اعتدنا فيما مضى من سنوات أن نرى نفس السيناريو للمشهد السياسي، حيث حدد له المستبدون وقتا للعطلة ووقتا للدخول بالشكل والوتيرة والإيقاع الذي يريدون، ونفس الإخراج لفصول المسرحية التي يستفرد النظام بتدبيرها بببطشه واستبداده المعهود، ويوزع أدوارها بعناية شديدة على “الفاعلين” السياسيين الذين هم في حقيقة الأمر مفعول بهم وبإراداتهم.. اليوم، ومع انتفاضة الشعوب المقهورة واستعادة إرادتها، تغيرت الموازين وأصبحنا لأول مرة أمام مشهد سياسي مفتوح على كل الاحتمالات وحراك جعل مفاتيح الزمن السياسي قابلة للدوران في كل الاتجاهات .

لقد مضى العهد الذي كان الشعب فيه ملعوبا به وبإرادته وبمصيره، يترنح بين أيادي وأقدام الحاكم وجوقته وفاعليه ومفعوليه، لا يملك من أمره إلا كما يملك العبد السامع المطيع بين يدي من قيده بقيود لا فكاك منها.

وعلى الرغم مما يبدو جليا لعامة الناس وللمتابعين، على السواء، من التغييرات الجوهرية الحاصلة في بنية الدول العربية وفي أنظمتها وفي خرائطها السياسية الداخلية، فإن حكامنا وتابعيهم، من هول الصدمة التي تلقوها وما صدقوها بعد، يجعلون أصابعهم في آذانهم دفعا لسماع صوت الشعوب وهتافاتها، ويغضون أبصارهم عن حقائق الوضع الجديد، ويستغشون ثيابهم يحسبون أنهم بهذا يدفعون القدر الماحق.

لقد أفاقت الشعوب من رقدتها القرونية التي حسبها المستبدون موتا لا حياة بعدها، وضُخَّتْ في شرايينها دماء جديدة متجددة يحقنها الشباب بقوته وحيويته وعزيمته وأنفاسه وإرادته، وإننا اليوم أمام هذا الفاعل الحاسم الجديد الذي لم تحسب الأنظمة حسابه، وأمام هذا المحرك الجديد للأحداث الذي تخلص من صدإ القرون الجبرية نهائيا وهو بصدد دفع عجلة التغيير إلى الوجهة التي لا يريدها الظلمة المستبدون، ولا يريدها المفعول بهم التابعون المستفيدون من فساد الحكم، وأمام ميدان تغيرت فيه قواعد اللعبة رأسا على عقب، فلا المستبدون يملكون زمام القيادة وقوة التأثير ورهبة البطش ورعب التنكيل كما عهدوا وألفوا واسْتَحْلَوْا، ولا البعض من المستفيدين و”الفاعلين” السياسيين يجدون مخرجا للورطة التاريخية التي استدرجهم إليها الحكام وهم لا يشعرون، إذْ يرون بأم أعينهم كيف تغيرت الأوضاع بعزيمة الشعوب التي طهرت الأوطان من المستكبرين المستبدين في تونس ومصر وليبيا وتستعد لكنس زملائهم في باقي دول الاستبداد، ولا الشعب عاد هو ذلك المتفرج الذي لا يملك من أمره شيئا إلا ما تملكه الشاة بين يدي سالخها.

إن على الحكام وعلى بعض الفاعلين السياسيين أن يقفوا وقفة تأمل ليراجعوا حساباتهم قبل فوات الأوان، وأن يعلموا أن ما افتتح عليه الدخول السياسي الماضي ليس هو ما يُفتتح عليه الدخول السياسي الحالي، وأن الخريطة السياسية أصبحت من الوضوح بحيث لا يتجاهل حقائقها الدامغة إلا جاحد، وأن الشعوب قد أخذت بزمام المبادرة بعد طول انتظار لـمن لا يُنتَظَرُ منهم شيء، وأننا أمام اصطفاف جديد هو المحدد لمصير كل طرف ومستقبله. هذا الاصطفاف الجديد قاعدته هي: إما أن تكون مع الشعب وتدفع ضريبة هذه المعية الصادقة من جهدك ومصلحتك ما يحيى به هذا الشعب من جديد، وإما أن تكون ضد الشعب وضد المصالح الحقيقية للشعب فيغمرك الطوفان الذي يمتد بموجه العاتي الذي لن يهدأ إلا على شاطئ الحرية الكاملة.