يكثر اللغط هذه الأيام عن الانتخابات، وتخرج الأحزاب من جحورها بعد سبات طويل، وتستخرج الشعارات واللافتات من الرفوف مرة أخرى، وتنفض الغبار كائنات لا تعيش ولا تقتات إلا بعد سقوط أول قطرات مطر الانتخابات. وتتطاير الوعود وتتناسل كما العادة، ويشرع عرافو الأحزاب في رسم صورة مخدرة للجَنَّة المغربية.

“المْنْدبة كبيرة والميت فار”

مثل مغربي بليغ سكته العقول المغربية، تعبيرا عن الأمر الذي لا يأبه له ولا قيمة له ويولى أهمية كبرى. نشهد حروبا طاحنة حول مواقيت الانتخابات واللوائح والتزكيات والتقطيع الانتخابي… ليتم الانتقال بنا وفي غفلة منا إلى متاهات النزاهة قبل أن نحسم في سؤال الجدوى. فلئن كانت النزاهة حلقة مهمة في العملية الانتخابية، فالأهم والأولى والأساس أن نسائل العملية في جوهرها وعن جدواها ومغزاها، لا سيما أن لنا مع الانتخابات صولات وجولات على مدى عقود، وعرفت أشكالا عدة من التدبير، وشاركت فيها توجهات مختلفة، وعرفت ما عرفت من تغييرات في الأشكال لا في المضامين، ومع كل واحدة تمارس حليمة عادتها القديمة المتجددة، وتبقى دار لقمان على حالها، وتمضي الحياة على منوالها سواء أشارك المغاربة أم قاطعوا بنسب مخيفة تصل إلى %80. في دلالة على أن هذه الانتخابات لا قيمة ملموسة لها.

وفي كل مرة يتأكد بأن لا جدوى لانتخابات فارغة وإن كانت نزيهة، والمولود الجديد لا يكون إلا حاملا لنفس مواصفات الزيجة، فلا سلطة للمؤسسات “المنتخبة”، ولا قرار لها ولا قدرة لها على التنزيل أو التنفيذ. وإذ بمؤسسات تستعمل ديكورا لتأثيث مشهدٍ الفاعلون فيه ضمائر مستترة متنفذة تقيس الثوب وتخيطه بمقاسات غير مقاسات الشعب وهمومه وآلامه. مؤسسات لا شرعية شعبية لها ومجالس لا قرار لها ولا سلطة لها. إنه لعجب أن نجد حزبا متفردا بتسيير مدينة ما ولما يلام على عدم تنظيم شوارع المدينة وأزقتها يصرح بأن لا سلطة للمجلس في ذلك

1 . ولا غرابة في الأمر مادام المتحكمون في المصالح الداخلية والخارجية للولايات والأقاليم والعملات، لا يأتون بالانتخابات ولا سلطة للمجالس المنتخبة عليها بل العكس هو الحاصل، لتسند لهذه المجالس المهمات الكبيرة في القضاء على الصراصير والفئران و”البرغوث”!! 2 . إن عدم طرح هذا السؤال عن جدوى الانتخابات يسقطنا في متاهة مدلهمة غير معروفة الاتجاهات وتهدد المجتمع في أساساته، ومن منطق المصارحة والمصالحة مع المواطن أن يعاد طرح السؤال ومناقشته مع هذا المواطن والناخب، وأن نعد أساسا وزادا من الوعي السياسي لدى المواطن حتى يكون بحق على دراية بواقعه السياسي وعلى بينة من أمره بعيدا عن أساليب التخويف والتخوين والترويج لمصير الأمة بـ”الطبالة والغياطة”، وحتى نتجنب المحاذير التي لا مصلحة لأحد فيها، ويكون الخاسر الأكبر فيها هو الوطن والمواطن. ولعلنا نتساءل: ألم تكن انتخابات في مصر وتونس واليمن وسوريا…؟ فلِم وقع فيها ما وقع؟ ألم تكن انتخابات في السودان؟ فلِم يتفتت يوما بعد يوم؟…

الأمثلة كثيرة والنماذج أكبر من أن تحصى، فكل شيء في هذه الانتخابات حاصل إلا الانتخابات، باعتبارها شكلا وآلة أبدعتها البشرية تفرز أغلبية استطاعت أن تقنع الشعب، وتصل إلى مركز القرار لتنفيذ مشروعها وسياستها على مستوى التدبير اليومي، ورسم سياسات جديدة على المستوى الداخلي والخارجي اقتصاديا وديبلوماسيا وتوجهات عامة…، يفترض فيها أن تكون مغايرة لما سبقها. فإذا الحزب أو الأحزاب الفائزة في سعي لتنزيل برامجها وتصوراتها، لا لتنفيذ سياسات تحدد لها سلفا، وإلا فما جدوى هذه الانتخابات وتبذير المال العام فيها وشغل الناس بها.

20 فبراير.. الشعب يريد

لم يعد الحديث اليوم ممكنا من غير الحديث عن حركة 20 فبراير وعن مواقفها السياسية التي تقدمت على مطالب الأحزاب السياسية الكائنة بمئات السنين، ولامست إلى حد بعيد هموم المواطن المقهور الذي لا اعتبار له إلا كونه رقم انتخابي تنتهي مدة صلاحيته بانتهاء خروجه من مكتب التصويت-هذا إن صوت-، ليترك يتيما لا معين له يركل ويرفس ويتلظى بعنجهية المسؤولين في كافة الإدارات، ويكتوي بالأسعار الملتهبة، فلا هو آمن في سربه ولا معافى في بدنه ولا يجد سبيلا إلى قوته وقوت عياله، والواقع أكبر من أن يوصف.

مع حركة 20 فبراير دقت ساعة الحقيقة، وتبين بالملموس البون الشاسع بين ما يريده الشعب وما يراد له، واكتشف زيف الشعارات، وخرج في عشرات المدن يعلن أنه مل ممن يتحدثون باسمه لعقود ويصرخ أن كفى. ويطالب بتغيرات جوهرية فيما هو اجتماعي وسياسي وحقوقي…

فعلى مدى عقود كانت تصور لهم الانتخابات على أنها موعد مع الجنة، والحقيقة أن حملات التضليل تنجح لما يرصد لها من أموال وإعلام ومقدرات الدولة، يستفيد كل ذلك من بنية مجتمعية غير سليمة أوجدت لهذا الغرض حيث الجهل والفقر وبيع الذمم ولوبيات الفساد… ولعل آخرها ما كان مع استفتاء 1 يوليوز، ولئن كانت النتائج المعلن كما هي، فأعتقد أنها موجهة لغير المغاربة لأنهم يعون حقيقة الأمر، يتحدثون عن ذلك في نواديهم ومقاهيهم، وفي حديث الأمهات والآباء لأبنائهم، وفي أحاديث زملاء العمل، أو أظن أن الأمر يتعلق بمغاربة الكوكب الآخر الذي لا نعرفه.

إن الظرفية السياسية المحلية والإقليمية والدولية تستدعي وبإلحاح الوقوف مليا مع مطالب الحركة المرفوعة في كل ربوع المغرب لاسيما أن قاعدتها تتسع يوما بعد يوم، ولم يعد بالإمكان المغامرة بمستقبل الوطن إلى المجهول، أو المقامرة بأوراق خاسرة، فالأمر ليس مؤامرة، والشراكة في الوطن تقتضي تحقيق أكبر قدر من التوافق.

أما الانتخابات على النسخة المغربية فهي سفينة يراد لها أن تبحر على اليابسة، وطائر بلا أجنحة يطلب إليه التحليق كيفما شاء.


[1] 1- www.aljazeera.net/NR/exeres/74E2AF67-6D2D-4B4B-90CE-F73758A56641.htm\
[2] من العجائب التي شهدتها أن تخصص في ميزانية مجلس بلدتنا خانات لاقتناء أدوية لمحاربة “البق والبرغوث والقمل…”\