تمهيد

يراقب العالم اليوم تفاصيل مرحلة تاريخية يمر بها العالم العربي للخروج من فترة نظام حكم عصابات المصالح أو عصابات العائلات، واختلاف النخب، أو قبضة العملاء، إلى مرحلة حكم إرادة الأمة وحرية الشعب.

ولاشك أن كثيرا من التفاصيل فاجأت الكثير من المعنيين والمهتمين والباحثين والحاكمين فضلا عن عموم الناس، وفرضت على كل فرد أن ينتبه إلى واقعه ومحيطه ليتساءل بجد عن مستقبله ومصيره: كيف، ولماذا، وإلى أين، وبم، ومع من؟

ومن المعلوم أن أي حدث في التاريخ مهما كان حجمه في لحظته ما لم يكن وليد منظومة تفكير عميق في سياق بناء قواعده العلمية والعملية، أو ما لم يتم استيعابه من خلال هذا النمط من التفكير يصير حدثا هامشيا وثانويا مع مرور الزمن، وقد يسرق ثمراته الواقعية سراق التاريخ. بل إن الفكر حينما يصدر عن منظومة تفكير استراتيجي مصيري قد يجعل من حدث تاريخي جزئي فرصة تاريخية لإنجاز مطلب التغيير الجذري الشامل وفق وعي مرحلي دقيق لتنعتق الشعوب من قبضة الظلم والفساد وتقيم نظام الحرية، وهو غاية التفكير الاستراتيجي المصيري.

من هنا تأتي هذه المساهمة في تقدير بعض عناصر تفعيل اللحظة التاريخية، التي تسمى اليوم ربيع الشعوب العربية، ذلك أن أيام هذا الربيع ما لم تكن لبنة حاسمة في بناء المستقبل الجامع، مستقل الحرية والكرامة والعدل؛ مستقبل القوة والاستقلال، ستصير فوضى وتضارب وربما فتنة عارمة، والأهم من كل هذا أن قيمة التفكير الاستراتيجي المصيري تكمن في قدرته على دفع كل تخوف من فتنة يُتوهم حصولها من خلال الدخول في عملية التغيير الجذري؛ تخوف لطالما جثم على عقول وقلوب وإرادات كثير من العلماء والمفكرين والسياسيين والدعاة فضلا عن الشعوب.

نعم، يعيش الجميع أحداث وتفاصيل تتسارع بشكل غريب وعلى طريقة حادة، لكن العامل الحاسم في آخر المطاف وجود عمق فكري تصوري هائل يُرتب الأمور على نمط يتوافق والحقيقة، ذلك أنه ليس في كون الله تعالى عبث، ولن يترك سبحانه الإنسان سدى وإن عجز هذا الأخير عن الاستيعاب الصحيح لمجريات الأحداث وآفاقها ومصادرها.

لذلك نحاول هنا المساهمة في فتح أفق تغييري من بين واقع معيش قد يدع الحليم حيرانا.

أهمية التفكير الاستراتيجي في قيادة التغيير السياسي

فإذا اعتبرنا التغيير السياسي تحولا تاريخيا يعني عملية تجديد شاملة في اتجاه حركة الشعب ومضمون نظامها السياسي، أي هو نتاج نهضة واعية وعامة للمجتمع تتوج بنظام حكم عادل، فإنه لا يكون كذلك إلا إذا استند على نظام تفكير يتسم بالعمق الاستراتيجي المصيري، لأن التحول التاريخي لا يحصل إلا إذا وُجِّهت عمليات بناء الأعمال الميدانية عند إنجاز مراحل ويوميات التغيير بنظر استراتيجي محكوم بغاية واضحة وضوحا تاما، وفاعلة في تدقيق مضامين كل حركة جزئية يومية. وهو ما يكشف الأهمية الكبيرة والحاجة العظمى لهذه الخاصية في نظام التفكير لدى قيادة التغيير لأنها تشيع مستوى من الوعي العام بالقضية الجامعة يتيح فرصة بناء الحوافز والدوافع نحو الحرية، ولذلك يتميز هذا النوع من التفكير بأربع خصائص هامة:

– الأولى: أنه تفكير غائي

أي له غاية جامعة وضامنة لتحقيق المصالح الضرورية للناس من حيث هم أفراد ومجتمعات؛ سواء من حيث نظام علاقاتها الداخلية أو نظام علاقاتها الخارجية، وكذلك ضامنة لتوازن هذه المصالح بما يحقق قيم العدل والحرية والكرامة.

فحينما يَنْشُد التفكير غاية واضحة وضامنة لهذه القواعد يستطيع أن ينجز أهدافا ويقيم مقاصد علمية وعملية تتجنب كل ما يؤثر سلبا على الحياة العامة والخاصة ويجلب كل ما يخدم هذه الحياة ويجعلها جميلة، حيث يحاصر فيها، إلى أبعد الحدود الممكنة، كل قيم الظلم والتظالم والفساد والإفساد والمسخ والعنف على الطبيعة والإنسان، ويشيع كل قيم النبل والعفة والجمال والأمن والأمان والاستقرار والاطمئنان. وهو ما يقتضي وجود من يحمل وضوح هذه الغاية والقدرة على عرضها.

– الثانية: أنه تفكير عملي

أي أنه يحقق توازنا دقيقا بين الفكرة ومداها العملي، فهو لا ينجز أعمالا ومواقف لا قيمة ولا معنى لها، ولا يبني أفكارا وتصورات زائدة، فهناك تناسب دقيق بين مستوى التصورات ومستوى الأعمال؛ أي بين الفكرة وبين ما ينبني عليها عمليا، فإذا اكتشف أعمالا ومواقف فإنه يغطيها بما يناسبها من الأفكار والقواعد العلمية حفاظا على الاتجاه العام لحركة التغيير، أي لوجهة ومضمون التحول التاريخي، وهو المقصود في القرآن الكريم بمعنى “نبذ الترف”؛ فلا ترف في التفكير الاستراتيجي الصائب.

ولذلك كان دوما الترف باب الانهيارات الشاملة:

1. فكل فرد أصيب بمرض الترف، في الأفكار أو السلوكات، حتما يصاب بالانحراف، ومن ثمة سوء تقدير الموقف في اللحظة المناسبة لأن الترف يتعارض مع معنى الحكمة.

2. كل تنظيم سياسي أو مجتمعي، مهما كان حجمه وطبيعته، إذا أصيب بالترف، سواء من حيث الأفكار والتفكير أو الأعمال الزائدة أو التي في غير وقتها ومناسباتها، حتما يؤدي تراكم ذلك إلى فتنته التي تتمظهر في صور انشقاقات وتصدعات أفقية أو عمودية أو هذه مجتمعة.

3. على مستوى الأنظمة السياسية، أيا كانت طبيعتها وحجمها: قطرية، إقليمية، دولية… لائكية أو غير لائكية، إذا أصيبت بالترف في الفكر أو السياسة أو الاقتصاد…، حتما ستنهار مع مرور الزمن أو عند أي مستوى من مستويات الاهتزاز الحاد. وهو ما يعني أن التفكير الاستراتيجي لما ينبني على غاية واضحة ودقيقة المعنى يجنب الأشخاص والتنظيمات والأنظمة كل صور الانحرافات والانهيارات القاتلة.

– الثالثة: أنه تفكير واقعي

فحينما يستند المرء أو التنظيم أو النظام السياسي إلى نظام تفكير غائي فإنه يملك قوة هائلة على الانغراس في تفاصيل الواقع دون أن يصبح مجرد رقم أو جزء سلبي من أجزائه، خاصة إذا كان هذا الواقع يحتاج إلى عملية تغيير جذرية، أي عملية تحول تاريخي.

إن التفكير الاستراتيجي مهما أحاط بتفاصيل الواقع أيا كانت دقتها وحجمها، يبقى مشدودا إلى تلك الغاية الجامعة، ومن ثمة يوفر قوة اقتراحية هائلة للتغيير والإصلاح الحقيقيين، ويوفر الإجابات الممكنة والمناسبة للإشكالات العملية والعلمية المعيشة والمتوقعة.

الرابعة: أنه تفكير شمولي: ولا تعني هنا الشمولية الدلالة السياسية “الإيديولوجية” السائدة في خطاب اليوم، والتي تلغي قيم الحرية الحقيقية، وإنما تعني أن غائية التفكير نور كاشف وعمليته حكمة بالغة وواقعيته قوة ورحمة لا عنفا وجهلا، ذلك أن الغاية هنا لا تقف عند سقف الحياة السياسية والمجتمعية، وإنما تذهب مخترقة كل الحجب لتقف على معنى الموت وما بعد الحياة والموت لترجع إلى هنا، حيث مطلب التغيير الجذري والتحول التاريخي، لتعطيه معنى معرفيا وعمليا دقيقا عامرا بكل القيم السامية التي تبذل الغالي والنفيس من أجل أن يعيش الناس كرماء أحرارا كما ولدتهم أمهاتهم، وإنما حاملو القيم الرذيلة التي مصدرها الاستكبار والإفساد والمسخ والظلم، الذي يتعارض وكل جميل في الحياة، هم من يفسدون حياة الناس والأمم ويقحموها في صراعات هادمة ويصيروها جحيما محرقا.

إن الشمولية تضيف لهذا التفكير الاستراتيجي خاصية المصيرية، ولذلك غالبا ما أُردفُ في الحديث والبحث كلمة استراتيجي بكلمة مصيري تعبيرا عن هذه الحمولة العملية والمعرفية التي تصنع واقعا له ذوقه ومعناه الذي أصله: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

ومن ثمة تُوفر الشمولية بهذا المعنى قدرة كبيرة على استيعاب كل “سيناريوهات” التغيير المحتملة وغير المحتملة المتوقعة وغير المتوقعة لأنها تخوض في تفاصيل الواقع الإنساني بكل مستوياته وهي مشدودة إلى عمق استراتيجي مصيري جامع. والمصير هنا يشكل مصير الفرد بعد الموت، ويعني في الدلالة السياسية والمجتمعية وحدة الأمة وقوتها حيث يوفر التفكير الاستراتيجي المصيري تلازما وتكاملا وتناسقا وترابطا بين المصيرين، ويحقق توازنا بين جميع المصالح من خلال إنتاج فكر اجتهادي وإبداعي يغطي كل المجالات العلمية والمعرفية والعملية. وهو ما يفسر معنى القوة لدى كل فرد أو تنظيم أو نظام يتسم تدبيره بآلية التفكير الاستراتيجي المصيري بالمعنى المحدد. فليس الأمر تصلبا في الفكر والموقف وإنما سعة نظر وقوة اقتراح وتنفيذ على قواعد الحرية.

وهكذا تظهر قيمة هذا النمط من التفكير في قيادة التغيير.

قيادة التغيير السياسي

يخطئ الكثير حينما يعتبر التحولات التاريخية نتيجة فعل جزئي في لحظة ما، ذلك أن التحول التاريخي عملية كبرى وعظمى لا تنجزها إلا قوة عظمى تستطيع أن تجمع الإرادات وتوحد اتجاه عملها وتكامل أدائها الميداني من خلال عملية اجتهاد فكري وحركي تنظيمي كبرى.

إن الهدف المباشر من إنجاز عملية تحول تاريخي هو إزالة نظام سياسي اجتماعي اقتصادي تعليمي قيمي فاسد وظالم وإقامة نظام آخر حر ومحرر وفق مستوى مناسب من الوعي المرحلي على قاعدة نظام تفكير متسم بالخصائص المتحدث عنها هنا.

لذلك فمستقبل انتفاضات الربيع العربي لا يرتبط فقط بما أنجز من خروج الشعوب إلى الشوارع وتطويق أنظمة سياسية مترهلة قائمة عبر احتكار الثروة والسلطة، ومحترفة في بناء الأجهزة الأمنية وفي المناورة والمخاتلة والاحتواء والمسخ والتدجين وشراء الذمم، وإنما يرتبط بضرورة توفر قيادة أو صناعة قيادة تخوض المعركة الحقيقية لفتح الطريق الحقيقي نحو التحرر الشامل.

فقد تبين بالواضح أن التغيير السياسي الحقيقي لا ينجز إلا من خلال قوة سياسية مجتمعية، وهذه القوة تتمثل اليوم في إرادة الشعوب التي لا تقهر، والشعوب بالمعنى العام لا تستطيع أن تذهب إلى أفق التغيير إلا بوجود قيادة منها تشكل البوصلة والأداة إلى ذلك الأفق بحيث تملك هذه القيادة بالتحامها وانصهارها في ومع إرادة الأمة القدرة والكفاية على انتزاع وصنع وسائل الذهاب إلى تحقيق أهداف ومقاصد الانتفاضة.

ومن ثمة فإن قيادة التغيير السياسي الشامل تتميز بخاصيتين أساسيتين:

الأولى: أنها تتوفر على عمق فكري استراتيجي مصيري لا يكون إلا تجل لمستوى القيم السامية التي تملأ قلبها وتنعكس مباشرة على حركة جوارحها صدقا وبذلا وعلما وعملا بتفان كبير ونكران للذات وفناء في خدمة القضايا الإنسانية.

الثانية: أنها لا تبارح الميدان وتباشر عملها من مواقع مختلفة ومتعددة وتغطي كل المجالات، ومن ثمة فهي قيادة جامعة لا على طريق التلفيق ولا على طريقة التبرير، وإنما من خلال الصرامة الضرورية والحكمة اللازمة للحفاظ على وضوح وصفاء قضية التغيير وأفقه، ومن ثمة فهي قيادة سياسية ومجتمعية جامعة.

ولذلك يجب التأكيد على أن السياسي لا يمكن أن يكون قائد التغيير لأنه لا يستطيع بطبيعته مقاومة اللحظات الدقيقة في مسار التغيير، وإنما القوة المجتمعية الكاملة التي تدار حركتها في تلاحم مع قيادة مجتمعية سياسية يكون السياسي جنديا من جنودها لا أداتها الأصلية.

فالسياسي قد يصنع تحالفات مرحلية من خلال حركته الدؤوبة في الميدان، لكنه لا يصنع القوة المجتمعية المنجزة لعملية التحول التاريخي، وهي مهمة القيادة المجتمعية التي تشتغل على أساس قضية المجتمع الجامعة في كل لحظات.

إن إخفاق التحول التاريخي لدى المجتمعات العربية، طلية قرن من الزمان تقريبا، ليس مرده إلى جبروت أنظمة تبين أنها تنهار بسرعة لما تصطدم بإرادة التغيير تتمثل في قوة ميدانية لا أفكارا وحركات هنا أو هناك قد تصنع ضجيجا مؤلما، وإنما مرده إلى أن أنظمة سياسية كلية ووجهت بأفكار سياسية وتنظيمات سياسية جزئية وليس عبر قوة مجتمعية مؤطرة بمشروع مجتمعي يجمع الأمة على قواعد النهضة الشاملة لأجل الحرية الشاملة.

ومن هنا فالحاجة ملحة اليوم ليس إلى سياسي محترف عامر بالأفكار السياسية والمواقف الميدانية وهو ضروري لإنجاز التغيير، وإنما إلى قيادة تحتضن المجتمع ويحتضنها وتخوض معه معركة التحرير. ولذلك لا مناص من دخول العلماء والمفكرين والمثقفين والأكاديميين حلبة الصراع مع باطل أفقد الأمة كل قيم العزة والكرامة والقيام بوظيفتها التاريخية. ولاشك أن هؤلاء سيدخلون الحلبة سواء قبل قيام الشباب بمهمته التغييرية أو بعدها، ومن دون ذلك سيتحول الربيع إلى خريف لا قدره الله.

ومن دلالات هذا أن حركات الشباب ستعاني معاناة شديدة إذا لم تنتبه إلى وظيفة هؤلاء وأهميتهم في بناء المستقبل وقيادة المراحل الأساسية في التغيير السياسي الشامل.