يهل علينا شهر رمضان المبارك هذا العام (1432هـ) بخيراته وبركاته، وتهل معه رحمات الله ومغفرته وعفوه، ويتجدد فيه التعرض لنفحات الله صياما وقياما وذكرا وبذلا وجهادا.

ومن عظمة هذا الشهر أن تلتقي فيه معاني العبودية لله والركون إليه وطلب مغفرته، ومعاني مجابهة الظلم ومقارعة الظالمين في ساحات الجهاد وميادينه.

مجاهدة النفس، في دين الله، وتخليتها من مذموم الصفات وتحليتها بمحمودها هو وظيفة العبد في كل لحظة ومع كل نفس من أنفاسه، دون أن تُعَطِّلَ فريضة جهاد الظلم بين الناس القائمة إلى قيام الساعة فيتحول أمر هذه الوظيفة إلى رهبناية تشرع بسكوتها ظلم الظالمين وتزكي بهروبها وانزوائها استبداد المستبدين.

ومدافعة الباطل، في هذا الدين العظيم، شرط واجب لتكتمل شخصية المؤمنين ويتأهلوا لإسقاط الاستبداد الجاثم على الصدور الكاتم للأنفاس منذ زمن بعيد. ولا يغني جهاد الظلم عن جهاد النفس على ما له من قدسية. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: “وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر”، فقد يكون ظاهر عملي جهادا تنتفع به الأمة وباطنه رياء وسمعة وعُجْبا ودنيا أصيب منها ما يصيب آخرتي في مقتل.

يهل علينا رمضان هذا العام كما لم يهل علينا منذ أمد بعيد، بعد أن استفاقت الأمة من سباتها، وقامت في وجه الظلمة قومتها المباركة، وانتفضت بشبابها انتفاضتها المدوية.

خير الزاد التقوى، ورمضان فرصة للتزود لآخرة يأتي فيها العبد ربه فردا، يُحَصَّلُ ما في صدره مما كسبه على مدى رحلته الأرضية فيوزن بميزان العدل الإلهي المطلق، وهو فرصة للتعاون مع الصادقين على البر والتقوى ودفع الإثم والعدوان والانتصار للمظلومين المقهورين المستضعفين حتى يُحَصِّلوا حقوقهم كاملة، ويَأمنوا على أنفسهم، يسير سائرهم في أرجاء البلاد لا يخشى إلا الله.