“كنا نتمنى أن يموت النظام ويبقى الملك، لكن مات الملك وبقي النظام.” تعليق للأستاذة ندية ياسين على وفاة الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله يوم الجمعة 23 يوليوز1999م، وقد تأكد ـ رغم ما رفع من شعارات واتخذ من مبادرات لإيهام الشعب أن زمنا اتُّفق على نعته بسنوات الرصاص قد ولى، وأن عهدا جديدا سينعم فيه المغاربة بالكرامة والحرية قد أشرقت شمسه ـ بعد اثنتي عشرة سنة وشهرين بالتمام والكمال أن النظام السياسي ما زال وفيا لقواعد تدبير شؤون العباد والبلاد. نظام سياسي كغيره من الأنظمة الشمولية يتحكم في كل شيء، ويتصرف وفق ما يهوى ويريد، فلا رقابة ولا مساءلة، فالشعب رعية وجد لتقديم فروض الطاعة والتفنن في أشكال المباركة لخطوات النظام.

قبل واحد وعشرين سنة ـ أي منذ فاتح نونبر1990ـ وفي إطار السعي لتركيع جماعة العدل والإحسان وسحبها لبيت الطاعة المخزنية فَبْرَكَت السلطة ملفا جنائيا توبع من خلاله تسعة وعشرون طالبا من فصيل العدل والإحسان بوجدة، وأدانت محكمة الاستئناف اثني عشر منهم بعشرين سنة سجنا نافذا فيما أحكام الباقين تراوحت بين سنتين وثلاث سنوات سجنا نافذا. ملف تحول مع مرور السنين إلى شوكة في حلق النظام، فلا الجماعة ـ في شخص فِتيتها الإثني عشر ـ خضعت واستجابت للضغوط، ولا النظام توفرت لديه الشجاعة السياسية لطي هذا الملف، إذ تم استثناؤهم من جميع عمليات العفو التي سعى من خلالها النظام لتخفيف ضغط تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، أو التي تمت تحت عنوان “أنسنة السجون” حيث استفاد من العفو معتقلون نالوا شهادة الباكالوريا، في حين لم يشفع لمعتقلي العدل والإحسان حسنُ سيرتهم ولا نبوغُهم العلمي فقد تفوقوا في حصد الشهادات العلمية العليا وبميزات مشرفة.

ملف طلبة العدل والإحسان مثال يجلي حقيقة استمرار النظام السياسي، ويدحض مزاعم شعار العهد الجديد، فالطلبة الذين توبعوا في إطار محاكمة سياسية بامتياز فيما يصطلح عليه بالعهد القديم، كان يمكن التخلص من عبء ملفهم غداة بداية “العهد الجديد” لو كان هناك فعلا عهد جديد. ولو امتلك النظام الشجاعة السياسية وأفرج عن طلبة العدل والإحسان لسجل هدفا ذهبيا سياسيا ولأحْرَجَ ـ في نظري المتواضع ـ الجماعة أخلاقيا، لكن إصراره على الإبقاء عليهم وراء القضبان حتى أنهوا مدة محكوميتهم برهن على ما ذهبت إليه الأستاذة ندية ياسين أن النظام باق وفيّ لنهجه عاضّ بالنواجذ على شكل تدبيره.

ففي إطار توظيف حملة الشهادات العليا الذي لجأ إليه النظام تحت ضغط الحراك الشعبي، استفاد أعضاء الجماعة الإثنا عشر كغيرهم من الشباب المغربي المُعطل من التوظيف المباشر، باعتبارهم من حملة الشهادات العليا وتوصلوا بتعييناتهم، ومنهم من باشر عمله، ليفاجئوا بقرار إداري مفاده أنهم غير معنيين بالتوظيف لعدم استيفاء ملفاتهم الشروط القانونية. عذر أقبح من زلة.

من الغباء السؤال عن الشروط القانونية، ومن السذاجة مقاضاة الدولة المغربية على هكذا قرار تعسفي لسبب بسيط هو أنه من خَبَرَ المخزنَ يعرف بحكم التجربة الجواب. فأما الشروط القانونية فتتلخص في تعليمات فوقية لا علاقة لوزارة التشغيل وتحديث القطاعات بها، وأما مقاضاة الدولة فتنتهي بعد سنوات من التماطل والتأجيل بحجة أن الدولة لم تحدد بعد ممثلها في النازلة بجملة قصيرة:”عدم التخصص”.

الحقيقية المُرة أن المخزن ـ رغم عمره الطويل ـ لم يرقَ بعد ليكون دولة ذات مؤسسات باختصاصات وسلط واضحة وقضاء مستقل يراقب احترام القوانين التي “تواضع” المخزن وأقرها. وإلا أين الوعود التي بشّر بها خطاب 9 مارس وما بعده؟ وأين هي الحقوق التي يكفلها الدستور الجديد/القديم الذي به انخرط المغرب ـ ادعاءً وبُهتانا ـ في نادي الدول الديمقراطية، والذي يغبِطُنا عليه الرئيس الفرنسي ساركوزي وغيره من قادة الاستكبار العالمي؟

المخزن في الواقع جهاز لتدبير النظام لا لتدبير الشأن العام للعباد والبلاد، وبالتالي فهو يتصرف بمنطق الحلفاء والخصوم. فالحلفاء المساندون المؤيدون المباركون المبرمَجون على الاصطفاف تطبيلا وتمجيدا لمبادرات المخزن التاريخية ـ ومبادراته دائما تاريخية ـ من سلَّموا وفوّضوا له بالهيمنة وتبرأوا بين يديه ـ حفل الولاء نموذجا ـ من أن ينازعوه الشرعية، وأقروا له بالتفرد بالسلطة والقرار، فلهم ما أرادوا من حقوق وامتيازات، يراكمون الثروات ويُورّثُـون المناصب للآل والعشيرة، معفيون من المساءلة والمراقبة. وأما الخصوم الرافضون للعبث المخزني، المنددون بسوء تدبيره، الغيورون على المصالح العليا للبلاد مطاردون فمحاصرون مستهدفون بحملات التشهير والتشويش، مضايقون في أرزاقهم وتحركاتهم، لا عهد له عند المخزن ولا ذمة. إنه المنطق البُوشوي، نسبة لجورج بوش:”من ليس معنا فهو ضدنا”.

في هذا السياق التحكمي جاء قرار حرمان معتقلي جماعة العدل والإحسان السابقين من حقهم في التوظيف تعبيرا من النظام على أن التشغيل ـ كغيره من الحقوق ـ مِنّة ونعمة مخزنية يجود بها على من نالوا رضاه وعطفه، ليضيف حلقة جديدة إلى رصيده التسلطي وهو يُصدر تعليماته بحرمان ثُلة من أبناء الشعب من حقهم في الشغل تصفية لحساب قديم/ متجدد مع خصم سياسي عتيد اسمه: جماعة العدل والإحسان.

لكم الله يا فتية العدل والإحسان، و”هنيئا” لكم بهذا الاصطفاء المخزني الذي “جاد” عليكم عهده القديم بعشرين سنة سجنا نافذا ظلما وعدوانا، فربط الله تعالى على قلوبكم، فما وهَنتم وما لِنتم للترهيب والترغيب المخزنيين لتبيعوا مبادئكم وتغيروا قناعاتكم، فبوَّرتُم له المسعى، وخيَّبتم له الظن في استدراج الجماعة ـ من خلالكم ـ للخنوع لتسلطه والاستسلام لاستبداده؛ ويكفيكم شرفا أن جعلكم الله في مرحلة عصيبة من التدافع بين حق الدعوة وباطل الاستبداد مصدر إلهام لأجيال من أبناء الحركة الإسلامية في المغرب كما في خارجه، فكنتم عنوان الرجولة الإيمانية، وأتَمَّ عليكم سبحانه نعمته فوفّقكم لحفظ كتابه وزين صدوركم بأعلى الشهادات العلمية، حتى إذا انطوى سجل العهد القديم، “أكرمكم” عهده الجديد بالحرمان من حقكم في الشغل اصطفاءً منه جل وعلا حتى لا يكون للمخزن بعهديه عليكم فضل أو جميل يَمْتَنُّ به عليكم.

إن المخزن بهذا القرار التعسفي ظل وفيا لنهجه منسجما مع تصوره يؤكد عمليا لمن ما زال يُحسن الظن بشعاراته ووعوده أن لا شيء تغير، فالأُسُّ الاستبدادي والجوهرُ التسلطي باقٍ إلى إشعار آخر.

إن موعدَهم الصبحُ. أليس الصبحُ بقريببلى، بلى ، بلى، صدق الله العظيم والحمد لله رب العالمين قاهر الجبارين وناصر المستضعفين.