بعد ستة أشهر من المعارك الضارية، دخل الثوار إلى العاصمة طرابلس منتصرين، ليعلنوا نهاية مرحلة من مراحل تاريخ ليبيا الحديث، أبى القذافي وعصابته الحاكمة إلا أن يجعلوا منها فصلا دمويا، خطوه بأشلاء الأطفال والنساء.

يسقط القذافي اليوم ليعلن نهاية نظام استبدادي مجنون، يخفي وراء بريق الشعارات والمسميات ديكتاتورية مقيتة تحكمت بالحديد والنار في رقاب الناس على مدى أربعة عقود. تسقط جماهيرية العقيد المجنون ببريق الأسماء لتحل محلها دولة الشعب المقهور الذي نهبت ثرواته وقمع صوته وقتل ونفي أبناؤه، ومرغت سمعته في الوحل بفعل مغامرات ونزوات جنون العظمة.

المؤمل أن تطوى صفحة وتفتح أخرى تتعالى فيها النفوس عن الجراح والآلام ونزعات الثأر والانتقام، فرغم شناعة الجريمة التي ارتكبها النظام الليبي في حق الشعب بكل فئاته على مدى عقود، وآخرها حربه الشاملة على العزل المدنيين، ليس أمام الشعب الليبي إلا أن يتعالى عن جراحه ليصنع غده بالعفو والصفح والتسامح والاحتكام إلى القانون والعدالة، فالانتقام لا يصنع مستقبلا، والعنف والظلم لا يقيمان دولة.

الكل مجمع داخل ليبيا على أن التحديات كؤود وأن الأطماع كبيرة وتركة القذافي الثقيلة أكبر، لكن إرادة أحفاد المجاهد عمر المختار أكبر بتوفيق الله وتأييده في عقد مصالحة وطنية تلم شتات هذا الشعب المسلم وتعيد الأمن والاستقرار للبلاد والعباد.

والكل خارج ليبيا يتابع كيف رفض طواغيت العرب دخول التاريخ دخول الأبطال، فها هم يدخلونه دخول الجرذان الواحد تلو الآخر، كيف رفضوا المصالحة الحقيقية مع شعوبهم التي سئمت بقاءهم في كراسي الحكم، كيف رفضوا لقب الحكام السابقين، وها هم ينالون لقب “الحكام المخلوعين” الهاربين.

لم يكن أحد ممن سقطوا من هؤلاء الفراعنة يعتقد أنه سيصل إلى النهاية التي أوصله إليها غروره وتغرير بطانة السوء المحيطة به، ما من أحد منهم إلا ويقول أنا لست كالآخرين، أنا في قلوب الملايين، صناديق الاستفتاءات والانتخابات معي، صوري تملأ كل مكان، وهتافات الشعب بحياتي لا تنقطع. صنعوا الأكاذيب فصدقوها، جعلوا من أنفسهم آلهة، تحكموا في رقاب العباد وفي خيرات البلاد، ومن عارضهم نفوه أو عذبوه أو قتلوه… ولما قامت الشعوب أخرجوا كل ما في جعبتهم من عنف وإجرام و”بلطجة” و”شمكرة”، فما كان لأباطيلهم هذه أن ترد عنفوان الإقدام الشعبي وهدير بحره الهائج ضد الفساد والاستبداد، لأنها ما كانت غير شهقات صريع واحتضار ميت. فهل من معتبر؟