والعالم اليوم يحتفل بالعيد العالمي للمدرس، ننتهز الفرصة، لنقف وقفة إجلال وإكبار بين يدي العاملين في قطاع التربية والتعليم بالمغرب ، لنقدم لهم أسمى معاني الشكر والعرفان بالجميل على ما يبذلونه من جهد وتضحية بسخاء وتفان، عبر مختلف ربوع المغرب بحواضره وبواديه وسهوله وصحاريه.

فرغم انعدام ظروف العمل، ورغم الإكراهات والصعوبات المادية والمعنوية وشتى العوائق، يظل رجال التعليم ونساؤه -بشهادة الجميع- من أنظف الناس يدا وذمة، ومن أحرصهم الناس على المبدإ والرسالة والعطاء، فحياهم الله وكتب ذلك في ميزان حسناتهم، وزادهم حرصا وأعانهم على ثقل المسؤولية والأمانة التي على عواتقهم، أمانة التربية والتعليم وإعطاء القدوة والمثال الأخلاقي التربوي.

وإلى جانب الشكر، فهذا العيد أيضا مناسبة لنؤكد أن شعارات إصلاح التعليم والرفع من الجودة والمردودية وما شابهها من شعارات مرفوعة، تظل بلا ريب حبرا على ورق إن لم يكن المدرس المعلم الأستاذ المربي حجر زاويتها وقطب رحاها، فالمعلم ليس شريكا فحسب، بل هو ركن ركين في عملية التربية والتعليم وأي تنقيص أو تهميش كان مقصودا أو غير مقصود هو فشل وإفشال لمشروع النهوض بالمدرسة المغربية.

فلا أحد يجادل أن قطاع التعليم ينبغي أن يكون عاملا من عوامل تنمية الأمة وتحريرها من التبعية والتخلف، وعليه أن يكون منفتحا على سوق الشغل وحاجاته ومتطلباته؛ لكن بالمقابل ليس من المقبول أن يتحول التعليم إلى “ملحقة” في خدمة المقاولات والشركات تحدد أهدافه وغاياته وتضع له البرامج والخطط، فبعض العقليات المتطفلة على التعليم والطارئة عليه من “عالم المقاولة والإنتاج” ستلحق دون شك ضررا كبيرا بقطاع التعليم وستفرغه من رسالته السامية، فقد صارت تتعامل مع التعليم بعقلية “المعمل” حيث ضاعت العملية التربوية والتعليمية في لجة الحسابات والأرقام والإحصاءات، وصار المربي- في عرفها- أجيرا يقاس عمله بالساعات لا بما يحدثه من أثر في عقول النشء، وما يغرسه من قيم وفضائل في نفوسهم.

مسار التعليم في أي أمة لا ينفصل عن مسار الأمة كلها واختياراتها الكبرى، بل هو قاطرة التغيير، ورجل التعليم هو الأساس المعول عليه في كل ذلك، ولذا ينبغي إيلاءه الأهمية القصوى والأولوية التامة في كل إصلاح منشود، وهذه الأولوية لا تنصرف إلى الجانب المادي فحسب، بل ينبغي أن تشمل الجوانب الاجتماعية ومجال التأهيل والتكوين، ومجال بيئة العمل وشروطه، فمدرستنا اليوم فقدت هويتها وروحها وتقمصتها روح غريبة من العنف واللامبالاة ، فلا تعليم بلا تربية، ولا تربية بدون روح أبوية حانية، وعلاقة محبة واحترام متبادلة بين المعلم والمتعلم.