كاد الملل أن يدب في النفوس واليأس أن يتسرب إلى القلوب، وكادت الإرادات أن تسكن والهمم أن تفتر، واستبطئت النتائج واستعجل النصر، فإذا بالله المنتقم الجبار ينتقم من الظالمين، والكريم الوهاب يمُن على المومنين بنصر لُمست مُقدماته ولاحت في الأفق بشائره وثمراته، قال تعالى: ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المومنين (سورة الروم: 47).

من منن الله تعالى على خير أمة أخرجت للناس الصحوة الإسلامية المباركة، هذه النبتة التي بذرها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، منهم من قضى نحبه، وتركها أمانة في أعناق من ينتظر، حتى تصير شجرة وارفة الظلال يانعة الثمار يفيء إليها كل تائب تائق إلى معرفة ربه ونصرة دينه والجهاد في سبيله.

ومضى من يومنون بضرورة العمل التنظيمي في تربية شباب الصحوة وتنظيمهم وهم على بينة من مخاطر الطريق وعقباتها، خاصة الذين لم يقبلوا العمل وفق شروط الحاكم.

وما فتئ الحكام وأنظمتهم يظهرون على أبناء الحركات الإسلامية؛ يرصدون حركاتهم و”سكناتهم”، ويراقبونهم مراقبة تجسسية استخباراتية مقيتة ويرقبون، ويرجمونهم بأنواع الرجم وألوانه، لثــني عـزمهم

وتبديد صفوفهم وتخويف الشعب من الانخراط في سلكهم والانضمام إلى سربهم، وما جرى للإخوان المسلمين في مصر وسوريا ولحركة النهضة في تونس ولجماعة العدل والإحسان في المغرب خير شاهد وأجلى مثال.

لكن الله عز وجل يأبى أن يُطفأ نوره ويُفتك بجنده؛ فيُثبت أقدامهم ويبارك سعيهم ويفرغ عليهم صبرا ويلهمهم طول النفس، ويُذكرهم في كتابه الذي يتلونه بجهاد الرسل وخاتمهم – عليهم الصلاة والسلام – وصبرهم وعدم وهنهم، وتُذكرهم سنة حبيبه بأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل وبفضل وأجر العامل في أيام الصبر، الصابرُ فيها كالقابض على الجمر، وتُذكرهم كذلك بغُربة الإسلام الثانية طوبى فيها للغُرباء. شرُف وعظُم العطاء لاشتداد البلاء.

صانعت الحركات الإسلامية المقاِومة للاستبداد الظروف، وطاولت الظلم وصاولته طيلة عقود بالمواقف الناصعة مواقف الرجولة والشهامة والعزة بالله ورسوله والمومنين، ولم ترض بالذل والاستكانة والانبطاح في زمن الانحناء، وحصنت صفوفها من حملات تفتيت العزائم وتوهين الإرادات وتسكين الهمم، وثبتت أعضاءها وعضواتها، وحرضت على التغلغل في الأمة دعوة وإيقاظا وتربية وتعليما، ليكونوا منها ومعها ووسطها وفي قلبها، مغالِبة محاولات الحكام وأنظمتهم المستمرة التي ترمي إلى منازعتهم ثقة الأمة وإمامتها عن طريق تصويرهم بصورة سيئة لتنفيرها منهم.

كانت الحركات الإسلامية وكافة العاملين للإسلام والشعوب الإسلامية على موعد مع قدر الله وفعله بإسقاط أنظمة خنقت الدعوة خنقا وكبلت أهلها تكبيلا.

استثار قدر الله في المومنين ذكريات الابتلاء المريرة ومشاعر الغيظ الدفينة، فكان شفاء لصدورهم وذهابا لغيظ قلوبهم، قال تعالى: … ويشف صدور قوم مومنين ويذهب غيظ قلوبهم ( سورة التوبة:14-15).

واجب المومنين الذين من الله عليهم بهذا النصر الذي شفى صدورهم وأذهب غيظ قلوبهم أن يتصفوا بجملة صفات، وفيما يأتي إيراد لبعضها:

* الفرح بنصر الله، قال تعالى: ويومئذ يفرح المومنون بنصر الله. (سورة الروم: 5)

* الاستبشار بفضله والاستجابة لأمره وأمر رسوله بعد القرح: قال تعالى: يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المومنين الذين استجابوا لله والرسول من بعدما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم. (سورة آل عمران: 170-171).

* عدم الاغترار واستغفارُ الله تعالى: قال عز وجل: وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. (سورة آل عمران: 147).

* عدم الوهن والاستكانة: قال تعالى: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مومنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين ءامنوا ويمحق الكافرين. (سورة آل عمران: 139-140-141)

* مواصلة الجهد لإعداد القوة العلمية والعملية: قال جل وعلا: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل تُرهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم. (سورة الأنفال: 60).

* الحكمة والتريث وعدم الاستعجال والتهور.

* اليقين في وعد الله للمومنين بالتمكين للدين وفي بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم بالخلافة على منهاج النبوة بعد الملك العاض والجبري.

* الصبر على طول الطريق بتربية أجيال الإيمان والجهاد المؤهلة لصناعة مستقبل إسلامي يكون ملاذا للإنسانية قاعدته العدل وجماله الإحسان.

لن يستأهل المومنون نصر الله إن لم يوفوا بشروطه ومواصفاته التي فصلها القرآن وبينتها السنة، وجماع ذلك الجمع بين أمر الله الشرعي القاضي باتخاذ الأسباب وأمر الله القدري القاضي بالثقة في وعد الله والانتظار له انتظار توكل لا تواكل، وعمل لا كسل، وتدافع حكيم لا حماس متهور.