القصة على لسان الحيوان مفهوم وتاريخ

القصة أو الحكاية Fable على لسان الحيوان، جنس أدبيٌ ذائع في آداب العالم. تُعزى فيه الأفعال والأقوال إلى الحيوانات، قناعاً يشفّ عمّا وراءه، ورمزاً يومئ إلى المرموز إليه، وتنطوي هذه الحكايات على غايات أخلاقية ودروس اجتماعية وتربوية ومضامين سياسية ناقدة… ولعلّ ارتباط هذا الفن بالحكاية أو القصّ الشعبيّ، والنشأة الأسطورية له، يكمنان وراء شيوعه لدى كثير من أمم الأرض. 1

الحكمة على ألسنة الحيوانات عند علماء المسلمين

انتثرت في كتب السلف الصالح عبارات من عيون الحكمة على ألسنة الحيوان والنبات، بل منهم من أفرد لذلك مصنفات خاصة، ومن هؤلاء العلماء الذي أوردوا حكما على ألسنة الحيوانات في كتبهم، العز بن عبد السلام وابن قيم الجوزية وغيرهما كثير، ومما قاله ابن القيم رحمه في هذا الشأن: وكثير من العقلاء يتعلّم من الحيوانات البُهْم أموراً تنفعه في معاشه وأخلاقه وصناعته وحرْبه وحزمه وصبره.) 2

لماذا السياسة والقص على لسان الحيوان

إنّ القصّ على لسان الحيوان، سبيلٌ مأمون، يسلكه حكماء السياسة لا بل نُقّادها، وأرباب الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي، وأصحاب النظرة المثالية المتسامية، فينفّسون به عمّا تجيش به صدورهم. وقد نبّه ابن المقفع من قبل على تحرّي المعاني الباطنة، والمغزى الخفي من كتابه، في أكثر من موضع، فذكر في باب غرض الكتاب أنَّ هناك أربعة أغراض، ينبغي للناظر فيه أن يعلمها، … والغَرَضُ الرَّابعُ وهو الأقصى، وذلكَ مَخْصُوصٌ بالفَيْلَسُوفِ خاصّةً. 3

الحكمة على لسان الحيوان بدل الإنسان

إنَّ الحكمة على لسان الحيوان أدعى للقبول والإقناع منها على لسان الإنسان، الذي تنطوي حكمته الإرشادية، ونصائحه الوعظية على نوع من الاستعلاء الضمني بين الناصح والمنصوح، وهو أمرٌ في حقيقته مرفوض من المتلقي لا شعورياً، وإن لم يفصح عن ذلك. 4

قصة الكلب والصياد والغزالة

أحببت أن أشير إلى نموذج من هذه الأمثلة المعبرة، والمواعظ المؤثرة، عسى أن يوافق أرضا مخصبة، فتنمو حدائق ذات بهجة، تهوي إليها الأفئدة.

والقصة عبارة عن حدث يتكرر دائما، إلا أننا لا نلقي له بالا، وهو أن أحد الصيادين أثناء صيده رمى غزالة ببندقيته فلم يصبها، فأرسل وراءها كلبه المتدرب، وأثناء جري الكلب وراء الغزالة اعتقادا منه أنه سيتمكن منها ويأتي بها إلى سيده، التفتت إليه وقالت له لما اقترب منها دون أن ترتبك أو تخاف، وبكل يقين وثبات: لا حاجة لإتعاب نفسك، فإنك لن تقبض علي مهما بذلت من جهد، فقال لها الكلب متعجبا من كلامها ويقينها ومتسائلا: وكيف لا أستطيع وأنت قريبة مني؟! فأجابته، لأنني أنا أجري لنفسي، وأنت تجري لسيدك، وبالتالي فلن أتوقف عن الجري، أما أنت فبمجرد ما يصيبك التعب ترجع إلى سيدك معتذرا.

أضواء على القصة

الصياد يمثل الأنظمة الحاكمة التي تعتقد أن القوة كلها بيدها، وحتى إن لم تصب الطريدة بقوتها وعتادها، فإن الكلب المدرب سيكمل المشوار، وسيحقق المراد، والكلب يمثل بطانة السوء الملتفة حول أنظمة الجور من علماء السوء وأحزاب مخزنية وهيآت ومؤسسات تدور في فلك الظلم والجور والفساد، كما يرمز الكلب كذلك إلى تلك الفئة المُجوعة والمغرر بها من الشعب المستضعف والتي تغرى بفتات حكام الجور، وببعض الدريهمات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، والتي تختلف أسماؤها من دولة لأخرى، ويتفق فعلها، ففي مصر يطلق عليها “البلطجية”، وفي سوريا “الشبيحة”، وفي ليبيا ” المرتزقة”، وفي المغرب “الشماكرية”… أما الغزالة المستهدفة من أنظمة الحكم الجائرة فهي ذلك الشعب الثائر والمطالب بحقوقه بكل الوسائل المشروعة والمتاحة، والهارب من جور الجائرين وظلم الظالمين، والرافض للخضوع للحكام الظلمة، ولعطاءاتهم ومنحهم، والمستعصي على التدجين، كما فُعل بالكلب، والذي لن يكل ولن يمل، ولن يتعب حتى يحقق مراده. وينجو بنفسه. من كيد الكائدين، ومكر الماكرين، وحركة 20 فبراير بالمغرب تجسد بوضوح هذا النموذج الأبي، قال تعالى:

وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ{46} فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ{47} (سورة إبراهيم الآيتان 46 و47).

وتبقى رموز القصة غير مقتصرة على ما ذكرنا بل يترك لمهارة الاستنباط المجال فسيحا لاستخلاص عبر أخرى لم نذكرها.

السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه

يقول الإمام علي كرم الله وجهه: القليل من الحق يغلب الكثير من الباطل، كما أن القليل من النار يحرق الكثير من الحطب) هذه حقيقة كونية لا يختلف عليها اثنان، فأنظمة الحكم الجائر بعُجرها وبُجرها كلها باطل في باطل، ومثلها مثل الحطب الكثير، والشعوب المستضعفة والمستيقظة من سباتها هي صاحبة الحق، وهي التي تمثل تلك الشرارة من النار التي ستحرق الباطل رغم انتفاخه وانتفاشه.

فإذا كان الكلب، رغم اتصافه بالوفاء والمثابرة على الفعل حتى يحققه، عاجزا أمام الغزالة لأنه يجري لسيده، فنقول لكل الحكام: اعلموا أن الأنظمة الجائرة مهما جندت من جند، وأعدت من عدة، وحشدت من حشود بشرية سواء من علماء السوء أو أحزاب أو فئات مغرر بها، فإنها ستتخلى عنها لانعدام الوفاء عندها أولا، ولكونها تجري لسيدها ثانيا، فما على الحكام إلا أن يراجعوا أنفسهم، وأن يكونوا واقعيين، وأن لا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، فالكيس والسعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه، فاسعوا جهدكم يا حكام الجور لتكونوا سعداء، فالباب ما زال مفتوحا أمامكم والفرصة لا تزال سانحة، وإلا فستكونون من الأشقياء الذين سيتعظ بهم كما اتعظ. بغيركم. قال تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (سورة القمر الآية 45).


[1] القصة على لسان الحيوان (كتاب النَّمِر والثعلب) لسهل بن هارون نموذجا – لقحطان صالح الفلاح كاتب من سورية.‏مجلة التراث العربي – مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب – دمشق العدد 86-87 ربيع الآخر 1423 هـ آب (أغسطس) 2002 السنة الثانية والعشرون.\
[2] شفاء العليل للإمام ابن القيم، ج3، ص 74.\
[3] ابن المقفع، عبد الله: كليلة ودمنة، بعناية محمد حسن نائل المرصفي، دار المسيرة، ط4، بيروت، 1981م.‏\
[4] النجار، محمد رجب: حكايات الحيوان في التراث العربي، ص 211.‏\