آفاق الحراك الشعبي العربي

كما لم يكن ممكنا توقع انفجار الحراك الشعبي في العالم العربي، فلا يمكن تحديد مآلاته بدقة. إلا أننا مع ذلك نستطيع استشراف آفاق هذه الاحتجاجات واستفادة العبر منها. ونكتفي في هذا الصدد بالتأكيد على مجموعة من الخلاصات أهمها أن:

1 / إن ما يقع في العالم العربي منذ شهور يعتبر تحولا مهما في سياق التاريخ العام للأمة الإسلامية ككل، فهو بداية لانهيار أنظمة الجبر، وتأسيس عهد جديد تتحرر فيه الشعوب من طوق الاستبداد وتطهر بلدانها من الفساد الضار بمصالح العباد. وإذا كان قطار التغيير قد توقف لمدة عند محطتي مصر وتونس، ولم يستكمل جولته بنفس السرعة، فإن تحركه تجاه باقي بلدان المنطقة ليست إلا مسألة وقت. ولا أدل على ذلك من انهيار نظام العقيد القذافي، بعد حرب وحشية خاضتها كتائبه ضد الأحرار من أبناء شعبه، وها قد بدأ تأسيس عهد جديد في ليبيا الشقيقة. وفي كل بلد عربي يعتمل حراك يتقوى بمرور الزمن، وتزيده رعونات الحكام الطغاة استشراء وتوقدا، وسيُأتي أكله بإذن ربه وفق قدر الله تعالى في الزمان والمكان المقدر له.

2 / إن التغيير ليس لحظة عابرة في تاريخ الأمم والشعوب، بل هو مسار يمتد في الزمن وينقسم إلى مراحل ومحطات، لكل واحدة منها أهداف وغايات ووسائل تختلف عن الأخرى. وهذا ما يفرض على من يقود هذا الحراك التحلي بالصبر وطول النفس، والحكمة الشديدة في تدبير التَحوّل، وعدم التسرع في قطف ثماره أو التورط مع الجماهير في إعطاء وعود حالمة غير قابلة للتحقق العاجل. يضاف إلى هذا ضرورة توخي الحذر الشديد في تدبير الانتقال من مرحلة الحكم الفاسد المستبد، إلى مرحلة الحكم الراشد، بحيث يُحرّم فتح باب الانتقام، وتعتمد سياسة العفو والعدل والاستيعاب لضمان الاستقرار والسلم. كما يجب العمل على إشراك أكبر عدد من القوى الوطنية الفاضلة، وترتيب الأولويات بدقة وعدم الانجرار إلى معارك هامشية تستنزف الجهود وتعطل مسار التغيير أو لا قدّر الله تُحدث انتكاسة في المشروع برمته. فلا ينبغي الغفلة عن كيد الكائدين من الداخل و الخارج.

إن تحديات التغيير الجذري عظيمة، كما أن مكاسب الشعوب منه لا حصر لها مقارنة بالمعاناة التي تتكبدها تحت نير الاستبداد. والعملية التغييرية بحاجة ماسة لقدر كبير من الكياسة والصبر وبعد النظر، وتحييد أقصى ما يمكن من الخصوم وتدبير حكيم للمعركة مع الأعداء. وأهم معين في هذا الصدد الانفتاح الواسع على فئات الشعب وإشراكه في مسار التحول مساهمة ومراقبة ودعما. وهذا أمر يقتضي الانخراط في تعبئة قوية ومستمرة للجماهير بكل الوسائل والإمكانات. فإذا كان لابد لكل تحول من مرحلة انتقالية تؤسس للقطيعة مع الاستبداد والفساد، فكلما انقضت هذه المرحلة بسلاسة وبأقل قدر من الخسائر ولم تستنزف جهود العاملين، وكلما كان الشعب فاعلا ومتابعا ومقتسما للتكاليف وكانت قيادة التغيير راشدة وذات مشروع مجتمعي استراتيجي، كلما تأسس التغيير على أرض صلبة واخترق الحواجز وتجاوز الصعاب وحقق المكاسب على أرض الواقع وفي قلوب الناس.

3 / من أهم حسنات هذا الحراك أنه دفع الشعوب إلى هجر اللامبالاة والاهتمام بمصيرها بنفسها، وهو ما قد يحرر إرادتها وقدرتها على العمل البناء والنفع العام، ويتجه بها صوب التنمية والنهضة الحضارية الشاملة. فالمرحلة القابلة هي إذن مرحلة صياغة مشاريع سياسية واجتماعية، تربوية وثقافية، واقتصادية تقوي هذه اليقظة وتفتح أمامها آفاقا واعدة للفعل والتأثير.

4 / إن المستفيد الأول من الحراك في العالم العربي هي الشعوب المقهورة، ثم النخب الوطنية المخلصة وضمنها الحركات الإسلامية، التي عانت من ظلم حكام الجبر وحصار دعوتها زمانا. فهذا الانفراج في الحريات سيتيح لا محالة للإسلاميين الفرصة التاريخية لعرض دعوتهم ومشاريعهم على الأمة، ووضعها على محك التجربة والتنفيذ. فهم الفئة المجتمعية الأكثر تنظيما والأقدر على تسيير دفة التغيير في بلدانهم بحكمة وروية ما تجنبوا فخاخ الطريق، وجمعوا الجهود الشريفة على ميثاق جامع يفتح الباب لمساهمة الكل في نهضة الوطن وتنميته من غير عجلة ولا انتشاء أو غرور، أما الخاسر الأكبر من عملية التغيير فهو بدون شك أخطبوط الاستبداد برموزه ومؤسساته، ثم الفساد بدهاقنته والمنتفعين من استشرائه.

لقد رسخ الحراك الشعبي المتعاظم في العالم العربي مجموعة من القناعات تتجذر يوما بعد آخر في عقول الناس وتكرس في أرض الواقع، أبرزها أن زوال أنظمة الجبر إلى زوال لا ريب، وأن الشعوب في العالم العربي مُصرّة على التحكم في مستقبلها وأن ليل الاستبداد البهيم يتوارى وفجر الحرية والعدل والكرامة في انبلاج بقوة وإصرار وعزم “والله غالب على أمره ولو كره الكافرون”.