على مدى عقود قتلت عصابات الاستبداد في “أوكارنا العربية” المسماة أوطانا الإنسان، واغتالت الحياة وأمعنت في القمع بشتى الأشكال والألوان، ورفضت كل قيم الاختلاف وقيم الحرية وقيم الإبداع، وأرادت أن تجعل من الفنانين محظيات وقيانا عند هذا الحاكم أو ذاك، يرضون غروره ونزواته المرضية، وللأسف منهم من قبل اختيارا أو وافق اضطرارا، فالفنان الذي يرفض أن يكون مداحا متملقا على باب السلطان، يحبر له القصائد ويكيل له المدائح، مسبحا بحمده، متعلقا بأهدابه، طامعا في أعطياته وصلاته، أو يرفض أن يغرد في سرب الببغاوات المتملقين كان يزج به في السجون وتلفق له التهم، أو يقضي حياته فارا بنفسه منفيا خارج بلده أو داخلها يقتل قتلا بطيئا، وفي الغالب الأعم لم يكن الفنان –الفنان حقيقة-مهما كان إناؤه شعرا أو نثر أو موسيقى أو رسما على وفاق مع الأنظمة العربية في تاريخنا القديم والحديث، إذا اختار أن يكون مع الشعب وقضاياه العادلة، وانحاز إلى فنه وقضايا شعبه وأمته والإنسانية جمعاء.

ولعل الشعراء في تاريخنا، باعتبار الشعر حالة الإبداع الأكثر اكتساحا وحضورا في حياتنا الفنية عربيا قديما وحديثا، هم الأكثر تعبيرا عن هذه العلاقة المتوترة بين الفن والسلطة، والأمثلة على ذلك كثيرة عمرو بن كلثوم وعنترة في العصر الجاهلي، والكميت الأسدي في العصر الأموي، ودعبل الخزاعي في العصر العباسي، وحافظ إبراهيم في بداية القرن، وأحمد مطر ومظفر النواب في عصرنا.

فالشعر لم يكن غالبا على وفاق مع الحاكمين أو النظام السائد قبيلة كان أو دولة، فغالبا ما كان الشعر حالة من التمرد على المألوف والمعروف، وصوتا للفطرة الإنسانية المتمردة على الظلم والضيم، وكان الشعر سيف الناس ولواءهم وحرابهم في الدفاع عن المستضعفين في الأرض ومجابهة الظالمين.

فالشعراء وإن فرقهم الزمان والمكان والانتماء والدين والطبقة الاجتماعية، فقد وحدهم شرف الكلمة وعزة القافية والموقف، فعلى اختلاف بيئاتهم ومشاربهم وعصورهم جمع بينهم رفض الظلم الاجتماعي والسياسي وجعلوا الكلمة سلاحهم في الدفاع على المقهورين والمستضعفين، فكان أن صنفوا متمردين خارجين عن النظم والأعراف، كأسلافهم من الصعاليك الذين شكلوا أكبر ظاهرة تمرد وعصيان عرفها تاريخ الشعر العربي.

من حسنات هذا الربيع العربي أنه أسقط الكثير من الأقنعة وكشف العديد من الحجب ومن بينها أنه كشف عن طبيعة العلاقة بين الفن والسلطة، فالفنانون في عالمنا العربي على ثلاثة أصناف:

1 فنانون باعوا أنفسهم للسلطة وعاشوا على فتات موائدها كالذباب، فصنعت مجدهم الزائف، وفرضتهم كما فرضت نفسها على الشعوب، ليس لهم من الموهبة أو الحس الفني أو الإبداع أو الأخلاق ما يبوئهم مكانة أو منزلة، فنانون بالغصب والفرض كسائر المسؤولين.

2 فنانون قاوموا السلطة حينا، لكنها نجحت في تدجينهم وجعلتهم جواسيس وعيونا لها وسط الساحة الفنية، وحين انتهت مدة الخدمة أو تقاعدوا، أوحين صحوا وتمردوا، وهددوها بالفضح ونشر غسيلها الوسخ قتلتهم، ودونك تفاصيل قتل الفنانة سعاد حسني في لندن، تكشف بعضا من المستور.

3 فنانون عاشوا على الهامش وسط الشعب ومع الشعب، يتكففون لقمة العيش والدواء، يحتضنهم الشعب في وجدانه وروحه، يردد أغانيهم وأشعارهم ويتداول رسوماتهم وكلماتهم ونكتهم الساخرة، التي انتقدوا بها الديكتاتورية والظلم والاستبداد فخلدت وخلدوا.

رحل عبد الناصر والسادات والحسن الثاني وحسني مبارك وبورقيبة وبنعلي والقذافي وصدام والأسد، وهاهي أهازيج ناس الغيوان والشيخ إمام وقصائد أحمد فؤاد نجم وأبي القاسم الشابي تملأ سمع الدنيا وبصرها، أيقونة تستلهمها الجماهير، وتنفث فيها من عزمها وحياتها، فتبعثها من جديد عرائس حية تعترف بجميل من ظل وفيا لشعبه، فبادله الشعب الحب بالحب والوفاء بالوفاء، وهاهي الميادين والساحات العربية في الرباط وطرابلس وصنعاء والقاهرة وتونس ودمشق وغيرها تعلق أوسمة الحب وقلائد الوفاء على أعناق فنانيها، وتحمل على أكتافها الفنان رشيد غلام في المغرب مرددة “عليو الصوت”، أو تحمل الشهيد إبراهيم قاقوش هادرة “ياله ارحل يا بشار”، لافظة في الوقت عينه فناني السلطة المتحولين.

ماذا يملك الفنان سوى ريشة ويراعا وحنجرة وموهبة وإحساسا وعزما وإرادة أكبر من إغراءات الطغاة وأمضى من وسائل القمع والطغيان؟، ماذا يملك الفنانون سوى إيمانا بحياة شعوبهم وبالحرية، أثبتت كل تجارب الدنيا أنها أقوى من كل أنظمة الحديد والنار في أوطاننا، وأن القتل والتنكيل مهما بلغت بشاعته فهو لا يكتم كلمة الحق، وإنما يضيف على بشاعة الجور بشاعة وأد أجمل ما في الحياة، فأن تقتل أو تعذب إنسانا أي إنسان أو حتى حيوانا، فتلك جريمة شنيعة لا تغتفر، لكن أن تغتال فنانا فتلك جريمة أبشع ضد الحياة وسرها الذي هو الجمال والحرية، وذلك اغتيال لكل القيم الإنسانية السامية التي تجعل لهذه “الكتلة اللحمية” التي تسمى بشرا معنى ومغزى.