إن الدول المتقدمة تجعل من التعليم أحد أهم القضايا التي تهتم بها وتعمل على تطويرها باستمرار، بل إن تقدم الأمم أو تأخرها أصبح يقاس اليوم بمدى جودة أنظمتها التربوية والتعليمية. فأين نحن من هذه الجودة؟

مازال التعليم عندنا ينظر إليه كأحد القطاعات غير المنتجة والتي تشكل عبئا على ميزانية الدولة، لذلك فعندما يُذكر التعليم عندنا تُذكر معه: سياسة الترقيع وسد الخصاص. فلا ضير إذن أن يأتي الدخول المدرسي لهذه السنة شبيها بما سبقه من السنوات: اكتظاظ كبير داخل الحجرات الدراسية وخصاص مهول في الأطر سواء المدرسين أو الإداريين أو الأعوان، ناهيك عن مضمون ما يتم تدريسه لفلذات أكبادنا من معارف وقيم ومبادئ. إلا أن الجديد والملفت للنظر هذه السنة هو التركيز الكبير على حب الوطن والتربية على المواطنة خلال الاجتماعات والندوات التي ميزت الدخول المدرسي الجديد، بل وأكثر من ذلك تم طبع النشيد الوطني في الصفحة الأولى لكثير من الدفاتر ذات الاستعمال الواسع من قبل التلاميذ والأساتذة أيضا، وهي دعوة غير مباشرة للتلاميذ من أجل تقوية مشاعر المحبة والولاء لهذا الوطن الحبيب، وهي أيضا رسالة غير مباشرة للأساتذة من أجل بذل مجهود أكبر لربط التلميذ بالوطن، وكأن الدولة لاحظت أن هناك تراجعا لمشاعر المحبة والولاء للوطن في نفوس المواطنين. فكيف يا ترى يمكن تقوية هذه المشاعر؟ هل بالشعارات والخطابات أم بتعليم النشيد الوطني للصغار والكبار أو طبعه في الدفاتر أيضا؟ إن المغاربة عموما ليسوا في حاجة لمن يعطيهم دروسا ومحاضرات في الوطنية وحب الوطن، بل هم محتاجون إلى رؤية سلوك وفعل يدل على حب الوطن والمواطنين، سلوك يجعل من خدمة الصالح العام هدفا له، ومن تحسين مستوى عيش الناس والاهتمام بهم منتهى غايته، حيث يكون الوطن بخيراته وثرواته ومؤسساته في خدمة المواطنين كل المواطنين وليس عينة منهم.

إن المغاربة اليوم في حاجة إلى وطن يحبهم ويستمع إلى آلامهم وآمالهم ويسعى دائما إلى تحقيق مطالبهم، أما حب المغاربة لوطنهم فتلك خاصية من خاصياتهم، وسمة من سماتهم، لا يمكن أن يزايد عليها أحد، وما خروجهم بالآلاف في مسيرات شعبية يطالبون بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية إلا دليلا قويا وبرهانا واضحا على محبة المغاربة لوطنهم ورغبتهم في تغييره نحو الأفضل والأحسن والرقي به إلى مصاف الدول المتقدمة. أما إن كان الخروج إلى الشارع والمطالبة بالحقوق يعتبر تمردا على والوطن والوطنية، وكان الغرض من التركيز على النشيد الوطني والوطنية في هذه المرحلة هو جعل الناس يقبلون واقعهم كما هو، يعيشون ما هو كائن دون التفكير فيما ينبغي أن يكون ولا المطالبة به، فإن الذي من شأنه أن يمنع المغاربة من النزول إلى الشارع ليس الشعارات والوعود ولا حتى الاتهامات بالتمرد على الوطنية والوطن. إن الذي سيمنعهم هو الاستجابة لمطالبهم في الحرية الكاملة.

إن المغاربة اليوم ذاقوا طعم الحرية وهم غير مستعدين للعودة إلى مرارة العبودية لغير الله بل هم عازمون على المضي في طريق التحرر والانعتاق حتى تحقيق الحق والعدل والمساواة. ومن سار على الدرب وصل.