في الآونة الأخيرة رفعت أصوات عقيرتها مبشرة السائرين في ركب التزوير المخزني المفضوح بأفول نجم حركة 20 فبراير، كما سودت بعض الأقلام المتزلفة صفحات جرائدها بدعوات تلح على حتمية تصحيح مسار الحركة التي أخذت بحسب زعمهم تبتعد عن أهداف النشأة والظهور، وتتخبط خبط عشواء.

ليس القصد من هذا المقال تفنيد ما حوته هذه المقالات النمطية من ادعاءات تتسم بالتعميم والتخرص، أو نقض أسسها “الفكرية والمنهجية” المنبئة عند التتبع عن ضحالة في التفكير، وضمور في الرؤية، واغتراب عن الواقع الميداني المتموج بالأحداث المتسارعة التي تلفظ كل من لم يواكبها عن معايشة بعيدا خارج حلبة الفكر والحركة والتاريخ.

القصد هو قراءة موضوعية متأنية تدرس البنية النفسية والفكرية والمنهجية التي تمثل لُحمة الحركة وسداها, ومبعث إرادتها, ومنطلق فعلها التغييري بعيدا عن الإسقاطات الأيديولوجية, والمزايدات القيمية الصادرة عن نفسية منهزمة في ذاتها مستعلية على غيرها من فعاليات وطنية وجمعيات المجتمع المدني أثبتت عبر ماضيها النضال الطويل ـ جماعة العدل والإحسان, النهج الديمقراطي…ـ أنها جديرة بأخذ زمام المبادرة دون تردد أو مداهنة سواء على المستوى الطلابي أو مستوى الشارع السياسي.

فالفرق فادح بين من يعيش نبض الزخم الشعبي وهديره, ويعاين امتداده الأفقي والعمودي وبين من هو هامد في برجه العاجي يحجبه عن الرؤية الفاحصة طبقات متراكمة من الدخان الكثيف الذي تنفثه معامل الدجل والكذب الإعلامي الرسمي المرئي والمسموع والمكتوب, فلا يسع المراقب من بعيد إلا أن يلتقط تقاريره ومرجعيات أفكاره من هذه الملوثات المخزنية الداكنة التي تجعل الحقيقة الصافية الناصعة غاية في التشويش والاضطراب.

إننا أمام حركة جادة في مطالبها، قاصدة في سيرها، متدرجة في خطواتها، متفاعلة مع محيطها المحلي والإقليمي. مرد هذا التميز والفاعلية إلى عدة مرتكزات تمثل الروح المنهضة والقيم الملهمة لكل حركة تغييرية عميقة، نذكر هنا بعضاً منها:

المرتكز الذاتي الإرادي

وزن العامل الذاتي هو العنصر الحاسم في معادلة التغيير والإصلاح. وأقصد بهذا المرتكز الإيمان العميق بشرعية المبادئ المؤطرة للفعل التغييري، ومشروعية المطالب المتوخاة منه، وما يترتب عنه من الإرادة الصلبة المستميتة في اقتحام العقبات إلى غاية نقض الاستبداد من أساسه، وبناء صرح الحرية والكرامة والعدل مكانه، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ 1 .

التغيير الأنفسي بما يعنيه من اعتقاد صحيح وفكر رصين وإرادة صلبة هو عماد التغيير الآفاقي الذي يشمل الإنسان والكون والحياة، وقد أثبتت الشهور القليلة من عُمْر حركة 20 فبراير أنها تزداد يوما بعد يوم تجذراً في النسيج الاجتماعي، وعمقا في الرؤية، وتوهجاً في الشعارات والمطالب، حتى أصبحت رَحِماً خلاقاً مبدعاً للبرامج والأشكال الاحتجاجية، متجاوزة عمرها القصير بسنين عديدة ومراحل مديدة على كل المستويات التنظيمية والفكرية والسياسية والاجتماعية…

إن الجذر الذاتي المستيقن بشرعية منطلقاته الفكرية والمنهجية والمتسلح بعمق مطالبه الإنسانية كفيل بصناعة لحظة فارقة تقضي على عقلية نمطية لازالت رهينة السياق الاستبدادي الجامد الذي طبع حركة الفكر والجماعات ما قبل الربيع العربي.

المرتكز التاريخي النضالي

حركة 20 فبراير انبعاث أصيل يصل حاضر الشعب المغربي المكلوم بماضي الحركة الوطنية التي حمل لواءها شرفاء وطنيون ورجال أفذاذ ضحوا بالغالي والنفيس من أجل حرية هذا الوطن واستقراره، غير أن ثمرة تضحياتهم التقطتها الأيدي الآثمة والنواصي الخاطئة الظالمة فحولت مجرى التاريخ من استقلال حقيقي جماعي يحفظ للشعب المغربي هويته وكرامته، ويضمن نهضته إلى استبداد مخزني فاحش يعض على الحكم بالقهر والتوريث، ويستأثر بخيرات البلاد والعباد.

إن حركة 20 فبراير هي محاولة لتصحيح مسار التاريخ النضالي المغربي المجيد الحافل بمقومات الصمود والاستبسال، ووفاء لأرواح الشهداء الذين قضوا في سراديب المخزن المظلمة طيلة سنوات الملك الجبري بعهديه القديم والحديث، يجسد هذا المنحى التأصيلي التصالحي الشعار التي تصدح به الجماهير الشعبية باللهجة المغربية الأصيلة:

لا تَنْسَاوْا حْنَا أُسُود، والخطابي عَلَّمْنا كِيف نْحَارْبوا في الجبال

لا تَنْسَاوْا حْنَا أُسُود، والخطابي عَلَّمْنا كِيف نْقاوموا الاستعمار

لا تَنْسَاوْا حْنَا أُسُود، والزياني عَلَّمْنا كِيف نْصمدوا في الميدان

هذا العمق التاريخي الملهم والرصيد النضالي الضخم كفيلان بإمداد الحركة بمشروعية تاريخية متجذرة في المخيال الجماعي تنزع عنها صفة الطروء الدخيل على الساحة، وتُرَسمها ناطقاً رسمياً يصدر عن شخصية جماعية رمزية راكمت نضالاً مغربياً تلونت أطيافه وتنوعت تقاسيمه غير أنه لم ينقطع دَفْقُه الثَّر طيلة السنين العجاف رغم خُفُوت صوته أحياناً عديدة.

المرتكز الشعبي الإنساني

أنا مغربي أنا ** بالهوية والسلالة

الاستحالة الاستحالة ** نعيشوا أحنا في هذه الحالة

الاستحالة الاستحالة ** نعيشوا أحنا في البطالة

التهميش والبطالة ** داروا فينا حالة

شعارات تختزل عمق المأساة التي تجرعها الشعب المغربي غصصاً متلاحقة عبر سنين الحكم الفردي المطلق، لم تُبق منه كرامة إنسانية ولا حرية آدمية يستشعر بها انتماءه لبني البشر، ناهيك عن الطقوس المخزنية المهينة التي تُرجعه القهقرى إلى زمن الرق والاستعباد.

جاءت حركة 20 فبراير جريئة منتصبة القامة في الساحة المغربية لتعبر عن هذا المكنون الفطري المطمور الذي عبر عنه الخليفة الراشد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أنصف رعيته في الحادثة المعروفة: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)، فهي ليست حركة جياع يطلبون من الحاكم المكرمات والعطايا المكشوفة أمام أعين الكاميرا، بل هي انتصار لاحب لإنسانية الإنسان المغربي الطامح لغد الحرية والكرامة والعدل، وما يستتبع هذه الحقوق الأصيلة من مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية ومدنية تجعل المواطن المغربي في غنى عن الابتزاز المخزني الموغل في الإهانة والاستعباد.

صفوة القول، إن 20 فبراير حركة شعبية متجذرة موضوعاً، إجرائية متدرجة منهجاً، تحررية وظيفة وغاية، فكل قراءة لا تبصر خطها التغييري بهذه الأبعاد الثلاثة تبقى مبتورة طافية على السطح، تتطاير أوراقها الكئيبة كالفراشات السوداء المتهافتة حول الضوء الكاشف للأحداث، يحرق مدادها النازف لهيب الشارع المتصاعد أواره، المتماسك بنيانه.


[1] الرعد/11.\