عندما ننظر بتمعن إلى هذا النظام الرأسمالي منذ نشأته، والأسس التي بني عليها، والتي لا تبتغي إلا امتلاك “المال” و”القوة” بشتى الطرق والوسائل، حتى وإن كانت لا تتماشى مع الأخلاق، فإنه يبدو جليا بأنه نظام لا يمثل أبدا كما ادعى نموذجا للاستقرار الاقتصادي العالمي المنشود والذي لطالما علقت عليه آمال تحقيق مطامح الإنسانية في العدل والمساواة. ولهذا فإن ما وصل إليه اليوم من أزمات لهو نتيجة متوقعة من نظام لم تصح بدايته فلم تشرق نهايته.

نقف شيئا ما هنا مع تاريخ الرأسمالية في و.م.أ بحكم أن هذا البلد يعتبر حاضنا لهذا الفكر وهو من حدد ملامحه ومساره منذ بداية القرن الماضي إلى حدود هذه الأزمة المالية العالمية، لنتساءل عن مدى جديتها؟ ولنستشف ما يمكن أن نؤسس به عمران المستقبل.

الرأسمالية الأمريكية: سياسة حروب وأزمات

بعد قيام الحرب العالمية الأولى تم إفراز الولايات م.أ كأحد أهم البلدان التي ستعرف نموا اقتصاديا كبيرا خاصة ما عرفته من ازدهار في مجال التصنيع والفلاحة، في حين تأثرت اقتصادات الدول الأوروبية بشكل كبير ولجأت إلى طلب التمويل والقروض منها، إلى أن وقعت أزمة 1929 والتي تأثر فيها الاقتصاد الأمريكي بشكل كبير جدا، بقيت تبعاته لسنوات إلى أن قامت الحرب العالمية الثانية, حيث تمكنت بعدئذ من الخروج من أزمتها المالية الكبرى والصعود إلى قمة العالم والفضل في ذلك كان للسياسات الناجحة الظاهرة (بقيادة روزفلت) والباطنة التي كانت تريد أن تجعل من هذا البلد قوة اقتصادية وسياسية تقوم بقيادة العالم لحفظ مصالح الأطماع الاستكبارية، وما ساعد كثيرا في تحقيق هذا النجاح هو تركز أمريكا على الاقتصاد العسكري واستغلالها للحرب التي دارت أدت المشاركة في الحرب إلى زيادة رأس المال والاستثمار والقدرة الصناعية. من بين القوى المتحاربة كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي أصبحت أكثر ثراء، بل أكثر ثراء بكثير، بدلاً من أن تصبح أكثر فقراً بسبب الحرب) 1 إن ما وقع من أزمة مالية في 1929 يجدر ربطه بما كان يقع آنذاك في العالم الإسلامي حيث عرفت تلك الحقبة سقوط الدولة العثمانية وما تلاها من تشتت للدويلات العربية في الشرق الأوسط ليتم البدء في تنفيذ مخطط احتلال فلسطين.

لهذا بذلت كل الجهود من أجل تخطي تلك الأزمة التي كانت على كل حال لا ترقى إلى صعوبة هذه الأزمة الحالية، وفي ذلك الوقت لم يكن لدى أحد الاستعداد للسماح لها بالاستفحال والتفشي في دولة ستصبح هي الحاضن والساهر على تحقيق المشاريع الصهيونية الكبرى في الشرق الأوسط.

عاشت إذن أمريكا عهدا مشرقا في عهد فرنكلين روزفلت ثم هاري ترومان الذي زاد من ترسيخ مكانتها الريادية العالمية وإعطائها طابع العظمة باستعراض قواها العسكرية حين أمر بإلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي خلال الحرب العالمية الثانية والتي قتلت فيها القنابل ما يصل إلى 140.000 شخص في هيروشيما و 80.000 في ناغازاكي …

ثم عهد دوايت ازنهاور الرجل العسكري الذي رسخ تركيز الاقتصاد الأمريكي على صناعة السلاح والذي يوصف في تاريخ الرؤساء الأمريكيين على أنه عهد مشرق وهو صاحب مقولة:أأن كل بندقية تصنع وكل سفينة حربية تدشن، وكل صاروخ يطلق هو في الحسابات الأخيرة عملية سرقة للقمة العيش من فم الجياع ومن أجساد الذين يرتجفون من شدة البرد ويحتاجون إلى الكساء).

إلى أن وصل الأمر في أوائل الستينات وبالضبط في 1961 إلى جون كيندي (أول رئيس كاثوليكي) حيث يقال إن هذا الرجل فهم أن الأمور في البلاد تدار من طرف عصابات كبرى (المتحكمة في تجارة السلاح) تقوم باستغفال الشعب من أجل الحفاظ على مصالح لوبيات معينة، وحين حاول الوقوف ضد هذه المصالح تم اغتياله 2 منذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا والسياسة الأمريكية بما فيها استراتيجياتها الاقتصادية في تذبذب وتراجع فكانت أزمة السبعينيات ثم الأزمة الاقتصادية لسنة 1987 والتي وصلت فيها مرة أخرى بورصة وول ستريت إلى الهاوية .

موازاة مع هذا التخبط من أزمة مالية إلى أخرى عرفت الولايات م.أ منذ الستينات ضعفا كبيرا وأزمة قيادة سياسية فلا أحد ممن مر من الرؤساء كانت له سياسة إيجابية لا على المستوى الداخلي (استراتيجيات النمو الاقتصادي) ولا على المستوى الخارجي، لم يكن الأمر إلا تهورا سياسيا وهنجعية، على سبيل الذكر ما قام به الرئيس ريغان في 1982 ضد منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وما كان منه حين اعتبر ليبيا قطبا للشر ليتم حصارها وأيضا سياسات جورج بوش الأب حين أطلق في 1991 شعار ولادة النظام العالمي الجديد عماده الرأسمالية والديمقراطية، ليترأس بعدها الحرب على الخليج .

وصلت هذه السياسات الفاشلة إلى ذروتها في عهد جورج بوش الابن المؤمن بفلسفة المحافظين الجدد التي تقول: “بالحرب الوقائية” والتي استنزفت الميزانية الأمريكية لتغطية الحرب ضد العراق وأفغانستان إضافة إلى ما صاحب هذه الإدارات من تفش للفساد خاصة وأن رجال الأعمال كان لهم نفوذ وتواجد كبيرين في مراكز القرار التي كانت تأخذ بعين الاعتبار مصالحهم دون مصالح الشعب.

مجرد أزمة أم هي الهاوية

أضحى المجتمع الأمريكي صورة مستنسخة لما يقع في المجتمعات النامية فقد أصبح مكونا من قلة تحتكر المال والسلطة وكثرة تعيش في قلق دائم وفي مهب الأزمات التي تتوالى تباعا عليها.

وأصبحت الفوضى هي سيدة الموقف، فوضى سياسية أربكت العالم بسياساتها وفوضى اقتصادية داخلية وخارجية والتي تُمنت مؤخرا بما تسببت به من أزمة عالمية ابتدأت منذ سنة 2003 المسماة بأزمة قروض الرهن العقارية والتي تعكس كل المفاهيم السلبية للرأسمالية من الأنانية والجشع والاختلاس والكذب… فجراء ما وقع من استغلال لعقول الناس بتسهيل إعطائهم قروضا للسكن خاصة ذوي الدخل المحدود، تكون فيها قيمة الفائدة بالنسبة للسنة الأولى %7 (تشجيعا لهم وتمويها) لترتفع في السنة الثانية إلى 9.5 % وكلما ارتفعت فائدة البنك المركزي ارتفعت الفائدة عليهم مما أدى إلى عجز ثلاث مليون شخص عن سداد ديونهم وليتم عرض بيوتهم للبيع ولتتدخل لشراء الأسهم مؤسسات من الداخل ومن الخارج وشركات التأمين، لتتشابك فيما بعد كل هذه المؤسسات، كل منها ظن أنه الرابح، ليسفر الأمر عن بداية إفلاس أكبر شركة تأمين في العالم ”ايه آي جي” لعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه 64 مليون عميل تقريباً.

ولتتابع بعد ذلك وتتسارع معالم الأزمة من و. م. أ إلى أوروبا وآسيا.

تخرج علينا العديد من التصريحات التي هي في الغالب ورغم ما تعترف به عن صعوبة هذه المرحلة التي يعيشها الاقتصاد العالمي إلا وأنها تبقى متيقنة بل وتعطي الانطباع للكل على أن هذا أمر عادي وسيتجاوز إما بما قامت به الولايات م أ من إجراءات في رفع سقف الدين إلى غاية 2013، هذا الدين الضخم الذي لا نعرف متى سيسدد، الشيء المؤكد فقط هو أنه في الموعد المحدد سيتم مرة أخرى رفع السقف وهكذا دواليك، خاصة وأنه تم رفع سقف الدين سبع مرات ما بين 2002 و 2008 الأمر الذي أدى إلى تضاعف حجم الدين العام الأمريكي في فترة قصيرة. ليتلو ذلك المزيد من إصدار سندات جديدة لاستخدامها في ديونها القائمة.

هناك من يقول على أن كل هذا يبقى مجرد مزايدات سياسية تسبق حملة الانتخابات الأمريكية وهذا ما يجعل من الأزمة أمرا مفتعلا، أما الباحث الأمريكي ذو الأصل الصيني سنوغ هونعبينغ صاحب كتاب “حرب العملات” الذي حقق مبيعات قياسية فهو يشير إلى مؤامرة حبكتها البنوك الكبرى التي تمتلكها عائلات يهودية وذلك من أجل الإطاحة بالمنافس الأكبر الصين وذلك لأن هذه الأخيرة تعتبر من أكبر دائني الولايات المتحدة أ، وهي وجهة نظر يمكن أن نفهم منها أن عجز الرأسمالية أمر مفتعل وأن كل شيء في الحقيقة على ما يرام. إلا أن ما حدث من وكالة ”ستاندرد اند بورز” حين خفضت التصنيف الائتماني للولايات المتحدة والذي يقع لأول مرة في التاريخ وصرحت هذه الوكالة بأنها تعتقد أن التغيير المقبل الذي سيطرأ على هذا التصنيف سيكون للأسوأ وهذا يعتبر ناقوس خطر على مستقبل الهيمنة الأمريكية، خاصة وأن اقتصادها يعتمد على ما هو خدماتي أكثر منه إنتاجي ومثل هذا التراجع في التصنيف يضر بسمعتها ومن تم بقدرتها الإنتاجية والتسويقية، هذا ما سيطرح على الدول الأوربية والأسيوية والعالم ككل البحث عن سبل جديدة وخيارات أخرى بعيدا عن هذا النظام الرأسمالي.

عالم جديد على أسس جديدة

لماذا فشل هذا النظام في تحقيق الآمال المنشودة؟

وماذا قدم للإنسانية طوال هذه العقود؟

إن النظام الرأسمالي بني على الطمع ولا أخلاقية المعاملات، خاصة وأن عماده “المصلحة الربوية” هذا الربا الذي لا يتماشى أبدا مع تحقيق العدالة الاجتماعية ولا مع معاني حقوق الإنسان.

فهذه المصلحة تجعل من هذه التعاملات المالية مبنية على الربح فقط دون اعتبار الأضرار التي تتسبب فيها من استغلال واستنزاف للإنسان. وصدق من قال: إن الفائدة هي سرطان ينهش في جسد مجتمعاتنا.

في هذه الآونة الأخيرة رفعت أصوات في أروبا، تطالب بالاستفادة من أساليب التمويل الإسلامية من أجل تخطي هذه الأزمة كتبت إيزابيل شابلير، أستاذة الاقتصاد في جامعة إيكس أون بروفانس موضوعا بعنوان :التمويل الإسلامي هو أكثر مسؤولية؟ تسترشد فيه بمبادئ التمويل الإسلامي لإصلاح النظام المالي العالمي وتقول بأنه لمواجهة الأزمة المالية الخطيرة… التي تدعى “بأزمة الرهن العقاري”، يمكن للتمويل الإسلامي أن يساعد في مكافحة أزمة الثقة بين البنوك والمصارف من جهة وبين البنوك والأفراد والشركات لأسباب عدة من جهة أخرى. فهي تقوم على نظام تقاسم الأرباح والخسائر، مما يجعلها تستثمر في مشاريع تكون فيها نسبة المخاطرة أقل) 3 وقامت أيضا المجلة الخاصة بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية L’Observateur de l’OCDE بنشر مقال بعنوان التمويل الإسلامي استثمارا للمستقبل: “… وتعتبر البنوك الإسلامية ملاذا آمنا نسبيا ضد الاضطرابات في الأسواق المالية العالمية، وأنها تجسد روح الإنصاف والعدالة في العالم في كثير من الأحيان على عكس التمويل الغربي الذي لا يرحم… ولعل أهم مبادئ التمويل الإسلامي هي العدالة والإنصاف) 4 .

فيا ترى هل هذا سيمثل بداية التقارب بين هذين الإنسانين العربي المسلم والغربي حين يتحرر هذا العالم من كل أنواع المستكبرين الذين لا يفتأون يتغنون بحقوق الإنسان ورفاهية الإنسان وعدالة الإنسان؟

في حين أن ما يعيشه العالم كله من غربه إلى شرقه من أزمات مناخية واجتماعية وسياسية واقتصادية ليست إلا وليدة هذا التكبر الرأسمالي الأناني المستغل للبشرية والذي لا ينظر للإنسان إلا على أنه آلة أو “وحدة” إنتاج تتحقق بها الأهداف القصوى دونما مراعاة لقدسيته وكرامته .

عن أية حقوق إنسان يمكن أن نتكلم؟ والسلطة العليا بأيد أنانية ليست غايتها إلا تحقيق الربح المادي النقدي وفقط .

كيف يمكن أن يتحقق العدل للإنسان عامة والآلة الرأسمالية الطاحنة تسقي العالم من شرورها، تبني نفسها بتدمير الآخرين، لتحتكر الثروات ولتحرم كل ضعيف من العيش الكريم، بل وتزرع الكراهية بين بني البشر لتغتذي هي من الحروب بينهم تحقيقا لمبدأ “فرق تربح وتسد” .

إن موازين القوى في العالم سائرة إلى منحى جديد ولكي تكون ولادة جديدة على أسس صحيحة لابد أن يكشف زيف كل هذه الشعارات الطنانة الكاذبة، في ظل نظام أساسه الجشع الأعمى الذي لا يجد أمامه أخضرا ولا يابسا إلا وفتك به.

إذا كانت الثورات قد بدأت في العالم العربي من أجل أن تتحرر هذه الشعوب المستضعفة من ربقة الظلم والسرقة والمهانة بعد أن عاشت الويلات فإن شعوب الدول الغربية سائرة هي أيضا في نفس المنحى بسبب ما يبدو لها من ظلمة وقتامة في مستقبل مجهول ربما ستكون ألا عدالة اجتماعية هي من تسوده. لعقود طوال أعتقد الإنسان في الغرب (خاصة المجتمع الأمريكي) أنه يعيش في عالم المُثل، عالم الرفاهية الذي تسوده الحرية إلا وأن الأمر بات ينكشف عن حقائق أخرى، حقيقة زيف هذا الواقع وأنه ليس إلا سرابا ففي لحظة زمنية يمكن أن تتهدم وبالكامل هذه الصورة وتصبح هذه الرفاهية مجرد أكذوبة كبيرة.

إذا كانت الدول النامية قد تضررت أشد الضرر من هذه الرأسمالية، هذا النظام سريع الكسب، سريع الربح بفضل “حرية السوق” الذي يستغل الفوضى في التعاملات من أجل تحقيق أرباح قياسية على حساب المستضعفين (ما يحدث في إفريقيا من مجاعات) فإن الشعوب التي ترزح تحت حكم هذه الأنظمة الرأسمالية هي أيضا في تضرر بالغ وما رأيناه من أحداث الشغب في بريطانيا بسبب الارتفاع المهول للبطالة خير برهان، قالت انجيل جوريا الأمين العام لمنظمة التعاون والتنمية : يجب علينا أن نتعلم كل الدروس الممكنة من هذه الأزمة. فالعودة إلى “العمل كالمعتاد” لن يحل مشاكلنا الحالية: بطالة مرتفعة في صفوف الشباب، بين تجدر للامساواة، ووضع سيئ للمالية العامة مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمواد الخام، فضلا عن التحديات العالمية مثل تغير المناخ، أو الأمن الغذائي والمياه والطاقة، يجب علينا تعزيز النموذج الاقتصادي الذي يعالج كل هذه القضايا..) 5 ولهذا نجد أن هذه الأنظمة تحرص على ألا تًكشِف الحقائق لشعوبها عن طبيعة هذه الأزمة وهل هي مرحلية أم ضربة قاضية لاقتصادياتها.

حين ستصل الثورات العربية إلى مبتغاها وتٌحرر الشعوب نفسها من هؤلاء الحكام الخونة، عليها آنذاك أن تستفيد من هذا التاريخ المعاصر وأن تبحث عن سبل بعيدة عن المفاهيم الاشتراكية والليبرالية، هذه المنظومات التي برهن الزمن لنا على فشلها، سيكون من غير العدل إعادة اجترارها، بل يجب عليها أن تتبنى أساليب وطرقا جديدة تنبع من خصوصيتها ومقوماتها ولا تتعارض أبدا مع مصالح البشرية، لتخدم بصدق شعوبها ولكي تستطيع تحقيق الرقي الذي يبني للإنسان مجتمعا عادلا حقيقيا لا زيف فيه ولا ظلم ولا تظالم، وليلتقي الشرق والغرب لإنقاذ ما تم إفساده .

في هذه الحقبة الزمنية الحقيقة الوحيدة الكائنة وسط كل هذه الأزمات والاضطرابات هي أن الإنسانية جمعاء في الطريق إلى خلاصها .


[1] موسوعة ويكيبيديا http://ar.wikipedia.org\
[2] مؤسسة الحوار الإنسانية (من وراء اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي سنة1963)\
[3] Prospective.fr – Février 2010 – Rubrique : Rencontres SICS\
[4] L’Observateur de l’OCDE n° 272, avril 2009( http://www.observateurocde.org

Finance islamique Un placement d’avenir

\

[5] L’Observateur de l’OCDE n° 284, T1 2011\