خلصنا إلى أن الدين سعي في العبادة والأخوة وإعداد القوة. فارجع إن شئت إلى ما جاء في وحي الفاتحة 1. وأعرج هنا على ركن العبادة في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ أحاول أفصل بعض التفصيل وأدرجه لك تدريجا وبالله التوفيق.

قد جاء في وحي الفاتحة 1 ماخلاصته: وتمام التحقيق، أن عبادة الله عز وجل كمالها الحمد ومخها الدعاء. والدعاء استعانة واستهداء. فالاستعانة تهب القوة ولا حول ولا قوة إلا بالله، والاستهداء يورث الهداية ولا هادي إلا الله.)

“الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ”

وإذ قد عرفت أن العبادة كمالها الحمد، وأن الحمد في كلام العرب معناه الثناء الكامل. وأن مقام الحمد يسامي مقام الشكر عند أهل الله وهو مقام إحساني. وأن المقام المحمود أعلاه، وهو للنبي الخاتم خاصة.

قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا، وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا سورة الإسراء الآيتان 78 و79.

وإذ بان هذا، فأقبس لقابس في فضله نقلا عن القرطبي في تفسيره:

روى ٱبن ماجه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أَخذ”.

ورُوي عن ٱبن عباس أنه قال: “الحمد لله كلمةُ كل شاكر”.

فانظر رحمك الله كيف تواصفوه بالحسن وشهدوا له بالفضل.

فالعبادة كمالها الحمد وهي درجات: إسلام ثم إيمان ثم إحسان. إسلام بأركانه الخمسة، وهو موضوع علم الفقه. وإيمان بأصوله الستة، وهو محط نظر علم أصول الدين من جانب التصديق. أما من جانب الاتصاف ، فهو موضوع علم التصوف، وكذلك الإحسان بدرجتيه. ويشهد لهذه الدرجات حديث جبريل وسيأتي بيانه.

كما يشهد له قوله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ سورة الحجرات الآية 14.

“إِيَّاكَ نَعْبُدُ”

ولا يخفى على بصير أن العبادة تقتضي الإيمان بالله الرب الرحمن الملك.

وليكن على ذكر منك أبدا أن العبادة هي الغاية يشهد لذلك قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ سورة الذاريات الآية 56.

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (8)الأسئلة الكبرى

ويحسن بك أن تعرف أن أحكامها عند الفقهاء ترجع إلى حفظ الدين. وتنبه، فالدين هنا ذو دلالة خاصة مرتبطة بأحكام العبادات. وهومدار الأمر، وإليه يرجع حفظ النفس والعقل والنسل والمال.

هذا، والدين كما جاء في حديث جبريل، إسلام وإيمان وإحسان وشوق إلى لقاء الله عز وجل. فتفقد بيانه يرويه سيدنا عمر الفاروق:

“بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فاسند ركبتيه إلى ركبتيه. ووضع كفيه على فخذيه. وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقيم الصلاة. وتؤتي الزكاة. وتصوم رمضان. وتحج البيت، إن استطعت إليه سبيلا”. قال: صدقت. قال: فعجبنا له. يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: “أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر خيره وشره”. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: “أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه، فإنه يراك”. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: “ما المسؤول عنها بأعلم من السائل”. قال: فأخبرني عن أمارتها. قال: “أن تلد الأمة ربتها. وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان”. قال ثم انطلق. فلبثت مليا. ثم قال لي: “يا عمر! أتدري من السائل؟” قلت: الله ورسوله أعلم. قال: “فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم””.

الراوي: عمر بن الخطاب – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 8 – خلاصة حكم المحدث: صحيح .

وإذ بان أن العبادة إسلام وإيمان وإحسان، فارجع البصر تر العبادة كمالها الحمد ومخها الدعاء.

ثم ارجع البصر تجد أن للدعاء أصلين هما: الاستعانة والاستهداء في كنف الحمد.

قال بعض العلماء: فجعل الله جلّ وعزّ عظم الدعاء وجملته موضوعاً في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء، ونصفها فيه مجمع الحاجات، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به (الداعي) لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين، فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به؛ وفي الحديث: “ليس شيء أكرم على الله من الدعاء”.

وفيه “أن الدعاء مخ العبادة” الراوي: – المحدث: الشوكاني – المصدر: الفتح الرباني -الصفحة أو الرقم: 11/5326 – خلاصة حكم المحدث: متواتر.

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (9)

وإذا استنجدت فهمك، علمت أن العبادة التي روحها وكمالها في الحمد -وهو افتقار وتوحيد ورضا وثناء وعمل شاكر- لا تكون إلا بعلم سابق بما هي العبادة. هذا هداية. ثم بقدرة على القيام بها. هذه عناية.

فهذه ثلاثة أصول في العبادة: الحمد لله وهداية الوحي والعناية في الطاعة.

وليكن على ذكر منك أبدا، أن هذه البواعث الإيمانية الثلاثة، يحكمها معنى الافتقار إلى الله سبحانه؛ فهو القطب الذي عليه المدار.

قال عز من قائل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. سورة فاطر الآية 15.

فالإنسان فقير إلى الله، فقير إلى هديه، فقير إلى عونه. والافتقار إلى الله يورث محبته وحمده، والافتقار إلى هديه يورث هداية الوحي وسيادته، والافتقار إلى عونه يورث العناية والتوفيق في طاعته. وأكثر القرآن في هذه الأصول.

“إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ”

وإذ قد عرفت أن الاستعانة تسأل العون والتأييد والتوفيق في الطاعة فاعلم أنها إنما تكون مع الاجتهاد في الطاعة والذكر الكثير. يحدوها الإيمان باليوم الآخر، فهو الحافز على العمل؛ لأن ثمة حساب وجزاء والله هو مليكه. ويكتنفها الإيمان بالقدر خيره وشره، الذي يعلمنا أن لاحول ولا قوة إلا بالله، فهو مالك الملك سبحانه.

قال السُّلَمِيّ في حقائقه: سمعت محمد بن عبد اللَّه بن شاذان يقول: سمعت أبا حفص الفرغاني يقول: من أقرّ بـ”إياك نعبد وإياك نستعين” فقد برىء من الجَبْر والقَدَر).

قال محمد بن الحنفية في قوله عزّ وجل: ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: 6]: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره).

اهدنا دعاء ورغبة من المربوب إلى الرب؛ والمعنى: دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقُرْبك.

وإذ قد عرفت أن الاستهداء يطلب الهداية، وهي هداية الوحي ورحمة الرحمن، فاعلم أنه إنما يكون مع اتباع صراط الذين أنعم الله عليهم. وهذا يقتضي الإيمان بالرسل، وهم هداة ورحمة، وبالكتب، وفيها هدى ورحمة. وشواهد القرآن في هذا كثيرة. نسوق منها:

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (4)المقاصد الاستخلافية

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ سورة الشورى الآيتان 52 و53

فتفقد قوله نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا تجد الوحي يهدي وتفقد قوله وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ تجد الرسول يهدي.

والوحي رحمة. يشهد له قوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا سورة الإسراء الآية 82.

كما الرسول رحمة. ويشهد له قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ سورة الأنبياء الآية 107.

وجملة الأمر أن العبادة لاتتحقق إلا بشروط ثلاثة هي صحبة الهداة المهتدين وذكر الله الكثير ويشملهما صدق الطلب والدعاء. وإذا أردت ما هو صريح في ذلك فاقرأ في الصحبة قوله صلى الله عليه وسلم “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”.

الراوي: أبو هريرة – المحدث: أبو داود – المصدر: سنن أبي داود – الصفحة أو الرقم: 4291 – خلاصة حكم المحدث: رواه عبد الرحمن بن شريح لم يجز به شراحيل.

وفي الذكر قوله: “جددوا إيمانكم. قيل: يا رسول الله! كيفنجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول: لا إله إلا الله”.

الراوي: أبو هريرة – المحدث: أبو نعيم – المصدر: حلية الأولياء – الصفحة أو الرقم: 2/405 – خلاصة حكم المحدث: غريب من حديث محمد بن واسع تفرد به عنه صدقة بن موسى.

وفي صدق الدعاء قوله: “إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فسلوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم”.

الراوي: عبد الله بن عمرو بن العاص – المحدث: الهيثمي – المصدر: مجمع الزوائد – الصفحة أو الرقم: 1/57 – خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن.

فتأمل هذه الأحاديث الثلاثة، واستقرئها واحدا واحدا، تدلك على الدستور الذي لنا فيه، إن تأملنا، غنى عن كل ما سواه، وهو أن العبادة لا تتحقق إلا بشروط ثلاثة هي صحبة الهداة المهتدين وذكر الله الكثير ويشملهما صدق الطلب والدعاء.