المخزني حتى لا نكون مضطرين مرة أخرى للانخراط في مسلسل التبرير القاتل للزمن السياسي الثمين والمضيع لمزيد من فرص التغيير الحقيقي، وأن نرفض شهادة الزور، وأن نتحمل مسؤوليتنا أمام الله عز وجل وأمام الشعب بمواجهة هذا البهتان ومقاطعة مهزلة الانتخابات.

كما نرى أن العمل السياسي في غياب مؤسسات نزيهة وذات مصداقية ينبغي أن يتجه ويرتبط بالمجتمع مباشرة من أجل إنجاز تغيير حقيقي عبر الضغط السياسي والاجتماعي السلمي المدني.

ولا نرى من سبيل لتحقيق هذه الآمال الصادقة إلا بالتكاثف الشعبي حول الحراك الضاغط الجاري، واستمرار اليقظة الشعبية العامة، وتعزيز أجواء الحوار بين مختلف المكونات والفاعلين، لأن هذه هي الضمانات الجدية والعملية لتحقيق حلم المغاربة في تغيير ملموس على الأرض.

قال الله تعالى: وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً، وقال سبحانه: وَلاَ تُطِيعُوۤاْ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ، صدق الله العظيم.

المجلس القطري في سلا ــ
الأحد 11 ذي القعدة 1432 الموافق 9 أكتوبر 2011