مقدمة

الحب عاطفة سامية زرعها الباري عز وجل في فطرة ابن آدم، فبه ينجذب العاشق إلى مالك قلبه، ويهفو الخليل إلى ظل خليله، ويحن الطائر إلى وكره، وبه يُلَمُّ شعث الأسرة، وتتعاضد الجماعة، وتلتئم الناس، ويتراص المجتمع، وتتوحد الأمة.

والحب زاد السالك إلى محبوبه، ومُهَوِّنُ مشاق الطريق إلى مطلوبه، ومقرب الشقة بينه وبين غايته، ومُقيله من عثرته، ومؤنسه في وحشته، ومُعَزِّيه في محنته.

عروة الحب

الحب عروة، والعروة ما يُعْتَصَم به ويُستَمْسَك؛ روى الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “أَيُّ عُرَى الإِسْلاَمْ أَوْسَطُ (خَيْرُ)”؟ فقالوا: الصلاة، قال: “حَسَنَةٌ وَمَا هِيَ بِهَا”، قالوا الزكاة، قال: “حَسَنَةٌ وَمَا هِيَ بِهَا”، قالوا صيام رمضان، قال: “حَسَنٌ وَمَا هُوَ بِهِ”، قالو الحج، قال: “حَسَنٌ وَمَا هُوَ بِهِ”، قالوا الجهاد، قال: “حَسَنٌ وَمَا هُوَ بِهِ”، قال: إِنَّ “أَوْسَط عُرَى الإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ وَتُبْغِضَ فِي اللهِ”.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “يا بن مسعود، أَيُّ عُرَى الإِيمَانِ أَوْثَقُ”؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: “أَوْثَقُ عُرَى الإِسْلاَمِ الْوَلاَيَةُ فِي اللهِ وَالْحُبُّ فِي اللهِ وَالْبُغْضُ فِي اللهِ”

وجهان للحب في الله

يقول تعالى في سورة الفتح: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ.

ويقول عز من قائل في سورة الكهف: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ.

في الآيتين معًا عرض لوجْهَي الحب في الله:

الوجه الأول: محبة دليلٍ يدل على الله

وهو محبة عارف بالله، يَدُلُّ العباد على الله بدلالة ما ورث من ميراث النبوة “العلماء ورثة الأنبياء”، وبحكم معرفته إياه وخبرته به سبحانه:الرَّحْمَـٰنُ، فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا. واستجابةً لأمره صلى الله عليه وسلم: “اَلْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل”.

و”النظر” في هذا الحديث مقصود به البحث والاستقصاء والالتماس كما في قوله تعالى على لسان فتية الكهف: فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أزكى طَعَامًا، أي: فليلتمس أَيّ أهل المدينة أطيبَ طعاما 1 .

طالع أيضا  الحب والتحابّ في الله 2/3الوجه الثاني: تحاب بين المؤمنين

والحديث بهذا المعنى حَثُّ على التماس صاحب الدين. والدين هنا ليس بمفهومه العام (الإسلام/النصرانية/اليهودية)، ولكن بمفهومه الخاص الذي يفصله حديث جبريل عليه السلام (الإسلام… الإيمان… الإحسان…).

ومن النظر قوله تعالى في سورة الحديد (12/14):يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ، يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّـهِ وَغَرَّكُم بِاللَّـهِ الْغَرُورُ.

جاء في “البحر المديد” (6/246): أي: انتظرونا؛ لأنه يُسرَع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف، ويبقى المنافقون في ظلمة، فيقولون للمؤمنين: قفوا في سيركم لنستضيء بنوركم… وقيل: من النظر، أي: التفتوا إلينا وأَبْصِرونا نَقتبس مِن نوركم).

وجاء في تفسير الجلالين (11/99): أَبْصِرُونَا).

وفي “فتح القدير” للشوكاني (7/149) وقيل: معنى انظرونا: انظروا إلينا؛ لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، فيستضيئون بنورهم، “نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ” أي: نستضيء منه).

ومن أعظم نعم الله على عبده أن يلهمه أن ينظر (يلتمس) عارفا به سبحانه، فيَنْظُرُه هذا العارف (يبصره) فيقتبس العبد من نوره ما يسري في قلبه بما في قلبه، فأعظم بهما من نظر ونظرة، ومن ناظر ومنظور.

ورب نظرة أورثت هداية كما اهتدى سيدنا عبد الله بن سلام رضي الله عنه حيث قال“لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قبله (أي ذهبوا إليه مسرعين) فقالوا: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم .فجئت في الناس، فلما رأيت وجهه عرفت أنه ليس وجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: “أَيُّهَا النَّاسُ، أَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلاَمَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاُسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلاَمٍ”.

فما على العبد حينئذ إلا أن يستجيب لأمر الله تعالى: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيّ، فيفوز ببركة صحبة من قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي في “شعب الإيمان” مرفوعا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: “أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَقْوَامٍ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ بِمَنَازِلِهِمْ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى مَنْابِرَ مِنْ نُورٍ يَكُونُونَ عَلَيْهَا”؟ قَالُوا: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: “الَّذِينَ يُحَبِّبُونَ عِبَادَ اللهِ إِلَى اللهِ، وَيُحَبِّبُونَ اللهَ إِلَى عِبَادِهِ، وَهُمْ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ نُصَحَاءَ”. قَالَ: قُلْنَا: يُحَبِّبُونَ اللهَ إِلَى عِبَادِ اللهِ، فَكَيْفَ يُحَبِّبُونَ عِبَادَ اللهِ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: “يَأْمُرُونَهُمْ بِحُبِّ اللهِ وَيَنْهُونَهُمْ [يَعْنِي: عَمَّا كَرِهَ اللهُ] فَإِذَا أَطَاعُوهُمْ أَحَبَّهُمُ اللهُ”.


[1] تفسير البيضاوي باب 12 ج 3 ص 473\