مكمن الداء

إن الوضعية التي أصبح يعيشها المسلمون عامة والعرب خاصة في هذا العصر هي نتيجة طبيعية لما حل بالأمة من نكبات على مر العصور، ووفق سنن الله تعالى في كونه التي لا تحابي أحدا، و كان أمر الله قدرا مقدورا، فقد توالت الأحداث حتى أفضت إلى إصابة الأمة بداء الوهن الذي أخبر به الصادق المصدوق سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام عندما قال :”يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها” فأراد أصحابه رضي الله عنهم معرفة السبب ! فقالوا “أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ فكان جواب من لا ينطق عن الهوى:”بل أنتم يومئذ كثير و لكنكم غثاء كغثاء السيل، و لينزعن الله في صدور عدوكم المهابة منكم و ليقذفن في قلوبكم الوهن ! فقالوا: “وما الوهن يا رسول الله ؟ قال:”حب الدنيا و كراهية الموت”، ومن ابتلي بالوهن و الجبن فلا هم له غير سلامة الطاعم الكاسي، أما الحديث عن العزة والكرامة في الدنيا ومقامات الآخرة عنده فضرب من المحال، يقبل الدنية في دينه و تلحقه المذلة، قال الخليفة الفاروق عمر رضي الله عنه: “كنا أذلة فأعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله” صدقت يا خليفة رسول الله، والإسلام هو الإسلام كاملا بكل عراه، من عروة الحكم إلى عروة الصلاة، بكلياته و جزئياته، فهو ينقص بمقدار ما انتقض من عراه و ما ترك من مكوناته .

فصول تاريخية

إن فهم ما آل إليه حال الأمة خصوصا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لا يمكن أن يكون فهما سليما ما لم يتم استحضار محطات تاريخية كان لها الأثر الحاسم في مسيرتها ومسارها، نكتفي بسرد كرونولوجيا تسع منها باختصار وليس على سبيل الحصر:

أولها: انتقاض عروة الحكم بعد استيلاء بني أمية على رقبة الأمة وإقصاء الشورى وفرض البيعة والطاعة بحد السيف، والاستبداد أم المهالك، فمنذئذ و الأمة محرومة من حقها في المشاركة الفعالة في تدبير شؤونها وتحديد أولويات مصالحها القريبة والبعيدة و ضبط علاقاتها مع غيرها من الأمم، سلما وحربا، بحسب ما يقتضيه الشرع الحنيف ويصون كرامتها.

ثاني المحطات: انشطار بلاد الإسلام إلى دويلات ضعيفة بعد ذهاب شوكة المسلمين بانهيار دولة العثمانيين الأتراك، مما فتح الباب على مصراعيه للاستعمار الصليبي لاقتسام تركة “الرجل المريض”، وكانت بلاد فلسطين الشهيدة الحية من نصيب بريطانيا الملقبة بالامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. ثالثها: وعد “بلفور” المشؤوم الذي بموجبه تم تسليم بلاد فلسطين إلى العصابات الصهيونية اليهودية باعتبارها “بلدا بلا شعب لشعب بلا بلد” و تقتيل و تهجير والسكان الأصليين بقسوة قل نظيرها ومصادرة ممتلكاتهم، يزعم البعض بل يروج عن سوء نية. لكذبة مفادها أن الفلسطينيين هم من باعوا أراضيهم طواعية لليهود ! ولئن وقع شيء قليل من ذلك فمعظمه نتج عن إكراه و تهديد.

رابعها: فشل العرب استنادا إلى روح القومية العربية في التصدي للغزو الصهيوني المتشبع بعقيدة التلمود، وانهزام جحافل الجيوش العربية الأكثر عددا أمام العدو الذي كان يفترض أن “يرمى في البحر” ! ما أجمل نظم الشاعر الساخر:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا — أبشر بطول سلامة يا مربع .

خامسها: نجاح العدو في كسب التأييد الدولي و تأسيس دولة “إسرئيل” التي لاقت الاعتراف والمساندة من لدن القوى الكبرى في العالم و اقتدت بها الدول الدائرة في فلكها. و من ثم الحصول على العضوية الكاملة في منظمة الأمم المتحدة، و ما أسست هذه المنظمة غير الإنسانية و غير الأخلاقية إلا لضمان مصالح الاستكبار العالمي على حساب المستضعفين.

سادسها: تحول “إسرئيل” بدعم لا محدود من الويلات المتحدة والقارة العجوز إلى قوة تكنولوجية ونووية تتحدى أكثر من300 مليون عربي و أكثر من مليار مسلم !.

سابعها: نتيجة لاختلال ميزان القوى لصالح العدو وقعت مصر وهي أكبر دولة عربية اتفاقية الذل والعار التي سميت باتفاقية كامب ديفد مفادها الاعتراف بإسرائيل مقابل انسحابها من سيناء لتصبح تحت سيادة مصر، لكنها سيادة ناقصة مذلة, وإنهاء الصراع بين الطرفين، فما لبثت الدول العربية أن هرولت نحو التطبيع مع هذا الكيان بعضها سرا وبعضها علانية مشترطة بل متوسلة على وجل و استحياء تخلي “إسرائيل” عن الأراضي التي احتلتها في حرب عام 1967م والتي لا تتعدى حوالي 22 في المئة من مساحة الأرض المحتلة، و ذلك لإقامة دويلة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف، وعودة اللاجئين، لكن التاريخ لم يثبت أن لليهود عهدا.

ثامنها: توقيع اتفاقيات أوسلو بين العدو و المقاومة الوطنية الفلسطينية الرامية للسماح لمنظمة التحرير الفلسطينية بإدارة حكم ذاتي على الضفة الغربية وقطاع غزة بالتدريج وتغيير ميثاقها النضالي والتخلي عن الخيار العسكري – إذ بدأ يتسرب إلى النفوس صعوبة هذا الخيار وعدم جدواه – و الاعتراف بدولة “إسرائيل” على أن تتواصل مفاوضات السلام إلى حين التوصل إلى الحل النهائي للصراع “العربي الإسرائيلي”، لكن تعنت العدو باعتباره الطرف القوي و استمراره في قضم الأراضي والتوسع الاستيطاني جعلت الطرف الأضعف في المعادلة- ينضاف ضعف العزيمة والإيمان إلى الضعف المادي – يستمر في تقديم المزيد من التنازلات عله يحصل على شيء ما كمن يتبع السراب.

تاسعها: بداية الحديث في الكواليس عن إمكانية التنازل عن حق العودة والتفريط في مدينة القدس الشريف عاصمة لدولة فلسطين و الاكتفاء بجزء منها الذي أضحى يصطلح عليه بالقدس الشرقية، وعليه تتقدم سلطة “عباس” إلى المنتظم الدولي بطلب عضوية دويلة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية ولو على شبر من تراب الأرض المحتلة تعيش جنبا إلى جنب في ود و وئام ! مع دولة اليهود الغاصبين.

ملاحم الشرف

لا ينبغي أن يكون ذكر هذه الأحداث المأساوية مدعاة للنظر بسوداوية إلى تاريخ الأمة، فمكانة فلسطين ظلت تحرك قلوب الملايين من المسلمين على مر السنين، كيف لا وهي تحوي أولى القبلتين و ثالث الحرمين الشريفين، وهي مسرى سيد الأنام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وقد أم الأنبياء والمرسلين بالمسجد الأقصى المبارك وصلى بهم ليلة الإسراء قبل معراجه الشريف إلى السماوات العلى وسدرة المنتهى، صلى الله عليه وآله و سلم بلا منتهى.

فبين ثنايا هذه الفواجع، وما أدت إليه الإدارة غير الرشيدة للقيادة العربية من نتائج وخيمة في هذا النزاع، حيث تدحرجت المواقف دركا دون درك من تحرير فلسطين، كل فلسطين، ورمي إسرائيل في البحر، إلى القبول بجزء ضئيل من أرضها عاصمتها القدس الشريف إلى أقل منه عاصمتها القدس الشرقية, أقول سطر جند الله أروع البطولات في الصراع دفاعا عن الأرض المباركة التي ارتوت بالدماء الزكية لآلاف الشهداء و لا تزال، سواء في الحروب الصليبية السابقة أو المواجهات اللاحقة مع الصهاينة.

لقد كانت ملحمة صلاح الدين الأيوبي – سبحان الله اسم على مسمى- رحمة الله عليه و على جنده البواسل، كانت الأبرز ضد الصليبيين في الحرب السجال على منطقة الشام عموما وحول القدس الشريف خصوصا.

و قبيل سقوط نظام “الخلافة العثمانية” عرض اليهود على آخر سلاطينها عبد الحميد الثاني رحمه الله صفقة تقضي بتسليمهم أرض فلسطين ليتخذوها وطنا لهم, في مقابل أموال طائلة كانت الدولة في أمس الحاجة إليها، إذ كانت في ضائقة مالية وتحاصرها الديون و المؤامرات الخارجية والقلاقل الداخلية، فماذا كان رد السلطان على هذا العرض المغري في هذا الموقف الحرج؟

إن معادن الرجال تبرز أثناء الشدة و ليس في وقت الرخاء، لقد لخص موقفه رحمة الله عليه في أن هذه البلاد وقف إسلامي لا يحق لأحد أن يتاجر به، وكان ثمن موقفه الشجاع أن تآمر عليه اليهود وعلى نظام الخلافة مما عجل بسقوطها على يد “أتاتورك”.

قارن أيها القارئ رحمك الله الموقف الشريف لهذا الرجل، رغم فداحة الثمن، مع المواقف المخزية للحكام العرب أبطال مسلسل الخيانة، همهم الأساس عدم المساس بقداس الجلوس على العروش !.

كما أن فدائيي الثورة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني حققوا من الضربات الموجعة في كيانه ما عجزت عنه الجيوش النظامية العربية، من أنصع النماذج ثورة الشهيد عز الدين القسام رحمه الله وفصائل منظمة التحرير وحركة المقاومة الإسلامية “حماس” وغيرها دون إغفال بطولات رجال جنوب لبنان.

و منذ احتلال الصهاينة لفلسطين عام 1948م إلى الآن, يمكن أن نلاحظ ثلاث مراحل:

1)مرحلة الغلبة القاهرة لليهود على خصومهم العرب من 1948 إلى 1973م، ذلك أن الصهاينة كانوا يحسمون المعارك لصالحهم في أقل مدة وبأقل تكلفة، و يكبدون الخصوم خسائر فادحة في الأرواح و العتاد، وتكرست حول الجيش الإسرائيلي أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”.

2)المرحلة الثانية بدأت في معركة 1973م حيث تحسن أداء الجيوش العربية وتحقق نوع من التوازن في الصراع، بل كاد أن يحسم لصالح العرب لولا المؤامرات الخارجية.

3)مرحلة العد العكسي للتفوق العسكري للعدو، فلأول مرة منذ الاحتلال يندحر جيشه أمام مجاهدي المقاومة في جنوب لبنان عام 2000م، ويجر أذيال الخيبة و الهزيمة، وتأتي حرب يونيو 2006م فتنتصر المقاومة مجددا رغم الفارق الكبير بين الجانبين في العدد والعتاد، ويبرهن عن زيف أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”؛ أما صمود غزة البطولي نهاية سنة 2008م بداية 2009م أمام أعنف وأشرس عدوان ارتكبه الصهاينة، فقد أذهل العالم وأثبت أن سلاح الإيمان بالله وحسن التوكل عليه يصنع العجائب، لقد عجز العدو بطائراته ودباباته و باستعمال الأسلحة المحرمة دوليا أن يحقق أهدافه أمام ثلة من المؤمنين الصابرين, المحاصرين برا وبحرا وجوا، بل و من تحت الأرض أيضا. إذ قام النظام المصري البائد ببناء جدار من الإسمنت المسلح بعمق عشرات الأمتار على طول الحدود البرية مع قطاع غزة لمنع مرور البضائع عبر الأنفاق، إرضاء لأسياده الصهاينة والأمريكان وإمعانا في تجويع الأهالي, خاب مسعى الظالمين والحمد لله رب العالمين

بشائر النصر

وعليه نخلص إلى أنه باستعمال مصطلحات الرياضيات فإن سيطرة و قوة العدو الصهيوني نعبر عنها بدالة تناقصية بينما خيار المقاومة و قوتها نمثلها بدالة تزايدية، ثم إن تنامي القدرات العسكرية للمقاومة في المنطقة و تعاطف تركيا العدالة والتنمية مع القضية الفلسطينية، وأعظم من ذلك كله أحداث الربيع العربي تزيد من تحسين وضعية خيار المقاومة بقدر ما تزيد من تأزيم وضعية العدو وأعوانه من الحكام العرب الذين خانوا قضية فلسطين بتقديم تنازلات تلو تنازلات حتى بلغوا أسفل الحضيض يقبلون أقدام اليهود, من هؤلاء من لفظتهم شعوبهم, و منهم من ينتظر دوره، ولن يفلت أحد منهم من لعنة الشعوب أبدا، حتى إذا أتم المنان الوهاب سبحانه نعمته على هذه الأمة بالتحرر من قبضة الاستبداد، و انبعثت الروح الجهادية في أوصالها، نهضت من كبوة القرون لاسترجاع كرامتها وإعادة أرض الإسراء والمعراج إلى سابق عزها، و ما ذلك على الله بعزيز.

إن الله جلت عظمته قد توعد بني إسرائيل في سورة الإسراء بسوء عاقبة فسادهم، وأخبر رسول الله بظهور المسلمين على اليهود لا محالة، نسأل الله جل وعلا فتحا قريبا لأمة حبيبه محمد صلى الله عليه و آله وسلم.