مقدمـــــــة

لا شك أن هذا الواقع الذي يعرف انتفاضات شعبية واسعة على الخريطة الجغرافية والسياسية للمنطقة العربية وشمال إفريقيا من أجل المطالبة بالحرية والكرامة والعدل، وبإنهاء الفساد والاستبداد والظلم، هو صراع في الحقيقة بين مستضعفين ومستكبرين، بين مقهورين ومستبدين، بين مظلومين وظالمين. قد يتأسف ويتألم الكثير من الناس على جسامة الخسائر البشرية والخسائر المادية في سبيل تحقيق هذه المطالب، والمتمثلة في كثرة الشهداء والضحايا، والمصابين والجرحى، والثكالى واليتامى، وآثار التخريب والدمار، لكن هل هذا يخفى على الله تعالى ولا يراه؟ هل يعجز الله تعالى عن نصرة عباده المستضعفين وتدمير المستكبرين، وعن تأييد أهل الإيمان ومحق الكافرين؟ إن الله على كل شيء قادر وقدير، وما يجري في كون الله من الوقائع والحوادث صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها، كلها تقع أمام عين الله، وتحت تصرفه الحكيم.

أمام هذه الأحداث التي يعرفها العالم نستخلص درسين اثنين:

الدرس الأول: أنه إن كان من إرادة الله الشرعية في الأرض أن يُعبد الله ويُرجى، وأن يسود الحق ويعلو، وأن يُقام العدل ويسمو، وذلك ما تركه الله تعالى من اختيار الإنسان في أن يحقق مراد الله منه في الأرض، أو يحقق مراده هو، إن كان هذا من إرادة الله الشرعية فإن من إرادته الكونية أنه سبحانه فعال لما يريد، يتصرف في ملكه كيف يشاء، لحكمة يعلمها هو سبحانه، فهو يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، ويرفع أقواما ويضع آخرين، فما نراه في الكون شرا قد يكون خيرا، وما نراه خيرا قد يكون شراوعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

الدرس الثاني: أن الله تعالى خلق هذا الكون وما فيه من المخلوقات بالحقخلق السموات والأرض بالحق، ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك. وكل ما يقع في هذا الكون من حركة وسكنة ومن حوادث ومجريات لا تقع صدفة ولا خبط عشواء، إنما تقع بإذن الله وبعلمه وبأمره، ووفق قوانين ثابتة ومطردة وعامة.

فجميع الظواهر الكونية من شمس وقمر ونجوم وبحار وأمطار ورياح وبراكين وزلازل وغيرها، وكل الكائنات الحية من إنسان وحيوان ونبات تخضع لهذه القوانين. يقول الله عز وجل:والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون. ويقول تعالى:ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما، ثم أنشأناه خلقا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين.

الإنسان باعتباره جزءا من هذا الكون يخضع من جهة لقوانين عامة تجري عليه كما تجري على جميع المكونات الأخرى، فخلقه والأطوار التي يمر بها في بطن أمه والتي يمر بها في حياته حتى مماته يخضع لقوانينها العامة. وباعتباره إنسانا مكلفا دون غيره يخضع من جهة أخرى لقوانين خاصة به تشمل تصرفاته وأفعاله وسلوكه في الحياة وما يكون عليه من أحوال وما يترتب عليه من نتائج. كالسعة في الرزق وضيقه، والسعادة والشقاء، والقوة والضعف، والرقي والتأخر، والعز والذل، والنصر والهزيمة، والعافية والابتلاء، وكل ما يصيبه في الدنيا والآخرة من عذاب أو نعيم، ومن فلاح أو خسران.

طالع أيضا  عالم جديد بألوان طيف غريب!

ولا يستطيع الإنسان أن يغير من هذه القوانين شيئا أو يحوّلها. وإنما يستطيع أن يعْرفها ويعْرف تفاصيلها وجزئياتها. يقول الله تعالىيُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. يسمي القرآن الكريم هذه القوانين بالسنن الإلهية أو بسنة الله. يقول الله تعالى:قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين. ويقول أيضا سبحانه:سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا. ويقول تعالى:فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا

تعريف سنة الله

السنة في اللغة تعني السيرة ، حسنة كانت أو قبيحة ، كما جاء في لسان العرب لابن منظور. وفي النهاية لابن الأثير: والأصل في هذا اللفظ السنّة: الطريقة والسيرة. وفي حديث المجوس “سنوا بهم سنة أهل الكتاب” أي خذوهم على طريقتهم وأجْروهم في قبول الجزية منهم مجراهم.

وقال الفيروز آبادي في معنى السنة: والأصل فيها الطريقة والسيرة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من سنّ سنة حسنة” أي طرق طريقة حسنة، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم طريقته التي كان يتحرّاها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “والسنّة هي العادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره الأول، ولهذا أمر الله تعالى بالاعتبار”.

وقال الإمام الرازي في تفسيره :”والسنة : الطريقة المستقيمة والمثال المتبع”، وقال رشيد رضا صاحب تفسير المنار :” السنن جمع سنة ، وهي الطريقة المعبدة أو السيرة المتبعة أو المثال المتبع”.

يلاحظ أن هذه الكلمة يدور معناها على معنى (الطريقة المتبعة) فيكون معنى (سنة الله) هي الطريقة المتبعة في معاملة الله تعالى للبشر بناء على سلوكهم وأفعالهم وموقفهم من شرع الله وأنبيائه وما يترتب على ذلك من نتائج في الدنيا والآخرة” 1

طالع أيضا  أحداث العالم من خلال سنة الله 2/2

أقســــامـها

حين نستقرئ آيات القرآن الكريم المبنية على الحكمة والتصرف المطلق للإرادة الإلهية نجد أن لله عز وجل في خلقه نوعين من السنن:

1- السنن الخارقة:

وهي تلك القوانين الجارية على خلاف السنن المعروفة للبشر، وهذه السنن الخارقة في مفهوم الشرع الإسلامي وكيانه العقائدي يرجع إلى قدرة الله المطلقة التي يؤيد بها أنبياءه متمثلة في المعجزات، أو يساند بها أولياءه متمثلة في الكرامات، ولا تنقطع هذه الأخيرة بدوام الحياة الدنيا، والله يعلم وأنتم لا تعلمون 2 ومن أمثلة السنن الخارقة في مجال الطبيعة –مثلا- ما ورد في نصوص الشرع من حادثة انشقاق القمر، وانفلاق البحر، وتشوين الماء مع سيولته، وحجب السكين عن طبيعتها وهي القطع، وحجب النار عن طبيعتها وهي الإحراق.

وفي مجال الحياة وقوانينها نرى إبراهيم عليه السلام يدخل النار ولا يحترق ولا يموت من نقص الأكسجين، ويونس عليه السلام يعيش في بطن الحوت تحت طبقات الماء فترة من الزمن ولا تتأثر حياته بذلك.

وفي مجال الاجتماعيات نرى أن سيدنا موسى عليه السلام ينتصر بقلب العصا ثعبانا، وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ينتصر بمعونة خمسة ألاف من الملائكة، ولوطا عليه السلام ينتصر برفع قريته بواسطة الملك إلى السماء ثم إلقائها مقلوبة إلى الأرض ليهلك من كان فيها جميعا بعد إخراج لوط عليه السلام ومن كان معه منها. 3

2- السنن الجارية:

وهي تلك السنن التي تحكم نظام الدنيا ونراها منتشرة في الكون، وفي الحياة، وفي سلوك الإنسان على السواء. وحسب التعريف نوعان:

– سنن عامة: متعلقة بالكون ومكوناته، بها تدور الكواكب في مداراتها لا تتخلف عن دورانها، ولا يقع بينها التصادم أثناء حركتها، ولا يخرج الواحد منها عن مداره، ولهذه الكواكب وظائفها وآثارها، كل في حدود ما خلق من أجله.

طالع أيضا  أحداث العالم من خلال سنة الله 2/2

وفي الكون المادي على كوكب الأرض ألوان وأصناف من القوانين التي تحكم الظواهر الطبيعية بحيث لا تشذ ظاهرة عن القانون الذي يحكمها، وقل مثل ذلك في القوانين التي تحكم ظواهرها في الأحياء من إنسان وحيوان ونبات. غير أنه ما يميز هذه السنن العامة أن الخضوع لها يتم قصرا وقهرا من غير أن يكون لظاهرة من الظواهر الكونية شعور بالإرادة أو إحساس بالحرية. ولذلك فهي تشمل من الكون على الجانب الغير المكلف. ويندرج تحت هذا الجانب ما كان قدريا في الإنسان من ولادة وموت وحياة وأوصاف خلقية وحالات فطرية.

– سنن خاصة: متعلقة بالإنسان باعتباره مكلفا، وجودها لضبط سلوكه الصادر عنه باختياره، وهذه السنن يشعر الإنسان معها بالحرية والإرادة، والقدرة على الإحجام والإقدام، والفعل والترك، وفي نفس الوقت يتحمل معها كامل المسؤولية في ما يترتب عن هذا الإحجام أو الإقدام، والفعل أو الترك من نتائج.

ويدخل في نطاق هذا النوع من السنن ما يمكن أن نسميه “السنن الاجتماعية”، و”السنن التاريخية”، و”السنن النفسية”، و”السنن الأخلاقية”، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الأمم. 4


[1] ع.الكريم زيدان، السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية. \
[2] مجدي محمد محمد عاشور، السنن الإلهية في الأمم والأفراد في القرآن الكريم: أصول وضوابط، ص:38-39\
[3] طه الدسوقي، الهجرة بين سنن الله الجارية والخارقة، ص:19\
[4] مجدي محمد محمد عاشور، السنن الإلهية في الأمم والأفراد في القرآن الكريم، ص: 37\