علمنا التاريخ أن الثورات الاحتجاجية ذات الطابع السلمي والمدني تمر بلحظات تاريخية حاسمة في التغيير المنشود، تبدأ من لحظة احتقان قد يكون اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا أو بشكل شمولي، ثم تنطلق لحظة الاحتجاج والتي قد تنخرط فيها كل الهيآت والمنظمات والجمعيات والأحزاب السياسية والتمثيليات النسوية والقطاعية المعارضة حسب أنساقها السياسية وتمثلاتها الإيديولوجية، بعد ذلك تأتي لحظة التكتل والتحالف السياسي لتشكيل جبهة موحدة مناهضة للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي المراد تغييره وتسمى بمسميات منها الميثاق السياسي أو الميثاق المذهبي أو الميثاق الوطني المرجعي، هذه اللحظة التاريخية يعدها علماء التاريخ وفلاسفته وعلماء الاجتماع السياسي باللحظة التمهيدية الأساسية للانطلاق نحو مرحلة انتخاب مجلس تأسيسي تمثيلي لكل القوى الحية شعبا ونخبا وأحزابا ومنظمات.

لماذا أقول القوى الحية والشعب؟

لأن تاريخ الثورات أثبت أنه في كل ثورة هناك فئات عريضة غير مسيسة تنهج أحيانا نهج الحياد أثناء انطلاق الثورة، مما يحتم إشراك الشعب بنضالية عالية للانخراط في الفعل السياسي، ومن المزايدات السياسية السافرة ادعاء أن أحد القوى السياسية من خلال الميثاق الوطني، مهما كان تجدره الجماهيري، يمثل كافة الشعب، لأن هاته المزايدة تعد مصادرة تمهيدية لأنها تغيب فئة عريضة من الشعب في صياغة وكتابة الدستور انطلاقا من المجلس التأسيسي. لذلك فإن هذا الإهمال يعد إغراقا في نخبوية متعالية قد تؤدي إلى الإصابة بنكسة بعد الفطام.

يقظة وحضور

يعد ميثاق التحالف الوطني شعورا قويا لدى القوى الحية للتحرر والانعتاق من بقايا الاستبداد، وإعادة كتابة التاريخ الحي، لذلك فهذه اللحظة تعد البرهان الساطع على أن الشعب لازال يقظا، وأن بمقدوره الحسم لإقرار لحظة ما قبل كتابة الدستور، وبناء عليه فالتحالف الوطني تعبئة نضالية لإشراك الجماهير. إنه وثيقة جامعة بين المدن والقرى النائية، بين النخب والجماهير الشعبية، بين السياسي والتقني، بين الأمي والمتعلم، بين الشباب والشيوخ، وللحضور النسوي والطفولة كلمة في تقريره، إنه توسيع للمشترك وتضييق للخلاف بين الاديولوجيات والأحزاب، إنه ضمير جمعي حي وصحوة جماهيرية ضدا على ضمير مزيف منشؤه الاستبداد.

نحو مرجعية أخلاقية

إن الالتزام بالتخلق السياسي وتفعيل آليات الحوار والإدراك الواعي بالمشترك السياسي بين التعدديات المرجعية، والنضال المشترك، والضمير الوطني وإرادة الخير للشعب، وتغييب الإقصاء والتزمت المذهبي والاديولوجي، تجعل من التحالف أمرا محتوما، وتلك أخلاقيات اللحظة التاريخية لما قبل المجلس التأسيسي.

درس التاريخ والعبرة من الثورات

انطلقت اللحظة التاريخية للميثاق الوطني الشعبي بجنوب إفريقيا من سنة 1955 حتى سنة 1994 شهدت صراعا مريرا بين نظام التمييز العنصري والتحالف الذي يتزعمه مانديلا. هل كان تحالف مانديلا فعلا مع الموعد مع التاريخ أم سابقا لذلك الموعد؟

لمدة أربعة عقود كان خلالها مانديلا صوت الضمير الشعبي الآخذ في الاكتساح لنظام الابرتهايد. إن صحوة مجتمع الجنوب إفريقي تلك اقتضت أربعة عقود لكي يستيقظ من البيات السياسي, كانت لحظة الإعلان عن الميثاق الوطني تحررا للضمير, كانت الفكرة سابقة عن موعدها لمدة أربع عقود، إذن لم يكن الشعب في أطرافه النائية يعيش فكرة الميثاق، وكان الوعي فقط للنخب الحية, لكن مانديلا كان حاذقا في إدارة الصراع نحو لحظة الوجود بالفعل, إنه صمود رائع في تربية شعب على التعاقد والتشارك وعدم الإقصاء في التغيير, إنه فعلا ربان ماهر في قيادة سفينة الشعب صانع اللحظة, لتتوج ديمقراطيته في أرقى الديمقراطيات, لم يكن مانديلا مسبوقا أو سابقا بل كان مع الموعد الطويل. تحية لمانديلا.

بعيدا عن جنوب إفريقيا، نستقي الحكمة من تاريخ إسبانيا, وبالضبط سنة 1931 حيث كان التحالف بين الديمقراطيين والشيوعيين في صراع جدلي مع الملكيين, جبهتان متناقضتان متصارعتان أيهما سينفي الأخر نفيا كليا. هل أدى هذا النوع من الصراع إلى تفويت الفرصة التاريخية أم كان في الموعد مع اللحظ التاريخية؟

بعد تأسيس الجمهورية الإسبانية 1936 ورحيل الملك إلى إيطاليا اشتعلت حرب ضروس بين الجمهوريين والملكيين بقيادة السفاح فرانكو, لتنتهي بسيطرة الملكيين والانتهازيين من الجيش وتشرذم الجمهوريين وفوات الفرصة التاريخية فرصة الميثاق الشعبي. وبدأت لحظة الإقصاء الممنهج التي انتهجها فرانسيس فرانكو حتى سنة 1975 ليفهم الكل قيمة الوعي باللحظة التاريخية، إنها مبادرة تاريخية رائدة من خوان كارلوس، وتقبلها الشعب بكل أطيافه، وكان كارلوس فعلا الرجل المناسب في اللحظة المناسبة للمهمة المناسبة مستجيبا للضغوطات الاحتجاجية الشمولية, إنها لحظة الميثاق التشاركي بين المؤسسة الملكية والجيش والشعب لتشهد إسبانيا بداية بناء أقوى الديمقراطيات. تحية لكارلوس.

وبالقرب من إسبانيا نحط الرحال بجارتها البرتغال لنستفيد من تاريخها الحكيم، فنكتشف أنه بعد سقوط رموز النظام بالبرتغال سنة 1975 تنبهت القوى السياسية الحية إلى عملية الإبداع في تجميع وتكثيف التنوع والتباين السياسي لوضع خارطة طريق وبوصلة لوجهة إبحار سفينة الأفكار العامة الحاكمة والموجهة للدستور. اتسمت لحظات الانتقال الديمقراطي بالمرونة السياسية اللازمة من مرحلة إلى أخرى، بفنية عالية في التوليف, فكانوا فعلا أساتذة العالم في اكتشاف متواليات الانتقال الديمقراطي وفن تدبير الاختلاف السياسي. لم يسقطوا في حتمية ميكانيكية للتاريخ، بل إنهم كانوا واعين بأن معالجة وتطبيب الاجتماع البشري تقتضي فهما مسبقا بأن هناك علما للتاريخ وأن هناك علما للاجتماع السياسي, وضعوا الأفكار العامة الموجهة للدستور (الميثاق) ثم انتخبوا مجلسا تأسيسيا تنتهي مدته الزمنية باكتمال المؤسسات السيادية للدولة, بينما الأفكار المرجعية للدستور، الميثاق الوطني الشعبي, فلا زالت منارات خالدة تثبت أن روح السلطة للشعب. تحية للبرتقيز.

عادة ما يأتي المجلس التأسيسي كلحظة تاريخية لطي ماضي النظام البائس, والتأسيس لنظام حكم جديد، لكن التوانسة يريدون من المجلس التأسيسي أن يكون آلية للرقابة السياسية ودحر أشباح بقايا النظام, أبدا لم ولن يكون ذلك كذلك لأنه تضييع لحلقة مفقودة في زمن التغيير, حلقة وضع أفكار عامة متحكمة في الدستور وتكون حكما بين فرقاء الميدان السياسي من داخل المجلس التأسيسي.

إن التاريخ لا يعرف الطفرة السياسية, لأن القفز على ضرورة من الضرورات التاريخية في التغيير المأمول سيكون ثمنها غاليا, التاريخ لا يعرف العجلة ولا المستعجلين, لم تعرف الثورة التونسية ميثاقا وطنيا شعبيا, مما قد يؤدي إلى وأد المجلس التأسيسي. بقايا النظام والقوى الحية لبراليين وإسلاميين ويساريين والجماهير العريضة من الشعب غير المسيسة وغير المنظمة، معركة شديدة قد تؤدي إلى غياب حد أدنى من التوافق السياسي من داخل المجلس التأسيسي وبالتالي إغراق البلاد في نكسة نظرا لعدم الإنصات لحكمة التاريخ في سنن التدرج للقطع مع عهد الاستبداد والطغيان.

أم الدنيا وحبيبتنا مصر في “حيص بيص”، الشعب وقواه الحية والجيش بعد أن أسقطت حركة الخامس والعشرين من يناير رؤوس النظام، لم يتوافق المصريون على ميثاق مرجعي يكون بمثابة بوصلة نحو بر الأمان السياسي, البعض يرى أن تكتب النخب السياسية الدستور, والبعض يرى التحالف مع الجيش لتعديل الدستور وتغييب القوى الفاعلة الأخرى، والبعض الآخر يرى العودة إلى ميدان التحرير لثورة مضادة, والفئات العريضة لما يناهز ثلث التسعين مليونا مغيبة عن النضال المشترك للخطوة المهمة والممهدة للمجلس التأسيسي. تجاذب قوي ومزايدات باسم الإرادة الشعبية، الواقع يشبه سوق السياسة المحكوم بميزان الربح والخسارة, ومن أراد أن يرشد هاته الفوضى السياسية باسم التوافق على مبادئ عامة كبوصلة وكسياج واق للمجلس التأسيسي وللدستور، يصفع بأحط النعوت من قاموس فوضى سوق السياسة، الجيش المصري في مهمة صعبة لا يحسد عليها.

تتعالى صيحات حكيمة من قلب الحبيبة مصر ترى في استنهاض جميع مكونات الشعب المصري بمعية الجيش في الانجماع حول ميثاق شرف وطني انقاذي، لكنها أتت متأخرة لأن سيف التعديلات الدستورية والاستفتاء عليها ونتائجها التي كانت لصالح مكونات دون أخرى قد بقرت البطن الحابل بجنين التوافق السياسي. ترى هل سيعرف الشعب المصري أن التاريخ لا يرحم وأن حتمية الانتظار قد تكون مصير من لا يحترم درس التاريخ مثلما انتظر الجمهوريون والملكيون والكنسيون حتى وفات سفاح التاريخ فرانسيسكو فرانكو باسبانيا؟ لطفك يا مولانا.

خاتمة

لتكن حكمة التاريخ فكرا نتأمله ونصفيه بمصفاة الممارسة الواعية, لأن في التاريخ الإنساني درسا لا يعوض وحكمة لمن يتخلص من الطبائع البشرية الانفعالية التي نسج منها التاريخ, ولأن الغاية من علم تاريخ الثورات أن تصير الشعوب والأوطان إلى كنف الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والارتقاء إلى الأنسنة وتخليق الاجتماع البشري.

الميثاق الوطني إذن ضرورة استراتيجيه لكل ثورة سواء كان نجاحها كليا أو جزئيا. ويجب أن لا ننسى بأنه في الآن ذاته حماية للمذاهب والإيديولوجيات والأديان ولمصالح الشعوب من أن تنتكس بجحيم الثورات.