لفصل الصيف خصوصيات تميزه عن سائر الفصول مما يتيح المجال لممارسة أنشطة لايمكن أن تتأتى في غيره من فصول السنة، ولعل مما يميز فصل الصيف هذه الأمور:

– ميول الجسد إلى الدعة والراحة بسبب الإرهاق وحرارة الجو.

– هو وقت العطلة السنوية سواء الدراسية أو العملية.

– هو وقت الأسفار والتجمعات العائلية.

– تكثر فيه مظاهر الانفلات والتسيب لأن العديد من الناس يفهم العطلة تحررا من كل أشكال النظام.

– تكثر فيه بعض الأمراض ويتغير فيه نظام الأكل والنوم…

– يبيح فيه البعض لنفسه فعل أشياء يتحرج عن فعلها في باقي أيام السنة.

– يكون أحيانا هذا الفصل مناسبة للإدمان على أشياء يصعب التخلي عنها في غيره (السهر، لعب الورق، قتل الوقت…)

ولذلك لزم الانتباه إلى هذه الأمور والعمل على اغتنام هذا الفصل فيما يجدي ويعود على الإنسان في حياته كلها، عاجلها وآجلها، بالنفع في الدنيا والآخرة. فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ” 1 وقالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ كذلك: “لا تزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عنْ أربع ٍ عنْ عُمُرِهِ فيما أفناهُ وعنْ جسدِه فيما أبْلاهُ وعنْ مالهِ مِنْ أيْنَ أخذهُ وفيما أنْفَقَهُ وعنْ عِلمِهِ ماذا عَمِلَ بهِ”.

يهدف هذا المقال وغيره إلى تبصير المؤمن بطرق الاستفادة من هذا الفصل، ومنطلق ذلك استثمار إيجابياته وتجنب سلبياته ومزالقه، وبنوع من التوازن بين المجال الصحي والترفيهي والثقافي والإيماني.

الصيف ضيّعت اللبن

الصيف ضيعت اللبن) مَثَلٌ عربي شهير يضرب لمن ضيّع الفرصة، وفوّت الغنيمة، وترك المجال الرحب الواسع، ولم يكن له من ذكاء عقله ومن شرف نفسه ومن قوة عمله ما يجعله محصلا لمكاسب دنياه ومدخرا لمآثر أخراه .

مثلٌ يضرب بامرأة يقال لها: دختنوس بنت لقيط بن زرارة تزوجت رجلاً شهماً كريماً يدعى عمرو بن عمرو بن عداس، وكان شيخاً كبيراً، يغدق عليها طعاماً وشراباً ولبناً سائغاً للشاربين مع حسن معاملة وإجلال وإكرام، لكنها لم تقابل ذلك باعترافها بالنعمة وشكرها لها وانتفاعها منها، وحرصها عليها وقابلت ذلك بإعراض وتضييع، وبجحود وإنكار، فكانت العاقبة أن طلّقها ثم تزوجها غيره، ولكنه كان فقيرا، فلم تجد عنده يداً مبسوطة بالكرم، ولا وجهاً مشرقاً بالسرور، ولا معاملة محفوفة بالإعزاز والإكرام، فندمت وتحسّرت على ما فات عليها وما ضاع منها، لكنها لم تنح باللائمة على غيرها، وإنما خاطبت نفسها تذكّرها تفريطها، وتبيّن لها سوء تدبيرها، فقالت “الصيف ضيعت اللبن”، ومضى مثلاً لكل من أضاع الفرصة وفرط في الغنيمة. فاضطرت أن تبعث ذات ليلة إلى عمرو بن عدس، تطلب منه بعض اللبن، يسكتان به جوعهما فرد على من أرسلته: قل لها “الصيف ضيعت اللبن”.

وها نحن نبدأ موسم الصيف، وما أدراك ما موسم الصيف! ملايين الملايين من الأوقات التي تحسب في خانة الفراغات، والتي تصنف فيما يعرف بالعطلة، وهي: اسم في لفظه ومعناه، واشتقاقه اللغوي مأخوذ من العطالة والعطل، وهو الخلو من الزينة في أصل اللغة، وهو هنا خلو عن العمل الجاد والانتفاع المثمر)، والاستثمار الهادف للطاقات المختلفة المتنوعة كلها من وقت ممتد، وعقل مفكر، وقوة وصحة وعافية وفرص وأبواب من الخير مشرّعة، ثم قد ينتهي الزمان وينقضي الصيف بأيامه وأسابيعه وأشهره وسعته التي ليس فيها كثير من العمل المطلوب المكلف به، وحينئذ تعود مرة أخرى التسويفات.. إذا جاء الصيف سأفعل، وإذا كانت الإجازة سأنجز، وإذا تخليت عن بعض الأعباء والمهمات سأفرغ لغيرها، ويمضي الإنسان بذلك دون أن يدرك أن ما يضيعه إنما هو جزء حقيقي مهم من عمره وحياته، وأنه يبدد من رصيده، ويفني من كنوزه ما قد يكون أقل القليل منه موضع ندامة وحسرة شديدة وأكيدة وعظيمة في وقت لا ينفع فيه الندم.

اغتنام الفراغ في الّإسلام

ولعلنا نذكر أمرين مهمين قبل حديثنا عن الصيف الأمر الأول: الفراغ في الإسلام فرصة للعمل، ويخطئ من يظن غير ذلك، ويعتقد أن الفراغ فرصة للنوم والكسل، ولعلنا نكتفي بالآية التي نتلوها كثيرا ونسمعها في صلواتنا كثيراً: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ وقبل ذكر ما ذكره المفسرون من الصحابة والتابعين وغيرهم ندرك جميعا بمعرفتنا للغة العرب المعنى العام: إذا فرغت وانتهيت وصارت عندك فسحة من الوقت وشيء من الراحة فأي شيء تصنع؟ فانصب، والنصب هو التعب والمقصود به الجد والعمل الذي يجدد مرة أخرى الإنجاز ويحقق الخير بإذنه سبحانه وتعالى.

لنستمع -أيها الأخوة- إلى القلوب المؤمنة والأفهام المسلمة والنفوس الحية والهمم العالية كيف فسرت؟ وكيف فقهت هذه الآيات من كتاب الله سبحانه وتعالى ..

عن ابن مسعود رضي الله عنه: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل).

وعن ابن عباس رضي الله عنه: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء).

وأما الحسن وزيد بن أسلم فروي عنهما قولهما: إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب إلى عبادة ربك).

وعن مجاهد إمام التابعين من المفسرين: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل آخرتك).

وعن الجنيد: إذا فرغت من أمر الخلق فانصب في عبادة الحق).

رضي الله عن الصحابة أجمعين ورحم جميع الأولياء الصالحين وألحقنا بهم محسنين.

ليس في مجموع هذه الأقوال معنى يقول: إذا فرغت فنم؟ أو العب؟ إذا فرغت فضيع الأوقات وانحر الساعات؟.

هذا فقه الإيمان، وهذه دلالة القرآن، وهذه نفوس أسلافنا وأفكارهم وعقولهم وهكذا ينبغي أن نفقه الأسس السليمة لا أن نسمح للمفاهيم المغلوطة أن تروج، فمع آخر يوم من انتهاء الاختبارات تسمع الطلبة والطالبات وهم يتوعدون بالنوم الطويل واللعب الكثير والسهر واللهو والغفلة، ويرون ذلك هو الميدان الصحيح، وهو العمل المطلوب ليس في يوم أو يومين! بل في أشهر معدودات متواليات، وليس هم الذين يقولون ذلك بل أسرهم وآباؤهم وأمهاتهم يوافقونهم في مثل هذا في الجملة، فهم يرون ألا يكلموهم وأن لا يوقظوهم من نومهم وسباتهم، وأن لا يثربوا عليهم في لهوهم وفراغهم وغير ذلك، بل ليس هؤلاء فحسب بل المجتمع في مجمله كأنما يقول لهم ذلك، وكأنما يؤكد لهم أن الرسالة المطلوبة هي مثل هذا اللغو واللهو والفراغ غير المجدي.

الأمر الثاني هو استشعار المسؤولية في كل وقت وحين، ليست هناك مسؤولية في زمان دون زمان .. ولن يكون الحساب يوم القيامة على أيام الدراسة والعمل والقلم ومرفوعا عن أيام الإجازة أو العطل. ومن يتوهم هذا؛ فإنه لاشك على خطر عظيم، والمسؤولية كذلك لا ترتفع عن مكان دون مكان ليست هي في مكة المكرمة أو المدينة، فإذا كان في غيرها أو في خارج هذه البلاد أصبح الأمر آخر، وأصبح التصرف مختلفاً وأصبح القول غير القول. قال الله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً.

ليست هناك حدود في الزمان أو المكان تخرج عن دائرة هذه المسؤولية: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ “قول” منكرة ومنونةٌ؛ تدل على العموم في سائر الأوقات وفي سائر الأحوال، في العمل والإجازة.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- في حديثه المشهور يقول: “اغتنم خمسا قبل خمس” ومعظمها متعلق بالزمان والوقت: “حياتك قبل موتك .. شبابك قبل هرمك .. فراغك قبل شغلك .. صحتك قبل سقمك”.

أبواب الخير الكثيرة الخيرة مشرّعة، وليس أمام المرء إلا اغتنامها، ومنها:

أولا: في ميدان القرآن الكريم: قراءة وحفظا ودراسة وتفسيرا وتدبرا. وليس هناك أفضل من الصيف لذلك.

ثانيا: القراءة: الأفضل اغتنام الوقت في المطالعة في كل ما يفيد سواء علوما شرعية أو ثقافة عامة.

ثالثا: ميدان الترفيه: فاللهو والترفيه حاجة فطرية جبلت النفس البشرية على طلبها. ومن سعة رحمة الله بنا أن جعل اللهو المباح عبادة يؤجر المرء عليها إن قصدنا به وجه الله عز وجل. قال الله عز وجل قُلْ إِنَّ صَلاَتِي ونسكي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الذين يبارك لهم في الأوقات والأعمال والنيات.


[1] رواه البخاري.\