عدت الملوك على الأمة بالاستضعاف والإتراف والاجحاف والاستخفاف، وتوسلت في ذلك بالاستبداد والسلطان والحجاب، حتى أفسدت الأمة في دينها ونفوسها وعقولها وأموالها وأعراضها، فصارت غثاء تداعت عليها الأمم بفراعنتها المستعينة بهامانات البأس الشديد وقارونات المنافع. هذه تترف وتفقر وتتحكم في الأرزاق، وتلك تميت وتحيي. تميت الرجولة والحرية الشجاعة وطلب الحق ومدافعة الظلم، وتحيي الفسولة والاستخذاء والذل والخضوع ودين الانقياد، حتى قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده.

حب الدنيا وكراهية الموت

علا فرعون السلطان في الأرض. أيحسب أن لن يقدر عليه أحد؟. يقول أهلكت مالا لبدا. أيحسب أن لم يره أحد؟.

أنساه الشيطان ذكر ربه، فهو في سكرة أناه، التي أغمسته في غمرة عوائد حب الدنيا وكراهية الموت. وعده الشيطان شجرة الخلد، ومناه أنها الملك الذي لا يبلى، ودلاه بغرور. حتى إذا ذاقها؛ بدت سوأته في الأنانية كبرا وخلق تأله؛ وفي حب الدنيا إترافا فيها وانغماسا في غضارة عيشها؛ وفي كراهية الموت إخلادا إلى أرض الدعة والسكون.

داء الأمم

وحشر فنادى: “أنا ربكم الأعلى”. يضاهي قول الشيطان من قبل: “أنا خير منه”. فقيل: “اهبط أرض العداوة والبغضاء ولك فيها مستقر ومتاع إلى حين”.

ومن آيات ذلك أن يأتي قابيل داء الأمم، تحمله شياطين الأشر والبطر في خلق الكبر والتأله والانفراد بمجد السلطان، وشياطين التكاثر والتناجش في عوائد الترف، وشياطين التباغض والتحاسد في مهاد الدعة والسكون والانغماس في النعيم.

وهكذا حتى يكون البغي وضجيعته الفحشاء، ويحق القول النبوي: “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة” 1 .

يقتل قابيل البغي هابيل الحكم والدولة العادلة، وتقتل ضجيعته الفحشاء الصلاة والدعوة الإحسانية. وطوعت له نفسه ذلك، بما انفرد به من قوة السلطان، وبما أسعفه به غراب مواراة سوأة فعلته بهابيل الدولة العادلة والدعوة الإحسانية.

استبداد وسلطة وحجاب: هذه ذرائع قابيل البغي إلى العدوان، وضجيعته الفحشاء إلى الإثم والإفحاش.

بطر الاستبداد

يواريه حجاب الغموض ولا شفافية؛ وتمده البنى الحكومية المتناحرة والهياكل الضعيفة، لفساد الهمة والمسؤولية، وفساد الذمة فلا ورع، وفساد التربية على حب العدل والعمل والإتقان وحسن التدبير والإدارة.

ويملي له في علوه على الأمة أن أمن مكر الرقابة والحساب والمسؤولية؛ فالديمقراطية المسكينة عاجزة عمياء لا ترى عواره، وهكذا يحبها؛ والمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية كما المولود الموؤود؛ والانتخاب غشاه حجاب الغموض والتمويه والزور والتزوير؛ وسيادة القانون أنقضتها الرشوة والمحسوبية وسطوة النفوذ، فهانت المهنة القانونية، واستقال القضاء وما استقل وما عدل؛ وأما الإعلام وسدنة ملته فيعلمون الناس دين الانقياد لأمره ونهيه، فالمقرب منهم الذي تولاه في غيه وغيه، وهوالداعي بدعوته؛ أما صاحب القوة والأمانة المدل ببأس المعارضة ينهى عن منكر بغيه وفحشائه، فهو المبعد والصاغر؛ وكذلك يجعل هباء منثورا كل عمل صالح، وكل حسن تدبير وتتبع وتقييم وتنافس.

تكاثر السلطان

واستعان قابيل بالسلطة، واشتط في استعمالها؛ وأعانه على ذلك الشطط التكاثر في الجاه والمال، باستثمار الأموال العامة بعد انتهابها، وأكلها بالباطل، واهتبال فرص الفساد، وماأكثرها في قسم كبير من القطاع العمومي.

تكاثر يعتذر بالفقر، والنقص في الأجور الحكومية، وعجز الميزانية المخصصة أن تسد حاجات الحملات الانتخابية.

شطط يؤزه التكاثر؛ ويهزه التحاسد؛ويغذوه الجهل والغموض؛ وتواتيه الظروففي المرفق العمومي، كاللبث سنين في موقع من مواقع الوظيفة، واللقاء المباشر بأصحاب الحاجات؛ وتواتيه الظروف في الوسط الاجتماعي،كالنخب الأنانية المنغلقة، وشبكات المعارف، وطغيان المصلحة الشخصية، وهوان النـزاهة، واستفحال الجهل والأمية، وبوار التعليم والتربية، واستحكام عادة اللامبالاة، وعجز الرأي العام عن التعبير فضلا عن الاختيار والإسهام في صنع القرار السياسي.

وهكذا تشتط السلطة، في مثل هذه الظروف، وتفسد الفساد؛ وتخرج عن الطاعة للقانون بدءا من العملية الانتخابية، فتحتال على إرادة الأمة وتزور كلمتها؛ وتستبد بعد من دونها بالسلطة والثروة؛ والقانون ينظر عاجزا، كيف لا! وسلطته ضعيفة، والمهنة القانونية مهينة، والقضاء لا هو المستقل ولا هو العادل.

ظلمة الحجاب

وأعانه على ذلك الشطط الحكامة السفيهة، في ظلمة حجاب الغموض الفار من بأس السؤال والحساب؛ فالإطار الدستوري والقانوني ملتبس؛ والنظام القضائي تارة عاجز، وتارة خادم الشطط والفساد؛ فلا وضوح ولا مسؤولية في الحكومة والإدارة وصنع القرار؛ ولا حـرية أمر بمعروف ونهي عن منكر، في الكلام والنشر والصحافة والإعلام.

العلو والتفريق

استعان بكل ذلك في البغي والفحشاء، يؤيده الديوان الفرعونـي، والإدارة الهامانية، وجنودهما في الجيش والأمن وسحرة الإعلام؛ وسار في الأمة سيرة التفرقة والاستضعاف يبغي العلو، والإتراف يشري النصير، والاستخفاف يستجدي الطاعة والاستخذاء، والإجحاف يأكل أموال الناس بالباطل.

ومراده في كل ذلك الانفراد بالمجد والترف والدعة. مراده شجرة الخلد وملك لا يبلى. يحدوه هذا المراد، ويحدوه نذير توهم انتقاضه، وأن يحاط بثمره فيصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها.

الاستضعاف

علا في الأرض وجعل أهلها شيعا؛ يستضعف طائفة منهم، يذبح الرجولة والشجاعة والمروءة والقوة والأمانة، ويستحيي الضعف والذل والخضوع، عسى يولد جيل يدين بدين الانقياد لقابيل البغي وضجيعته الفحشاء.

ذلك أن فرعون الكبر والعلو والتأله يأنف أن يشاركه مجده أحد أو يساهم فيه؛ فيقرع من أجل ذلك أصحاب القوة والأمانة، لما في نفوسهم من العزة بالله وقلة الخضوع لغيره، ورغبة المساهمة في الحكم بما أنزل الله، والاشتراك في مجد بناء الدولة العادلة؛ فتجدع حينئذ أنوف الدل ببأس المعارضة، وتفلح شكائم عزائمهم عن أن يسموا إلى مشاركته في الحكم.

وهكذا يستولي عليهم الهلاك بالقهر والقتل والإهانة وسلب النعمة، فيهنون ويهلكون ويصيرون إلى القلة والفساد. ومن نكص منهم على عقبيه ودان بدين الانقياد، تفضل عليه بعد إذلال، وأترفه بعد إفقار، وأدخل السعادة عليه.

الإتراف

وله عمل آخر غير الاستضعاف؛ وهو أن أترف طائفة حتى يأمن مكرها ويحوز نصرها، وتخذ منها أعوانا وأنصارا، في الإدارة والجيش والديوان والإعلام، وأسبغ عليهم نعم التعيينات الاستراتيجية والمسبقة، وأدر عليهم المنافع السياسية والمادية، وأحاطهم بالحماية وأدخل عليهم السعادة.

حتى إذا ذاقوا عسيلة شجرة الخلد وملك لا يبلى؛ عاد من ذلك إلى نفوسهم هينات الجبن، وانسلخوا من شعار البأس والرجولية، وانبعث فيهم قابيل داء الأمم، فتنافسوا على عز التطاول إلى خدمة السلطان، وتنازعوا حتى قتل بعضهم بعضا، فما منهم إلا تابع ومرؤوس.

فكانوا حقا شيعا. ونزع كل مساهم إلى قاصية مغنم حتى تقاسموا غنائم الدولة؛ فتنازعوا وفشلوا وذهبت ريحهم.

أكل أموال الناس بالباطل

استضعف طائفة فهي النخبة المعارضة، وأترف أخرى فهي النخبة النصيرة. استضعف وأترف حتى يتم له المسارعة في الإثم والعدوان على الناس في أموالهم وحرمهم ودمائهم وأسرارهم وأعراضهم؛ مما يفضي إلى الخلل والفساد دفعة. يعدو على الأموال بذرائع وأسباب ومجانا؛ يأخذ الملك من يد مالكه مـن غير عوض ولا سبب، ويغصب العمل، ويطالب بغير حق، ويفرض حقا لم يفرضه الشرع، ويجبي المال بغير حق، ويعتدي عليه، وينهبه، ويمنع الحقوق، ويغصب الأموال، ويتسلط عليها بشراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان على وجه الغصب في الشراء والبيع.

وهكذا دخلت مفاسد الرشوة والمحسوبية الزبونية والقرابة والابتزاز والغصب.

وهكذا ينتزع المال من أربابه، ويقطعه الحاشية والخدم وأهل البطالة الذين تركوا العمارة فهم يزرعون المخدرات بدل القمح، وسومحوا في الضرائب. ووقع الحيف على من بقي من أرباب المال؛ فبارت تجارتهم، وانجلوا عن ضياعهم الفلاحية والصناعية والصيدية، وأووا إلى ضياع متردية وصيد عافه السبع. فقلت العمارة، وهلكت الجنـود والرعية، وطمع في ملك البلاد من جاورهم من الملوك، كالبنك الدولي وصندوق البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

وهو في ذلك كالشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار؛ يقلب على أهلها ليل قهره ونهار إترافه، فلم تسلم رعية ولا بطانة ولا حاشية ولا حامية ولا أعوان وأنصار ولا حتـى نفسه؛ وهو في ربقة الملك لا يستطيع الخلاص منها، فهو عبد هواه، ظالـم نفسه، مترفها، موبقها؛ مسكين ما أشقاه! يترفه ماله ويلهيه الأمل في شجرة الخلد والملك الذي لا يبلى، ويقهره توهم الانتقاض وذهاب أوهام الأبهة، يترفه حب الدنيا وتقهره كراهية الموت.

وهكذا حمله حب الدنيا وكراهية الموت على الإثم والعدوان.

الاصطناع

واستعان في ذلك بالملأ في الديوان، وهامانات الإدارة، وقارونات المال، وجنود العسكر والأمن، والسامري في كل معارضة ينشر ثقافة العجل الزعيم، وسحرة الإعـلام، وباعوراوات القضاء الذين انسلخوا من آيات عز الاستقلال والعـدل والإنصاف .

اصطنعهم لنفسه، وتخذ منهم موالي نعمة وصنائع إحسان؛ فهم له خدم وأعوان، وتابع ومرؤوس.

استعان بهم حتى لا يكون منهم إلا إخوان السوء وخضراء الدمن، يقلدون عظائم الأمور فيفسدون ولا يصلحون. وتخذ منهم وزراء ومستشارينما لهم من دون السلطان من نصير، يسعون في هواه، وإن لم يفعلوا أدخلوا نار الضياع والنسيان.

الغثاء

وهو على هذا السبيل يفل في حد الدولة ويكسر شوكتها؛ لما أفسد النخب فيها، بالاستضعاف والإتراف والاصطناع؛ وأهلك شعبها بأكل ماله، والاستخفاف بعقول أبنائه، مستعينا بسحرة الإعلام الاستحماري.

وهكذا، شيئا فشيئا، تتلاشى الدولة وتضعف عن الاستطالة؛ فتتجاسر الجند في الجيش وتتطاول الأعناق إلى الرئاسة، وذلك لتجاسر الرعايا، من سوء ما ألم بها من الظلم والعدوان، فتعبر عن غضبها في الشوارع، وتنفض عنها غبار أوهام أبهة الدولة الظالمة.

حينئذ يغلب على قابيل البغي والفحشاء توهم الانتقاض؛ فيسارع يداوي الأمور، ببذل المال وإنفاق الخزائن، على الأعوان والأنصار، في الحكومة والبرلمان والإدارة، وبخاصة في الجيش والأمن؛ وهكذا يكون التداوي بسكينة العطايا، وكثرة الإنفاق فيهم.

ثم يزيد نذير توهم انتقاض ملك قابيل كلما وهنت الدولة، وغضبت الرعية، وتجاسرت تدل ببأسها، وتحررت من دين الانقياد.

حتى إذا استفحل الأمر وبزل، وعجز عن إرضاء كل الأعوان والأنصار، استكفى بإسعاد الفئات الاستراتيجية؛ هي النخب العسكرية والإدارية والسياسية والدينية والثقافية والإعلامية، والصفوة التجارية والصناعية والفلاحية. ولم يبال بعد بالخطر.

حتى إذا تمكن الأمر وقرح، اتسع نطاق إشقائه، وضاق نطاق إسعاده.

وهكذا وسع عدوانه الرعية أفرادا وأحزابا ومجتمعا مدنيا، والبطانة خواصا وحجابا وكتابا، والحاشية جباة وعمالا وحكومة وإدارة وبرلمانا، والحامية جندا وأمنا، وأهل الثروة ورجال المال والأعمال؛ يصطلم ما احتجنوه من الأموال واحدا بعد الآخر. وخسف بكل قارون وبداره الأرض.

وخسف بالدولة الظالمة. وهكذا يصيبها الوهن، لفساد شوكة الديمقراطية والحكامة الراشدة، وفساد الانتخابات، وفساد النخب، وانتقاض سيادة القانون، وتفلج شكيمة القضاء، وهوان المؤسسات التشريعية، وهلاك الحكومة والإدارة العمومية وكثرة معاطبها، وقلة الخدمات، وفساد المحاسبة والتمثيلية في اتخاذ القرار. وهكذا تذهب أوهام الأبهة وشرعية الحكومة، وتتقوض قيم الديمقراطية في الثقة والتسامح.

وهكذا، ولما وقع من العدوان على الأموال في القطاع الخاص، فالإخسار في ميزان المنافسة، فغلاء تكلفة الأعمال؛ ولما وقع من العدوان على الأموال في القطاع العام، فالاستثمار المرتشى، والمساطير العسيرة، والعجز والكسل، وسوء التدبير، وسرقة المال العام، وشراء المناصب، حتى أخذت الحكومة صيحة الخراب في الخدمات والبنى التحتية والميزانية؛ لهذا، ولما منه، انقبضت الأيدي عن الاعتمار فهي عاطلة، ونضبت مياه الموارد العمومية، وكسدت أسواق التنمية الاقتصادية، وابذعر الناس في الآفاق، فالرعية على متن الهجرة القروية والسرية، والحاشية والحامية وأهل الثروة تبذعر بأموالها إلى قطر آخر، عساها تكون أهنأ وأسلم في إنفاقها وحصول ثمرتها، ولولا العدوان على الهجرة لخف ساكن القطر ولخلت دياره.

وهكذا نقص العمارة، وخراب الديار، وانتشار الجهل والمرض والفقر ومدن الصفيح واليأس والانتحار.

وكذلك عجز الدولة الظالمة أن تحمي الوحدة الترابية حتى، وتصد عدوان تداعي الأمم بفراعنتها المستعينة بهامانات البأس الشديد وقارونات المنافع، تهلك الحرث والنسل وتأكل البلاد والاقتصاد.

وذهب قابيل البغي وضجيعته الفحشاء إلى تغيير الدستور والقانون عساه يداوي هذا الذي أصاب الحكومة من العجز والكسل والجبن والبخل والمأثم والمغرم وغلبة الدين وقهر الرجال. وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟! إنه الوهن والغثاء.

فساد الجباية، فعجز الميزانية. وانقباض الأيدي عن الاعتمار، فالبطالة. ونقص العمارة، فأزمة السكن. والابذعرار في الآفاق، فمشكلة الهجرة. واندراس العلوم، فأزمة التعليم. وكثرة الأمراض، فمعضلات الصحة.

قال قابيل هذه استراتجيتي تتمثل في أمرين.

الأول: نشر ثقافة سياسية وطنية.

الثاني: تحقيق تنمية اقتصادية.

قالها زورا وكذبا، وكذبه هذا القدر الكوني في الغثائية وتداعي الأمم.

الوهن والهوان وتداعي الأمم

ولما صارت الأمة غثاء كغثاء السيل؛ تداعت عليها الأمم بفرعون العلو، يعينه هامان البأس الشديد يتوعد بالضرب النووي، وقارون المنافع يخوف بالعقوبات الاقتصادية، ويمده سحر السحرة المسبحين بعزته في الثقافة والإعلام والفنون والتربية والتعليم.

فرعون يرجو العلو، ولا يتم له ذلك، إلا أن يجعل أهلها شيعا. فهو يقتل أبناء دول المقاومة ونساءها، ويستحيي دول الاستخذاء، حتى يدينوا له بدين الانقياد، وينتحلوا نحلته؛ نحلة الغالب.

هذا الفرعون العالمي يجسده اليوم الحلف الصهيوني الصليبي الباعورائي تقوده أمريكا وحليفتها إنجلترا.

فرعون العلو يستعين بهامان الاستضعاف، يقتل حتى السيطرة والتمكين لدين الانقياد؛ ويستعين بقارون الإتراف، يترف حتى استحكام عادته ونمط حياته وأخلاقه، وإخراج الأمة من دينها إلى نحلته.

ومن مكره أنه يفعل ذلك بيد وكلائه من بني جلدتنا؛ يثبتون الأمة في سجن أنظمتهم الشمولية الاستبدادية، سواء كانت صريحة أو مقنعة بقناع ديمقراطية صورية؛ يمكرون يقتلون ويخرجون ويثبتون، حتى أوردوا الأمة نار الهوان والإحساس بالعجز أمام الفرعون العالمي وخادمه المحلي، فما زالت دعواها إلى اليوم لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده.

هوان وإحساس بالعجز أمام العدو والخطر؛ عجز عن الفهم والتواد والتعاطف والتراحم والتوحد من أجل قومة؛ وكل في خويصته يأكل ويتمتع ويلهيه الأمل، أو يجوع ويتعذب، ثم لا يموت ولا يحيى.

لا شأن للأمة ومستقبل الأمة ووحدة الأمة، مادام الفرد في أنانية نفسه وعائلته وأصدقائه؛ قد طوقته الجبرية، فهو يخوض ويلعب، ويأكل ويتمتع، ويلهيه الأمل، ويعمه في سكرة، ويهرب من مواجهة الحقيقة المرة، حقيقة الواقع الثقيل؛ وهو بعد، في عمى وصمم عن أن تكون فتنة، أو تحل مصيبة قريبا مـن داره؛ إن يريد إلا فرارا من ميدان المقاومة والجهاد، ويشغب بقوله: إيذن لي ولا تفتني. ألا في الفتنة سقطوا. ورضوا بالحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون.

عجز وهوان، فدين انقياد للأحكام الفرعونية، وانتحال لنحلته في الفكر والخلق والعوائد. ذهنية رعوية عامة تحكم منطق الدول العربية والإسلامية؛ فتتولى المستكبر، ترجو الحماية، وتبغي عنده العزة، وتقول: “نخشى أن تصيبنا دائرة”؛ ثم هي تعطي الدنية من أجل السلام “سلام الأموات”؛ ثم “لتجدنهم أحرص الناس على حياة” أي حياة، حياة يضار فيها الاقتصاد القطري أبناء بلده، لمصلحة النخبة الحاكمة المستبدة والمؤسسات القارونية، غافل عن المصلحة العامة، وحياة السياسة فيها تابعة مملوكة، تتلهى بالأمل في سحر الانتخاب، وهي لا تملك سلطة القرار، فالقرار يصنع هناك في البيت الأبيض والبنتاكون ومجلس الأمـن.

في هذا المساق العالمي يرجى بناء الوحدة وحمل رسالة الرحمة في العدل المفقود والإحسان الضائع.

نسعى إلى الوحدة الإسلامية، لكن لا نستقيل من مسؤوليتنا تجاه الإنسانية المعذبة، فنحن أصحاب رسالة، وهي رسالة رحمة. وهي رحمة للعالمين.


[1] الراوي: أبو أمامة. المحدث: البوصيري – المصدر: إتحاف الخيرة المهرة- الصفحة أو الرقم: 8/35.

خلاصة حكم المحدث: سنده صحيح وله شاهد. \