مقدمات

في البداية نشير إلى أن عزل الحديث عن التعليم بالوسط القروي، هو عزل إجرائي يتوخى البحث عن السبل الكفيلة بالارتقاء به إلى مستوى الإجابة عن أسئلة الهوية وأسئلة التنمية وأسئلة القيمة.

إنه يتحتم علينا قبل البحث في سبل دعم التعلم بالوسط القروي، أن نعي واقع القرية، والبادية المغربية خاصة بمنطقتنا التي يتواطأ فيها القهر الطبيعي مع صور الإقصاء والتهميش والحرمان الثقافي والاقتصادي ليتحول الواقع إلى واقع مأزوم يلقي بظلاله على قضايا التربية والتعليم، وعوض أن يتواجد الطفل القروي بحجرة الدرس تجده مجبرا على الرعي في حين تضطر الطفلة إلى الانخراط في أشغال داخل البيت وخارجه تلزمها الابتعاد عن الدراسة.

إن الظاهرة التربوية بالوسط القروي ترتبط في سلسلة تفاعلات مع البنية الداخلية للمجتمع القروي ذاته، وهذه الخاصية تؤكدها النظريات السوسيولوجيا والتربوية فنجد “بياجي” يدافع عن التفاعل بين الفرد ووسطه لأن الذكاء يتأسس بفضل صيرورة توازن البنيات المعرفية استجابة لمتطلبات الوسط. كما نجد عند “بورديو” في كتاب “الوراثة” وكتاب “إعادة الإنتاج” اهتماما بالأصل الاجتماعي وتأثيره على النجاح الدراسي.

إن الحديث عن سبل دعم إستراتجية التعلم بالوسط القروي يستوجب التساؤل من أي موقع نبحث في هذه السبل. هل من موقع من يرى أن الدولة والحكومة لها برامج واستراتجيات لدعم التعليم والتعلم عموما وفي الوسط القروي خصوصا، وبالتالي فإن دورنا هو البحث في إطار تفاعل مع هذه الاستراتجيات والبرامج الحكومية عن سبل دعم التعلم بالوسط القروي؟ أو من موقع من يرى عكس ذلك، وبالتالي سنكون أمام اقتراحات إن لم نقل ملفات مطلبية تبين وتضع الحكومة أمام مواضع الخلل في البنية التربوية القروية وتدعوها إلى مراجعة القوانين والالتفات إلى حجم الأمراض التي تنخر البناء التربوي.

التعلم بالوسط القروي وتأثيرات المحيط الاجتماعي

لقد أبانت سوسيولوجيا التربية بمختلف مقارباتها، أن الظاهرة التربوية حينما ترتدي قناعها الاجتماعي، فإنها تتنكر بأكثر من وجه وتصبح غاية في التعقيد. ويعد تناول مدرسة المحيط القروي في إطار محيطها انتصارا لتيار في سوسيولوجيا التربية، يستند على العامل الاجتماعي في مقاربة الموضوع على أساس أن نجاح التربوية أو فشلها يبقى راهنا بعوامل متعددة تبعا للأصل الاجتماعي. على اعتبار تأثيراته الخفية التي من شأن تأملها والكشف عنها أن يفضح زيف مقولة تكافؤ الفرص وحياد المدرسة كما يرى ذلك بورديو وغيره.

لذلك فإن نظريات ومفاهيم وآليات سوسيولوجيا التربية من شأنها أن تشكل إطارا لدراسة واقع الممارسة التعليمية التعلمية بالوسط القروي ومن تم اقتراح سبل الرقي بها إلى ما هو أحسن.

العناصر الأساسية لدعم التعلم بالوسط القروي

أ‌- دعم التفاعل الايجابي مع المؤسسة التربوية

إن نجاح العملية التربوية بالوسط القروي مبني على مدى التفاعل والتواصل الايجابي مع المحيط التربوي واستبطان وظيفة المؤسسة كعنصر فعال وأساس في حياة الساكنة القروية. وهذا يفرض على المؤسسات الوصية على القطاع تعميق الانفتاح على المحيط، وبالتالي فإن انخراط الساكنة القروية في دعم وتشجيع الساكنة لأبنائها على الولوج إلى المؤسسات التربوية ضروري ويتأثر بمدى استفادة هذه الساكنة من الربط بالكهرباء والماء الصالح للشرب والولوج إلى المرافق الصحية ومختلف الخدمات الضرورية.

في حين يجب على الساكنة القروية أن تجعل من دعم التعلم هدفا وغاية من أجل القضاء على الأمية، وإذا كانت الساكنة القروية فيما مضى تفتخر بفرسانها فإن ما يجب أن تفتخر به في هذا العصر هو أبنائها المثقفين والمتعلمين. ولابد أن يمارس خطيب الجمعة دوره في نشر ثقافة التعلم وضرورتها، كما يعمل وجهاء القرية وأعيانها على مثل ذلك. وحمل الآباء الذين يضعون حدا للمسار الدراسي لأبنائهم على العدول عن هكذا قرارات.

ب – تعبئة الموارد المادية والأطر البشرية

– على المستوى الموضوعي:

إن الاهتمام والسعي لخلق وسط تربوي ملائم لابد وأن يهتم بمستويين أساسيتين:

تتعلق البنية الأولى بالأطر التربوية التي يتعين إفراد العاملين منها بالوسط القروي بتكوين أساسي ومستمر يركز على ظواهر الوسط وخصوصيته، بل إنه من الأحسن الانتقال أثناء التكوين لممارسة التداريب بهذا الوسط.

أما المستوى الثاني فيتعلق بالبنية التحتية والمادية المتمثلة في الأقسام الدراسية والقاعات والتجهيزات، وتتحمل الدولة والمؤسسات الحكومية القسط الأكبر من المسؤولية في ذلك، رغم أن هذا الأمر لا يعفي من دعم الجماعات المحلية وجمعيات المجتمع المدني وذلك بغية تجاوز الفقر في البنيات التحتية التربوية بالوسط القروي التي تشكل أكبر عائق أمام النهوض بالتعلم بالوسط القروي.

وينضاف إلى كل هذا ضرورة التحفيز المادي لمؤطري المدرسة القروية، ومنح التعويضات عن التنقلات الاعتيادية بين المركز ومقر التدريس زيادة على مختلف التكاليف التي تفرضها طبيعة الوسط. ووضع كتاب مدرسي يستجيب لخصوصية الوسط القروي ووضع قوانين وأنظمة مهنية منصفة.

– على المستوى الذاتي:

إن الشروط الذاتية تهم بالخصوص المربي والمشرفين على المسألة التربوية لكونهم الفاعل الأساس في العملية التعليمية. وعلى هذا الأخير أن يحب مهنته لا أن يكون ممن لا يربطهم بالمهنة إلا الراتب والواجب الشهري. وبالتالي فحب المهنة يتجسد في التعامل الجدي مع القوانين والمبادئ الأساسية للفعل التربوي، وإذا كان هنالك من تقصير أو هضم للحقوق المهنية للمربي, فهذا الأمر لا يجب أن يكون مبررا للإحجام عن أداء الواجب المهني. مع الحق في اتخاذ جميع الخطوات القانونية الكفيلة بالدفاع عن الحقوق وتحصين المكتسبات.

ثم إن على رجل التربية التحلي بأدبيات المهنة ودماثة الأخلاق، لأنه قائد رأي وقدوة لتلاميذه بل والمحيط الاجتماعي القروي بصفة عامة. فلذلك عليه أن يكون معطاء ولا تكون قساوة الوسط القروي عائقا أمام العطاء، إيمانا بأن بذل العلم واجب أخلاقي وشرعي وإنساني.