بعد أن ألقى ثوار ليبيا القبض على معمر القذافي، قاموا بتسليمه لمحكمة الجنايات الدولية التي قررت أن تجري لأول مرة في تاريخها محاكمة غير عادية لحاكم غير عادي. وذلك بأن تحضر في كل جلسة مفكرا سياسيا يحاوره وستبني قرارها الأخير بناء على تقرير مركب لتقارير أولئك المفكرين. وافق القذافي على ذلك بعد أن تم حصر عدد المحاورين في عشرة.

الجلسة الأولى: ميكيافلي والقذافي.. توافق وتنافي

استوى نيقولا ميكيافلي 1 على الكرسي برفق وقد بدت عليه مظاهر العوز والفقر. نظر إلى القذافي ولاحظ علامات الاستغراب على محياه، فبادره بالسؤال: أهناك ما يدعو إلى الاستغراب والذهول في هذه القاعة يا سيد القذافي؟

القذافي -غاضبا-: لا أسمح لك بأن تناديني باسمي حاف، ألا تعرف من أنا؟ أنا ملك ملوك إفريقيا، أنا عميد الحكام العرب، احترم نفسك. واستغرابي هو أنك واحد من المفكرين الأكثر شهرة وإثارة للجدل حتى وقتنا الحاضر، وتبدو عليك أمارات العوز والفاقة. غريب!

ميكيافلي-بهدوء-: نحن هنا في المحكمة ولا نعتمد الألقاب، الكل هنا نناديه بالسيد. أما ما قلته عن حالتي الفقيرة والغريبة، فهذا صحيح، حيث اتهمت بالتآمر على نظام “آل مديتشي” وبرأت ونفيت إلى بيتي الريفي المتواضع في “سان كاساير”، وعشت خلالها حياة الفقر والعوز معزولا لمدة 12 سنة، راجيا العفو والعودة لوظيفتي من جديد لكن الأمر لم يحصل. دعنا من هذا، قلت بأني أحد المفكرين المشهورين، إذن فأنت تعرفني؟

القذافي: نعم، لقد قرأت كتابك “الأمير” وأنا في الثانوية 2 ، وأعرف الصفات التي تطلق عليك، فأنت وطني متحمس وقومي متطرف وديمقراطي عن اقتناع وإيمان وساع دون وازع أخلاقي أو ضمير وراء عطف الطغاة والمستبدين ويقال عنك بأنك ساخر تماما.

ميكيافلي- بمكر-: حمدا لله أنه لم يقل عني مجنون تماما كما يقال عنك، ربما لأن الجنون التام يصاب به الحاكم والسخرية التامة يصاب بها المفكر.

القذافي -ساعيا إلى استمالة عطف ميكيافلي-: هل من أخذ بنصائحك للأمير تقبل أن يوصف بالجنون؟

ميكيافلي مستغربا: وما الذي أخذت به؟

القذافي مزهوا بما سيقول ظانا أنه سيكسب تقريرا لصالحه خلال هذه الجلسة: ألست القائل بأن الناس بصورة عامة ناكرون للجميل ومتقلبون ومراءون وميالون إلى تجنب الأخطار وشديدو الطمع) 3 . وهذا ما قلته أنا أيضا “للجرذان” ناكري الجميل، انقلبوا علي بعد أن جعلت ليبيا البلد الديمقراطي الوحيد في العالم وتنكروا لي أنا باني النهر الصناعي العظيم، وطمعوا في نفطي.

ميكيافلي ملاحظا استواء القذافي استواء المتأكد من النصر: لكني قلت مسترسلا في كلامي الذي ذكرت بأن الناس هم إلى جانبك طالما أنك تفيدهم، فيبذلون لك دماءهم وحياتهم وأطفالهم طالما أن حاجتك لهم بعيدة، ولكن إذا دنوت منهم يثورون) 4 . وقلت بأن على الأمير أن يمتنع عن سلب الناس ممتلكاتهم، لأنه من السهل على المرء أن ينسى وفاة والده، من أن ينسى ضياع إرثه وممتلكاته) 5 . فأنت سلبت الناس أموالهم ونفطهم وضيعت حقوقهم. قال وزير الخارجية المنشق عنك السيد عبد الرحمن شلقم..

القذافي غاضبا: “الكلب الضال”..

ميكيافلي منبها القذافي: لا تقاطعني فأنا لا أقاطعك، كنت أقول أن السيد شلقم قال بأن ليبيا وما بها ومن بها له) 6 ، يتحدث عنك وأضاف بأن لا أحد يحاسب إذا سرق) 7 . حتى التقارير التي اطلعت عليها فأموال ليبيا كدستها بالبلايير في الأرصدة الأجنبية.

القذافي: كذب، فأنت لم تقرأ كتابي الأخضر الذي قلت فيه بأن الناس سيستفيدون، فالشركة يملكها العمال “شركاء لا أجراء” وأكدت بأن البيت لساكنه فالمستأجر لمنزل من صاحبه يصبح ملكا له وقلت بأن السيارة لمن يقودها فمن يعمل كسائق تصبح السيارة ملكا له..

ميكيافلي: ولكن الطبقة الوسطى هي التي استفادت فيما كان نصيب الطبقة الفقيرة السحق، فقد ذكر السيد شلقم أن الآن أصبح هم المواطن الليبي الحصول على بيت، همه الحصول على سيارة) 8 .

القذافي –بانفعال-: طبعا بعد أن خان هذا “الكلب الضال والجرذ المخادع” وطنه يسعى إلى لف حبل المشنقة حول عنقي، بتلفيق الأكاذيب و الادعاءات الواهية.

هب أن ما قاله صحيحا، ألم تذكر في كتابك الأمير على الأمير أن يتجنب قبل كل شيء أن يوصم بالحقارة أو يتعرض للكراهية، و لا ريب في أن الكرم سيقوده إلى إحدى هاتين النتيجتين، ولذا فمن الأفضل أن تكون بخيلا؟) 9 .

ميكيافلي: أنت سلاب ولست ببخيل يبخل بماله الخاص، وإنما أنت سلبت مال الشعب، لذلك قلت … على أن تكون مرغما بدافع الحاجة إلى أن تصبح سلابا، مما يعرضك للتحقير والكراهية معا) 10 ، وهذا ما حصل معك بالضبط، فشعبك يحتقرك ويكرهك.

القذافي ملتمسا خيطا للنجاة: ولكن “الغاية تبرر الوسيلة” ألست صاحب هذه المقولة الشهيرة؟

ميكيافلي -باطمئنان-: يجب أن تعلم أن رغبتي كانت في توحيد إيطاليا الممزقة وتحقيق الوحدة السياسية، وهذه الغاية لا يمكن بلوغها دون القضاء على الأخطار الداخلية والخارجية ولو بالقوة والعنف. أما ليبيا فلم تكن تعاني من التمزق ومن الخطر الخارجي، فلماذا كل هذا السلب والعنف؟

القذافي مذكرا ميكيافلي: لكن قلت على الأمير أن ينهج منهج القدماء في الجمع في تصرفاته بين أساليب الإنسان والحيوان… فان التجأ إليها وجب عليه أن يسلك سبيل الثعلب والأسد، ويتخذ منهما مثلا يحتدى به. وعليه أن يجمع بين سلوكهما في آن واحد) 11 . وما الذي فعلته أنا غير ذلك؟. فقد كنت أسدا في وجه الذئاب وثعلبا في وجه الفخاخ، بل إني استعنت بالمرتزقة لتقوية دفاعاتي.

ميكيافلي وقد بدا عليه بعض الحرج: صدقت في ما يخص ضرورة جمع الحاكم بين قوة الأسد ومكر الثعلب لأنه إذا اقتصر على صفة الأسد مثلا فإنه لا يستطيع أن يتبين الشباك التي تنصب له، وإذا اقتصر على صفة الثعلب فإنه قد يعجز عن مغالبة الذئاب لذلك يقتضي الحال أن يكون الأمير أسدا وثعلبا في نفس الوقت) 12 ، ولكنك أردت أن تستأسد بالمرتزقة وقد علمتنا التجارب أن الأمراء والجمهوريات المسلحة هي التي تحقق التقدم. بينما لا ينتج عن المرتزقة إلا الأذى) 13 . بل إنك طلبت من خلال قناة الرأي الموالية لك في تسجيل صوتي منسوب إليك أن يكون كل ليبي غوريلا ونحلة تلدغ وتهرب. فأنت إذن أسد بالمرتزقة وثعلب وغوريلا ونحلة…ما هذا، حديقة الحيوانات !؟.

دعنا من هذا، سمعت أنك تطمس النجوم والمواهب في بلدك، ألا تعلم أني قد أشرت على الحاكم بأهمية تكريمه للمواهب وتشجيع البارزين في كل موهبة وفن) 14 .

القذافي: من قال ذلك؟ فأنا أشجع المواهب وأهتم بالشباب.

ميكيافلي مستغربا: مثلا؟

القذافي بزهو: ابني الساعدي القذافي كان نجما في عالم كرة القدم ووصل إلى النجومية بفضل دعمي المستمر له بالمال والعلاقات، فهو محترف سابق في نادي جوفنتيس عندكم في إيطاليا.

ميكيافلي ضاحكا: الساعدي الذي ختم مشواره كمهاجم ضمن فريق كتائب القذافي يصوب الرصاصات إلى صدر الليبيين وهو الآن يعرض الاستسلام مقابل ضمانات.

القذافي: يصوب الرصاصات إلى صدر “الجرذان والكلاب الضالة”.

ميكيافلي ينظر إلى الساعة: سيد القذافي حان وقت إنهاء هذه الجلسة، كلمتك الأخيرة.

القذافي متباكيا بمكر: سأقول ما قلته للأمير لورينزو دو مديتشي رغبة منك في العودة إلى وظيفتك، إذا نظر سموكم من عليائه إلى أماكن أخرى متواضعة فإنكم تلمسون كم أعاني من الحظ القاسي دون استحقاق) 15 ، فأنا أيضا أريد العودة إلى حكم ليبيا.

ميكيافلي مبتسما بسخرية وموجها تلميحا قاتلا: للأسف لورينزو دو مديتشي لم يعر أي اهتمام لكتابي فانتهت حياتي السياسية ونشاطي الدبلوماسي. شكرا لك سيد القذافي.

غادر ميكيافلي القاعة بتثاقل تاركا ورقة على الطاولة مكتوب عليها: “جمع السيد القذافي صفات التآمر والمكر وطمس المواهب والاستعانة بالمرتزقة ضد شعبه.. أرجو وضعه في زنزانة الحكام العرب”.

موعدنا في الجلسة اللاحقة: القذافي وجون بودان.


[1] ولد “نيقولا مكيافيلي” (1469-1527م) في فلورنس بايطاليا، ترقى وتقلب في وظائف بعثات دبلوماسية ذات أهمية، ثم أصبح المستشار الثاني للجمهورية. وعندما استولت أسرة “مديتشي”على الحكم سنة(1512م) سجن لأنه كان معارضا لهم. ثم برأ ونفي إلى بيته الريفي المتواضع في “سان كاسايو”. وتفرغ للكتابة، أشهر مؤلفاته:- «الأمير1513م» و«المطارحات» و«فن الحكم1520م» و«في تاريخ فلورنسا» وله بعض الروايات. أثرت أفكاره وآراؤه التي بثها في كتبه في العلم السياسي. وتجمعها الفكرة التي أمست من قواعد السياسة في معظم دول العالم ، وهي “الغاية تبرر الوسيلة”.\
[2] ذكر ذلك وزير الخارجية المنشق عن القذافي عبد الرحمن شلقم في حوار مع جريدة “الحياة اللندنية”. والحوار منشور بالكامل في مجلة “عدالة جوست” عدد12/13 يونيو/يوليوز 2011. \
[3] نيقولا ميكيافيلي: الأمير، ت: فارق سعد، دار الآفاق الجديدة الفصل 17.\
[4] نفس المرجع.\
[5] نفس المرجع.\
[6] عدالة جوست: مرجع سابق، ص:121.\
[7] نفس المرجع.\
[8] نفس المرجع.\
[9] نيقولا ميكيافيلي: مرجع سابق، ص 138.\
[10] نفس المرجع.\
[11] نفس المرجع، ص 284.\
[12] نفس المرجع، ص 285.\
[13] نفس المرجع، ص 120.\
[14] نفس المرجع، ص 314. \
[15] نفس المرجع، ص 53. \