موجز عن الغزوة

في اليوم السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة الشريفة وقعت غزوة بدر الكبرى، وكانت فيها قوة المسلمين 313 مقاتلاً عدتهم قليلة: سبعون بعيرًا، وفَرَسَان، لكن إيمانهم قوي وقناعتهم بقضيتهم كبيرة. وقد خرجوا لا للقتال، وإنَّما للاستيلاء على عِير قريش القادمة من الشام، لاستعادة بعض مما نهبته قريش من أموالهم التي تركوها وراءهم في مكة بعد الهجرة نحو المدينة.

وكان جيش المشركين نحو 1000 مقاتل، وعِيرهم سبعمائة بعير، ومائة فرس، وسلاح كثير.. فالتقت القوتان بماء بدر، ورأى المسلمون جيش عدوهم فلجئوا إلى الله-عز وجل- واستغاثوا، وألقوا بأمرهم إليه؛ فاستجاب لهم، وأمدهم بالملائكة؛ ثبَّتوهم؛ وقاتلوا معهم؛ ونصرهم الله على عدوهم نصرًا عزيزًا إذْ تَستَغِيثونَ ربَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لكم أنِّي مُمِدُّكُمْ بألفٍ منَ الملائكةِ مُرْدِفِينَ وما جَعَلَهُ اللهُ إلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهَ عزيزٌ حكيمٌ.

والقصة معروفة بتمامها وموجودة بكمالها في كل كتب السير وكثير من مواقع ومنتديات الشبكة العنكبوتية.

وما النصر إلا من عند الله

إن غزوة بدر تؤكد حقيقة عقدية وقناعة إيمانية راسخة، وهي أن النصر يأتي من عند الناصر سبحانه مصداقا لقوله الكريم وما النصر إلا من عند الله وقوله تعالى إن تنصروا الله ينصركم.

وقد علمنا المصطفى المعصوم صلى الله عليه وسلم هذا المعنى ورسخ في أمته هذه العقيدة، إذ في الوقت الذي أنهى “الترتيبات العسكرية” واستكمال أدوات الأسباب، فر إلى المولى جل وعلا طالبا النصر منه والمدد والعون. فها هو بأبي وأمي رافعا يديه الشريفتين مناجيا “اللهُمَّ آتني ما وعدتني، اللهُمَّ أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تَهلِكَ هذه العصابة من أهل الإسلام فلن تُعبَد في الأرض، وما يزال يهتف بربِّه مادًّا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وحتى نزل الوحي مطمئنًا؛ سيُهزَم الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُر”.

والقرآن الكريم صور حقيقة الوقائع القتالية مع الكافرين في بدر وردها إلى صاحبها حين قال الله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ المُؤمِنينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَليمٌ * ذَلِكُم وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكَافِرِينَ.

قوة الإيمان

صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا ليس للقتال ولكن لأخذ العير، ولكن حين ساقهم قدر الله إلى أرض المعركة لم تهيمن عليهم النظرة المادية والعددية والحسابات الأرضية، حيث كان الفارق كبيرا بين الفرقين عددا وعدة، بل نظروا في قلوبهم فوجدوها عامرة إيمانا بدينهم الحنيف وفتشوا أراحهم فرأوها مستعدة لفداء رسول الله ودين الله.

وما أجملها من صورة تلك التي رجع فيها النبي الكريم يستشير أصحابه في أمر المعركة وإمكانية خوضهم لها خارج أسوار المدينة، إذ كان الاتفاق مع الأنصار على حمايتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم داخل المدينة فقط، فقام ثلة من المهاجرين الواحد تلو الآخر يؤكدون جهوزيتهم لفداء الدعوة ورسولها. لكن الحبيب كان يريد رأي الأنصار، فقام زعيمهم سعد بن معاذ يقول كلاما سجله التاريخ بماء الصدق ومداد الإيمان: يا رسول الله، قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئتَ به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا على السمع والطاعة، فامضِ لما أَرَدْتَ فوالذي بَعَثَكَ بالحق لو استعرضْتَ بنا هذا البحر؛ فخضتَه لخضناه معك، ما يتخلف منا أحد. وما نَكْرَه أن تلقى بنا عدونا وعدوك، إنَّا لَصُبُرٌ عند الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، ولعل الله عز وجل أن يُريَكَ منا ما تَقَرُّ به عينُكَ؛ فَسِرْ بنا على بركة الله).

ولله ذر من قال إنه الإيمان بالله الذي يضع أمر الله ورسوله في جانب، والدنيا كلها في جانب آخر، وإنه التسليم لله ورسوله مهما حذَّر العقل، ونهت ظواهر الأشياء، وإنها الثقة التي لا تُجادل في أن الموت في الله شرف، لا يقل عن شرف النصر على الناس، وهيهات لمن يحمل هذه المبادئ أن يَذِلَّ أو يُهزَم، أو يكون بعيدًا عن تأييد الله ونصره.)

وللأسباب مكانتها المعتبرة

تعلمنا معركة بدر، من بين ما تعلمنا، حقيقة الجمع بين التوكل على الله سبحانه والأخذ بالأسباب المنطقية، فلله في كونه وخلقه شؤون تحترم، قادر هو سبحانه على تجاوزها وخرقها لعباده الصالحين والصادقين، لكن هذا المدد الإلهي لا يأتي مع التقاعس والتكاسل عن الأسباب والاتكال على هذا المعنى الذي يذهب مسؤولية المؤمن وسعيه.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المؤيد المنصور، أخذ بجميع الأسباب المادية المعقولة والمؤدية للنصر (اختيار أرض المعركة، استشارة الصحابة، استطلاع أحوال وأعداد قريش، ترتيب جيش المؤمنين عسكريا…)، وبعدها وقبلها ومعها يلجئ إلى المولى أن ينصر هذه العصبة وتدمع عينه بين يدي القوي القادر على كل شيء سبحانه.

وقد صدق من قال وهو يوازن بين حدي هذه المعادلة إذ في الوقت الذي ينبغي أن تتعامل فيه الجوارح مع الأسباب، يلزم أن يلجئ فيه القلب إلى المسبب.)

مكانة الشورى

إن من أبرز ما جاءت به غزوة بدر، تأكيدها مبدأ الشورى، باعتباره مبدأً من مبادئ الشريعة وأصلا من أصول الحكم، وصورة من صور التعاون على الخير، وحالة تجسّد حقيقة المشاركة في الفكر والرأي، بما يخدم مصلحة الجميع.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المؤيّد بالوحي استشار أصاحبه في تلك الغزوة أربع مرّات، فاستشارهم حين الخروج لملاحقة العير، واستشارهم عندما علم بخروج قريشٍ للدفاع عن أموالها، واستشارهم عن أفضل المنازل في بدر، واستشارهم في موضوع الأسرى، وكلّ ذلك ليعلّم الأمة أن تداول أي فكرة وطرحها للنقاش يسهم في إثرائها وتوسيع أفقها، ويساعد كذلك على إعطاء حلول جديدة للنوازل الواقعة).

ولعل واقعة تغيير اختيار الأرض، بعد أن حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي يقف عليها المسلمون في المعركة وينطلقوا منها لقتال عدوهم بعد تدخل الصحابي الجليل “الحباب بن المنذر” لإشارة بليغة لكل قيادات الأمة السياسية والدينية.

رمضان شهر الانتصارات

في معنى الحديث أن في رمضان يزاد رزق المؤمن، والرزق ليس مالا فقط بل نصرا وفتحا وفرحا بظهور دين الله.

وفعلا فقد كان رمضان دائما واحة للنصر وساحة للظفر، ولم يكن أبدا مساحة من الزمان تثاقل فيها حركة المسلم والمجتمع لأن الجميع مرهق بالصوم ومتعب بالقيام. فقد كان فتح مكة في العاشر من رمضان، ونصر بدر في السابع عشر منه، وفي رمضان من السنة الخامسة كان استعداد المسلمين بحفر الخندق، وبعض أحداث غزوة تبوك في رمضان سنة تسع من الهجرة حيث كانت في سفر بعيد وحر شديد، وفي رمضان كانت معركة القادسية ومعركة البويب وفتح رودس، وانتشر الإسلام في اليمن في السنة العاشرة من الهجرة في شهر رمضان، وهدم خالد بن الوليد البيت الذي كانت تُعبد فيه العُزّى في رمضان من السنة الثامنة، ووجه النبي صلي الله عليه وسلم السرايا لهدم باقي الأصنام، وفي السنة التاسعة وفي رمضان هدمت اللات التي كانت تعبدها ثقيف ودخلت ثقيف في الإسلام، وفي رمضان سنة 479 هجرية انتصر جيش المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين علي جيش الفرنجة الكبير بالأندلس، وفي رمضان سنة 658 هجرية انتصر المسلمون بقيادة قطز علي المغول في موقعة عين جالوت، وفي رمضان سنة 92 هجرية وبعد معارك تم فتح الأندلس بقيادة طارق بن زياد في موقعة حاسمة تعرف بموقعة البحيرة، وفي رمضان تم الانتصار على اليهود عام 1973 / 1393 هجرية في معركة العبور.

فرمضان بحق، شهر الانتصارات.

ملائكة بدر

قال الله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ {9} وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {10} إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ {11} إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ{12}.

تعليقا منه على كلام الله الخالد وما وقع من نصر الله للمومنين يوم بدر وإمداده لهم بجنده، يقول العالم الجليل الأستاذ محمد عبادي في معنى كلامه إن ملائكة بدر ما تزال مستعدة متحفزة، فقط تنتظر رجالا مثل رجال بدر). جعلنا الله وإياكم منهم ومعهم. آمين.