الله أكبر، الله أكبر كبير، والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا. الله أكبر من كل طاغية جبار، الله أكبر من كل شيطان فتان، الله أكبر من الدنيا والآخرة، الله أكبر ما وقف جهة الكعبة مصلون، الله أكبر ما تردد خبر مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه في قلوب المومنين، على مر الأزمان وسير السنين.

الله أكبر ما ارتاح السالكون لذات الركوع والسجود، والتلاوة والتسليم، والخضوع والخشوع، وصلى الله وسلم وبارك وتفضل وتنعم على من كان إذا حزب به الأمر فزع إلى الصلاة ونادى:

أرحنا بها يا بلال…

أية راحة، وأية سعادة، وأية رحمة تهز الكيان إذا وقف العبد بين يدي ربه في الصلاة يناجيه يدعوه، يتلو كلامه يرجوه، يسبح بحمده يعظمه، أية عظمة هذه أن يعرج بسيد البشر صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلا، إلى قاب قوسين أو أدنى. فيعود من سفره بهدية إلى أمته، هدية السعادة، هدية الاتصال بالرب الكريم هدية الحنو الرباني على أهل الإيمان أن اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون إن من أعظم أسباب الفلاح:

أرحنا بها يا بلال…

حِبي أيها القارئ الكريم، إن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في بيت المقدس لدلالة عظمى على ما لهذا المسجد من قدسية في النفوس، وما لهذه البقعة المباركة من مكانة عليا في قلوب كل المصلين. إمامة الرسول صلى الله عليه وسلم لجميع الأنبياء دليل على أفضليته وأنهم جميع تبع له، لم يملكوا إلا أن يأتموا به في أعظم عبادة، وأشرف بقعة بعد الكعبة المشرفة. وإنك أنت إذا وقفت في الصلاة، وعرجت بروحك إلى رب العزة فتذكر بيت المقدس ومكان الصلاة فيه واجعل في دعائك أن يحرره الله من أيدي الصهاينة المجرمين، واعلم أن ركعة منك لله تعالى لتقض مضاجعهم لأنهم يعرفون أن ذكرى هدية رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك من ذاك البيت، وأنها راحة لك وقوة على الصمود والجهاد.

أرحنا بها يا بلال…

تعالى حبي إلي نؤمن ساعة، نجعلها لله طاعة. نتلمس جوانب الراحة والروح في الصلاة الفاتحة تتلوها بعد أن تكبر الله تعالى، فيصغر ما دونه في نفسك وقلبك، في روحك وكيانك وتكون بذلك قد دخلت حضرة قدسية تكلم الله فيسمعك. في صحيح مسلم “إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمان الرحيم قال: أثنى علي عبدي. فإذا قال مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي. فإذا قال: إياك نعبد ونستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل”.

أرحنا بها يا بلال…

أرحنا بها يا بلال، فقد أضنانا ظلم الظالمين، وضيع حقوقنا لعب الحاكمين. وأذل إخواننا صمت الخائنين، أرحنا بها يا بلال، فإنها تستجلب فيض رب العالمين، وتعرج بالروح إلى آفاق عليين. أرحنا بها يا بلال فإنها قرة الأعين، ومحراب الخاشعين، وروضة الطالبين، ومعراج السالكين، ومبعث اليقين، فإلى القدس قادمون، وفيها مصلون وبالتكبير صادعون.

أرحنا بها يا بلال…

أيها الحبيب المصلي الراكع الساجد. أتدري ماذا في ركوعك وسجودك من حكم وفوائد، وعطايا غير نوافذ؟ لو دريت لازددت للركوع والسجود حبا، ولازددت بالصلاة راحة وفضلا.

إنك في الركوع تنحني انحناء المتواضعين، وتطمئن اطمئنان الخائفين، وتهمس بلسانك في صدرك قائلا لك: “سبحان ربي العظيم وبحمده”، وفي ذلك دلالة على تنزيه العظيم عن الحالة التي أنت فيها من تواضع وخوف، وانحناء. فيعطيك من منن الخشوع، وعطايا الخضوع، ما يغسلك من الخطايا والذنوب، ويرفعك إلى درجات العلا إنه سبحانه وهاب.

فإذا تواضعت في الركوع رفعك إلى جبل فضله، فمن تواضع لله رفعة، وإذن لك في الرفع من الركوع فازددت له شكرا قائلا: “ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه” وأنت على اليقين بأنه سمع لمن حمده، ورفع من مجده، إنه للواحة العظمى.

أرحنا بها يا بلال…

فإذا عشت نعمة الرفع من الركوع، وذقت حلاوة الحمد لله رب العالمين ورأيت من عجائب فضله لم تتمالك نفسك فخررت ساجدا. ووضعت أحسن ما تملك، وأغلى ما تهتم به على الثرى في التحت وقلت سبحان ربي الأعلى، فهو أعلى وأنت في الثرى تسبحه بصفات العلو والعظمة، والكبرياء والرفعة. آنذاك تصير قريبا من الله فاسأل تُعط، وادع يستجاب دعاؤك فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.

أرحنا بها يا بلال…

فحينما يشدو المؤذن قائلا: الله أكبر اذكر الهدية العظمى من الرب الرحيم، إلى عباده المومنين الصلاة، الكتاب الموقوت. الصلاة معراج الروح، الصلاة راحة السالكين، الصلاة هبة الإسراء والمعراج، الصلاة صلة العبد بربه، ومدرجة السلوك إلى قربه.

وحينما يشدو المؤذن، تذكر المقدس حيث إمامة الرسول صلى الله عليه وسلم للرسل، ومن ثم إمامة الأمة للأمم، شاهدة عليها، متجافية عن خوض الخائضين، وقاتلي الأطفال المساكين غدا يقال لهم: ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين. اللهم أجرنا من النار واجعل الصلاة راحة لنا من كل عناء. ومنبعا لكل جهاد، فإذا أضنانا السعي وأرهقنا اليهود نادينا:

أرحنا بها يا بلال…