تقديم

لم يخلُ التاريخ البشري من حركات تغييرية، لكن قلما تجد حركة تغييرية ولدت قوية في مهدها، فحركة 20 فبراير بالمغرب- التي شرَفت الربيع العربي وشرُف بها – ولدت قوية بقوة الهيئات الداعمة لها وبالمشاركة الإرادية لشعب غير راض بواقع الفساد مستعد لتغييره، ولا تزداد مع الزمن إلا قوة على قوتها. موعد تاريخي اكتسى رمزية ودلالة تاريخية تُسجل -لا شك- في صفحات تاريخ المغرب المعاصر وتاريخ خير أمة أخرجت للناس.

هذا المقال استقراء لبعض عوامل قوة حركة 20 فبراير، وتبقى الحركة محط نظر الناظرين وتتبع المتتبعين وتحليل المحللين وقراءة الساسة الحاذقين في الداخل والخارج.

حركة شبابية

يمثل الشبابُ قاعدتها العريضة، شباب وعى واقعه وقدر مسؤوليته الذاتية في التغيير فهب بسرعة وقوة ليصنع حاضره ومستقبله بيديه ويساهم في تأمين مستقبل الأجيال القادمة، فالحضور القوي للشباب منذ نشأة الحركة إلى يومنا هذا صمامُ أمان وضمانُ استمرارٍ لها؛ لما يتميز به من خصائص الفتوة والقوة والحركة والشجاعة والتدافع والثبات والإبداع. ومن أوضح صور التعبير عن كون الحركة شبابية بامتياز حيوية الشباب في المحطات الاحتجاجية، وارتداء بعضهم لأقمصة مكتوب عليها “شباب 20 فبراير” نسبوا أنفسهم إليها فهُم أحقَُ بها وأهلها.

حركة شعبية

لم يُلغ كون الحركة شبابية احتضانها للشعب بكل شرائحه وفئاته، فهي للصغير والكبير، للذكر والأنثى، للرجل والمرأة والطفل، للعامل والعاطل، للمنتمي وغير المنتمي…، فلا تقتصر على فئة دون فئة، أو حركة دون حركة، أو حزب دون حزب، أو جمعية دون جمعية…، فهي للجميع، تفتح أذرعها لكل غيور فردا أو هيئة ضاق ذرعا بالفساد والظلم وينشد الإصلاح والعدل. وقد عرفت المحطات الاحتجاجية مشاركة النساء والرجال والأطفال. فشعبيتها سر قوتها.

حركة مؤطرة

من نقاط قوة حركة 20 فبراير أنها حركة ممثلة من هيئات سياسية ونقابية وجمعوية، ومسنودة من مجلس داعم. تتولى التنسيقيات المحلية في عديد مُدن المغرب وقُراه تنسيق الجهود وتوحيد الرؤية وتقرير الأشكال الاحتجاجية والتخطيط لها والسهر على إنجازها وتقويمها، وفق أصول وقواعد العمل المشترك بعيدا عن الاختلافات الفكرية والإديولوجية. فوجود ممثلي الهيئات الداعمة ضروري لضبط سير الحركة وتوجيه بوصلتها نحو تحقيق مطالبها دون الوقوع في مزالق تُفشل حركتها، فواهمٌ من يظن أن الشعب بدون تأطير قادر على الاستمرار في الاحتجاج ومواجهة العوائق.

حركة مطلبية

أعلنت حركة 20 فبراير مطالبها منذ نشأتها، وضوحا مع الذات ومع الشعب ومع النظام السياسي، وضوحٌ ذكيٌ لابد منه سبق التحرك لئلا تُلبس لبوسا غير لبوسها ويُلصق بها ما هي براء منه. امتزج في المطالب السياسي بالاجتماعي بالاقتصادي، لا انفصال بينها في وعي الحركة والشعب، ولا تقبل التجزيئ والتقسيط؛ مطالب سياسية (حل الحكومة والبرلمان، دستور شعبي ديمقراطي، إطلاق سراح المعتقلين…)، ومطالب اقتصادية (التشغيل، الحد من غلاء الأسعار، التوزيع العادل للثروة…)، ومطالب اجتماعية (صحة، تعليم، سكن…) عبَر عنها المحتجون بشعاراتهم ولافتاتهم مُختلفة الأحجام والأشكال والألوان، وتشكل بها لدى الشعب – مع توالي الشهور- وعيٌ أدرك من خلاله ألاَ أمن اقتصادي واجتماعي بدون إصلاح سياسي عميق يضرب صفحا عن ماضي الفساد ويُحدث تغييرا جذريا في حاضر المغرب ومستقبله.

حركة سلمية

اختارت حركة 20 فبراير للتعبير عن مطالبها المشروعة أمضى سلاح وهو الاحتجاج السلمي، لأنها تدرك أن العنف لا يجدي نفعا ولا يأتي بخير، فاتخذت مبدأ السلمية منهجا يضبط الغضب الشعبي ويُوجهه ويتحكم فيه ويُهذبه ليكون غضبا لله وللمستضعفين، لذلك لم تمارس العنف ولم تنجر إليه، فباءت محاولة الضرب في سلميتها وتلويث سمعتها بالفشل منذ أول نزول لها إلى الشارع – 20 فبراير – بأعمال الشغب والتخريب، وببلطجية الشماكرية… قبل الاستفتاء وبعده، وبانت مع الأيام والشهور سلمية الحركة وبراءتها من العنف براءة الذئب من دم يوسف.

حركة هادئة

مبدأ السلمية يربي على الهدوء والصبر وضبط النفس وطول النفس، فالحركة منضبطة في سيرها ماضية نحو تحقيق مطالبها لا تستعجل، ولا تلتفت إلى من يُهونها أو يُهولها، من يُحاول الكيد لها أو يخطب ودها، ولا تأبه إلى من يرمي إلى إيقاف سيرها أو شق صفها. فالصبر حليتها والصدق رأسمالها والمسؤولية ماء وجهها واليقظة شِيمتُها والاصرار والاستمرار عُنوانها، بهدوئها واستمرارها تسقي الشعب جرعات متدرجة، تروي قلوبا بالغضب على الظلم وعقولا بفقه الواقع كما يروي الطل الأرض التي أصابها جذب وجفاف.

حركة مبدعة

من لا حركة له يجمد ومن لا إبداع له يخمد ويركد. لذلك سعت حركة 20 فبراير في جميع التنسيقيات عبر أرجاء الوطن إلى تنويع أشكال الاحتجاج وتجديد الأساليب والوسائل لما فيها من تحريك للإرادات وبعث للنشاط والحماس وحفز للعقول لمزيد من الإبداع، فهي غير جامدة على قوالب جاهزة لا تتجدد بل تبدع باستمرار؛ فتنوعت الأشكال الاحتجاجية بين مسيرات ووقفات واعتصامات ومهرجانات خطابية وفنية وإفطارات جماعية..، وقد رافق ذلك إبداع في أشكال تقويم سير الحركة واستشراف قابل محطاتها النضالية ومستقبلها من خلال تنظيم ندوات وموائد مستديرة وأيام دراسية… تعميقا للتواصل وتبادلا للأفكار وتلاقحا لوجهات النظر وفتلا في حبل الحركة ونزوعا بها نحو التقوي والاشتداد. ومما لا يقل أهمية إلى جانب الإبداعين السابقين، الإبداع في الشعارات على غير مثال؛ شعارات مطلبية مشتركة وأخرى مرتبطة بالواقع المحلي لكل مدينة أو قرية مع حضور اللهجة المحلية في بعضها، والإبداع الفني شعرا ومسرحا ورسما وإنشادا.

خاتمة

اجتمع لحركة 20 فبراير بالمغرب من عوامل القوة ما يمكنها من شق طريقها بخطى حثيثة متدرجة نحو تحقيق مطالبها المشروعة المُنصفة للشعب المغربي التواق إلى غد الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية كغيره من الشعوب.