يقوم النظام السياسي المغربي على “البيعة”، ويعتبرها نقطة ارتكاز محورية اكتسابا للشرعيتين الدينية والتاريخية، وقد أثارت في إطار الحراك الشعبي جدلا كبيرا، بين منافِحين عن النظام يَسْتَقوُون على خصومهم بالسلطة الدينية، حيث يتم توظيف نصوص وجوب طاعة غير مشروطة للأمير، واعتبار بيعة الحاكم شرط وجوب به تكتمل عقيدة المسلم، وبين رافضين للاستبداد باسم الإسلام، الداعين لتعاقد واضح بين الحاكم والمحكومين على أساس الحقوق والواجبات التي تخول للشعب مساءلة الحاكم ومحاسبته.

يروم المقال تسليط الضوء على قضية شائكة في جوانبها العملية، انطلاقا من حفل الولاء الذي تتوج به احتفالات عيد العرش السنوية؛ وبعيدا عن الأمور التأصيلية للبيعة وضوابطها وشروط انعقادها وأسباب انتقاضها، نثير نقطتين اثنتين: من يُبايِع؟ وكيف يبايِع؟

المعلوم أن البيعة نوعان: بيعة الانعقاد أو البيعة السياسية يؤديها أهل الحل والعقد أو ممثلو الأمة تنصيبا للحاكم، وبيعة الطاعة أو البيعة الشعبية تزكية للأولى. وفي التجربة المغربية يُكتفى ببيعة ممثلي الأمة لكونه عمليا لا يتطلب ترتيبات ونفقات، ويجنب النظام مغامرة وصعوبات الإقرار كما حدث في الاستفتاء على الوثيقة الدستورية، وما أثارته نسب المشاركة ونسب المؤيدين للوثيقة من تساؤلات الصدقية والمصداقية.

في الحالة المغربية اليوم، من هم أهل الحل والعقد؟ هل هم العلماء؟ وما درجة استقلال قرارهم، و”الأمير” نفسه رئيس مجلسهم الأعلى، وهم بمثابة موظفيه السامين؟ هل هم القادة والزعماء السياسيون؟ وما هي مؤشرات شعبيتهم لينوبوا عن الشعب في هكذا قرار، خاصة إذا استحضرنا نسب المشاركة في استحقاقات شتنبر2007 حيث لم تتجاوز 20%، واستحضرنا تصريح إدريس جطو جوابا على من استنكروا تعيينه وزيرا أولا -وهو التكنوقراطي- بعد استحقاقات 2002 أن نسبة تمثيلية الأحزاب مشتركة في تلك الانتخابات لا تفوق 10% من الشعب؟

وإذا تجاوزنا مشكل التمثيلية الشعبية، ما الجدوى من البيعة باعتبارها آلية شرعية إذا استُدعي لأدائها من يعتبر التديّن ـ أصلا ـ قضيةً تندرج في إطار حريات شخصية تكفلها المواثيق الدولية التي نصت الوثيقة الدستورية أنها فوق القوانين الوطنية ومن ضمنها التشريع الإسلامي؟ بمعنى أوضح، هل تصح بيعة اللاديني الذي يرى الإسلام دينا يصادر الحرية والحقوق الشخصية للإنسان؟ وما هي الوضعية الشرعية في البلدان الإسلامية التي لا تتبني أسلوب البيعة رابطة بين الحاكم والمحكوم؟ هل تدينهم كامل وسليم أم إنه لا بد أن يبايعوا الحاكم حتى لا يموتوا ميتة جاهلية؟ وما هو معيار الانتقاء لحضور حفل الولاء نيابة عن الشعب؟ وكيف يُهيئ الولاة والعمال قائمة ممثلي الجهات؟ أهو الصلاح دينا وسلوكا وخدمة للمصالح العليا للعباد والبلاد، أي إنه يفترض فيمن ينوب عن الشعب في أداء هذه “الشعيرة” أن يرضى الناس خلقه ودينه؟ أم أن البيعة/ حفل الولاء موسم لتوزيع العطف المخزني، يتباهى به “المحظوظون” ويرصعون به سيرهم الذاتية (C.V)، وبالمقابل لا حظ للمغضوب عليهم مخزنيا من شرف الوقوف والانتظار الطويلين استجماعا لمعاني “الخشوع” قبل أن يُؤْذَنَ لهم بالركوع والانصراف السريع أفقيا؟

أما شكل أداء البيعة فما زال يثير جدلا كبيرا، إذ يحرص الداعون للتغيير وعَصْرَنَةِ الدولة لتجاوز طقوس مخزنية -واللفظ لعبد الحميد أمين في القناة الثانية غداة انطلاق حركة 20 فبراير- ممعنة في إذلال ممثلي الشعب؛ وبالمقابل يحرص النظام من خلاله -الركوع المصحوب بعبارات التبريك التي “يبرع” طاقم بشري في “ترتيلها”- على تكريس خضوع الرعية في شخص “نخبها” العلمية والفكرية والسياسية والفنية والرياضية الذين انتخبوا وبعناية لتمثيل الشعب؛ والتسليم -عمليا- أن المخزن “قاهر” العباد مهيمن على البلاد، فلا حركة ولا سكون إلا بأمره. وبعد هذا التسليم والإذعان وأداء فروض الطاعة فالتعليق حر، والخرجات الإعلامية -تصريح عبد الحميد أمين في القناة الثانية غداة انطلاق حركة 20فبراير نموذجا- مظهر صحي على رحابة صدر النظام واتساع هامش حرية التعبير التي تنمي رصيد النظام السياسي.

السؤال، إذا سلمنا بالبيعة آلية وتبعاتٍ، هل هذا الشكل الذي تؤدَّى به سليم من الناحية الشرعية والحقوقية حفاظا على كرامة المبايِِعين -اسم الفاعل- ويؤهلهم بالتالي لممارسة حق مراجعة الحاكم أو نصيحته إذا ظهر منه ما يخالف مضمون البيعة بما هي تعاقد؟

واضح من خلال حفل الولاء إصرار النظام على التمسك بنفس الأسلوب، ألأن الحراك الشعبي -في نظره- لم يصل بعد إلى درجة من التبلور والقوة تُرغمه أن يسارع إلى التنازل عن مكاسبه ويُعلن تفهمه لمطالب الشعب؟ أم إن سوء تقديره للزخم الشعبي -ثقةً في تقارير استخباراته وعزةً بخيل أجهزته الأمنية- تُفوت عليه الفرصة لتدارك ما يمكن تداركه قبل فوات الأوان؟