بلا ريب أن اقتحام السفارة «الإسرائيلية» في القاهرة، بعد أيام من الاحتجاج والحصار، وفرار السفير «الإسرائيلي» من القاهرة، هو حدث له رمزيته الكبرى خاصة في هذا التوقيت بالذات.

أولا نتوقع بكل تأكيد أنه سينبري “دعاة العقلانية” والحكمة والواقعية السياسية من مثقفي وإعلاميي وسياسيي “الطابور الخامس” لشن حملة إعلامية ضخمة للتباكي ولطم الخدود، واعتبار هذا الاقتحام عملا غوغائيا، وتهديدا للمصالح المصرية ودليلا على ضعف وهشاشة الوضع الأمني المصري، وسيهولون من تداعيات الحدث وما يمثله من اعتداء على القانون الدولي واتفاقيات السلام، وسيحاولون كالعادة تخويفنا من الرد الصهيوني المحتمل !!

لكن وقبل الخوض في تحليل رمزية الحدث وأبعاده السياسية والدبلوماسية والأمنية، دعونا بداية نسأل أين كان هؤلاء الحريصين على مصالحنا، عندما هاجم الصهاينة سفن الإغاثة الإنسانية في المياه الدولية؟ وأين كان القانون الدولي عندما حوصرت غزة، وحين أريق الدم المصري على الحدود المصرية، في خرق سافر لاتفاقية السلام؟ وأين كان هؤلاء العقلاء عندما شن العدو الصهيوني حرب إبادة على جنوب لبنان؟ ودعونا نسأل هل كانت مهاجمة الحدود المصرية وقتل جنود مصريين حادثة عرضية وقعت بمحض الصدفة؟ أم كانت خطأ سياسيا وعسكريا وسوء تقدير؟ أم كان بالون اختبار استفزازي أطلقته «إسرائيل»، كان الهدف منه أساسا إحراج المجلس العسكري وممارسة ضغوط عليه واستفزاز الشارع المصري، ومعرفة وقياس مدى تغير السياسة المصرية تجاهها؟

على أية حال إذا كان يرى هؤلاء في الحدث مظهرا من مظاهر إخفاق الثورة، فنحن من بين من يعتبره محطة من محطات نجاح الثورة المصرية الشبابية، فمن شأن الحدث أن يكشف موقف العسكر الغامض والضبابي من عدة قضايا، والوضوح من أهم مطالب الشعب، ومن بين هذه القضايا:

1- هل المجلس الأعلى العسكري هو مجلس وطني يغلب المصلحة الوطنية ويحقق أهداف الثورة، أم أنه وصل بصفقة أمريكية صهيونية لاغتيال ثورة الحرية في مصر وسرقتها؟ وهل ستعرف السياسة الخارجية المصرية تجاه العدو الصهيوني تحولا وتعود مصر للعب دورها العربي القومي، وتعلن القطيعة مع سياسة الانبطاح وتعلن عن انتهاء مرحلة “مبارك” في المنطقة، وأن مصر لم تعد “كلب حراسة” للحفاظ على أمن الصهاينة؟ أم أنه استمرار لنظام مبارك خاصة وأن موقف الحكومة والمجلس العسكري لم يخرج عن الموقف التقليدي في زمان نظام حسني مبارك بعد قتل الجنود، أي الإدانة والتهديد، وحتى الاعتذار للأسف لم يقدمه الصهاينة مما زاد حدة الاحتقان الشعبي، وفاقم الإحساس بالإهانة، حيث يعد وجود السفارة في حد ذاته أكبر إهانة لشعب مجاهد كمصر، وهي إحدى أكبر جرائم الأنظمة الجاثمة التي تحاول إخضاع الشعوب المسلمة للعدو «الإسرائيلي» بكافة أشكال التطبيع الاقتصادي والسياسي والثقافي.

لهذا فالمجلس الأعلى للقوات المسلحة الآن أمام خيارين:

– إما أن يفهم أن زمان المراهنة على أمريكا و«إسرائيل» قد ولى وأن الكلمة للشعب وأن إرادة الشعب ينبغي إنفاذها، وأنه حان وقت إعادة النظر في الاتفاقات الموقعة، فربما لا يجمع الشعب المصري على قضية مثل ما يجمع على كراهية «إسرائيل»، وعلى أن معاهدات السلام مذلة وجائرة، وأنها فرضت في ظروف تاريخية خاصة، وأنها ليست وحيا منزلا لا يمكن مراجعته وتعديله- وللأسف قد تجد من هؤلاء المطبعين من يتجرأ على الوحي ولا يتجرأ على «إسرائيل»- مع أن تركيا تقدم مثالا رائعا على مراجعة اتفاقاتها مع «إسرائيل».

– وإما أن يستمر في تجاهل مطالب الشعب في قضية حساسة كالعلاقة مع «إسرائيل»، والسكوت على الاستفزازات المتكررة، وفي هذه الحالة سيتخذ الشعب القرارات المناسبة، لأن الثورة ثورة الشعب المصري والمجلس العسكري ليس “مجلس ثورة”، فلو أن العسكر اتخذ القرار المناسب الذي يحفظ للشعب كرامته ويعبر عن نبضه – لاسيما وأن الشعب أعطى مدة كافية للحكومة لاتخاذ خطوة سيادية- لما أقدم الشباب على الاقتحام، فالسفارة لم تهاجم حتى في أدق الأوقات أي أيام الثورة، لكن حينما تأخر الرد على الصلف الصهيوني، جاء الرد من الشعب حاسما ومباشرا كما كان متوقعا.

2- يحاول المطبعون إقناعنا بأن دولة الصهاينة هي دولة عادية كسائر الدول، وأن وجود تمثيليات وعلاقات دبلوماسية لها في العواصم العربية، هو أمر مسلم به أو طبيعي، وأنها “ضيف”، وكأن «إسرائيل» لم تفرض فرضا على الشعوب العربية المسلمة، وكأن «إسرائيل» لا تحتل أراضينا المقدسة إلى الآن، وتستولي على أراض عربية، وتبيد شعبا مسلما في فلسطين، وتصادر حق الملايين في العودة إلى أراضي الآباء والجدود، وكأن أيدي عصابات الصهاينة غير ملطخة بدماء أطفالنا، على مدى قرن من الزمن، لكن انتفاضة الشعب المصري الأبي، وعدم استساغته لوجود السفارة بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، لأكبر دليل على فشل كافة مشاريع الاختراق والتطبيع مع الكيان الصهيوني، التي حاول الحكام العملاء تمريرها على الشعوب العربية المسلمة، تحت مبررات و”يافطات” السلام والمصلحة الوطنية والمبادرات العربية ومسلسلات السلام، وهي في حقيقتها خيانات متعمدة لمصالح الأمة وتاريخها ودماء شهدائها، ولعل الأمثلة كثيرة على خيانات القيادات العربية وعمالتها ل”إسرائيل” وأمريكا، ومن آخرها ما رواه اللواء شفيق البنا الذي كان مسؤولاً عن القصر الرئاسي لمدة 25 عاماً، في برنامج “أحلى سحور مع شوبير” على أحد القنوات العربية، والذي تحدث فيه عن علاقة حسني مبارك الحميمة بالصهاينة، لدرجة أنه لا يثق إلا فيهم، ولا يحس بالأمان إلا في حمايتهم، ولهذا اختار الإقامة قربهم بشكل دائم في شرم الشيخ.

بكل تأكيد نقدر حساسية المرحلة التي تمر منها مصر، ونستشعر حجم الضغوط التي تتعرض لها، ونقدر أن المجلس العسكري في مصر يمر من مرحلة دقيقة، لكن هذا لا يمنع من أن يوضح ولاءه الصريح لاختيارات ثورة الشعب، باتخاذ قرارات سريعة وجريئة، وأن لا ينخرط في ثورة مضادة مع بقايا النظام البائد باستغلال الحملة الإعلامية التي سيطلقها اللوبي الصهيوني “لشيطنة” الثورة وأهدافها ورموزها، في محاولة للسطو على مكاسب 25 يناير، وإجهاض حلم الشعب المصري في نظام سياسي وطني مستقل.