“هنا الرباط” عبارة كنت ألتقطها من المذياع في إشارة إلى المحطة الإذاعية بدار البريهي خلال سبعينيات القرن الماضي، وكنت أستوعب منها وأنا البدوي ـ وما أزال ـ أنها اسم للإذاعة الوطنية يميزها عن محطات إذاعية أخرى كمحطة إذاعة لندن ـ قياس الخيرـ التي كانت ذبذبات صوت “بيغ بَانِها” يجلجل في بيتنا القروي.

وتدحرجت بي الأعوام والعقود لأكتشف أن فهمي ذاك كان قاصرا، فالأمر أكبر من اسم لمحطة إذاعية، بل هو عنوان لنظام سياسي يحتكر القرار السياسي والثروة معا، مثلما يحتكر المعلومة. أدركت ـ ربما متأخرا ـ أن “هنا الرباطّ” تعني مما تعني ـ في إطار النسبية ـ أن لا معلومة إلا ما صدر من الرباط، وأن لا قرار إلا قرار الرباط، وأن لا مبادرة إلا من الرباط، وكل معلومة صغيرة كانت أو كبيرة إذا لم يزكها الرباط فلا أساس لها، حتى عدد القتلى في حادثة سير عابرة، بله ضحايا زلزال أو فيضان هو ما صرح به الرباط: إذاعة أو تلفازا أو حكومة في شخص ناطقها الرسمي. ليس من حق حادثة سير مثلا أن “تلتهم” عددا من القتلى أكثر مما تسمح به الرباط، لأن ذلك سيؤثر على سمعة المغرب السياحية ويوحي أن الشبكة الطرقية أو أسطول حافلات السياحة لا يستجيب لمعايير الجودة الدولية؛ وإذا حدث أن قُتل أجانب كما حدث قبل سنوات ستضطر الرباط لفرض مدونة سير جديدة لاسترجاع ثقة السياح الأجانب.

“هنا الرباط” عنوان لنظام شمولي يحتكر كل شيء في هذا البلد، ويُرِي الشعبَ ما يرى “رحمةَ” به وضمانا لمصالحه العليا؛ نظام يقوم أساسا على الاستخفاف بعقول المغاربة وإهانة ذكائهم ويشككهم فيما يرونه بأم أعينهم، كما حدث في الاستحقاق الدستوري. فالجميع إلا الرباط/النظام ومؤسساته ـ وليس المقصود طبعا ساكنة الرباط ـ رأى بما لا يدع مجالا للشك أن الشعب بمختلف فئاته قاطع مسرحية المخزن الرديئة نصا وتشخيصا وإخراجا وتسويقا، وأن نسب المشاركة ـ رغم تدخل أعوان السلطة ـ لم تتجاوز في أحسن الأحوال 20% كما أكدت ذلك تقارير الجمعيات الحقوقية المستقلة، ومع ذلك ودون حياء يخرج علينا الرباط بنسبة مشاركة تفوق 70%، ويتمادى في غيه الإعلامي ليعلن فيما يشبه اليقين ـ نقلا هذه المرة عن المجلس الدستوري ـ عدد المصوتين بنعم لفائدة الدستور بالنقطة والفاصلة كما يقال.

وبعد الاستفتاء يلاحظ المتتبع للشأن الإعلامي كيف تتعامل الرباط في شخص وكالة المغرب العربي للأنباء مع الحركتين الاحتجاجية الرافضة للدستور والمباركة المؤيدة للدستور بمعيار مزدوج، علما أن هذه الهيئة حديثة عهد برئيس جديد سُوق في تعيينه أنه كفاءة إعلامية مشهود لها بالمهنية والتجرد، لكن الوكالة ظلت ـ وبمنطق ما أريكم إلا ما أرى ـ تعاني من الحَوَل ـ خلل في حاسة البصر يجعل صاحبه يرى الأمور من زاوية 33درجة وبالتالي يرى الأمور على غير حقيقتها ـ فلا ترى إلا المسيرات المؤيدة للدستور، ولأنها تراها بعين الرضا تبدو لها الأعداد مضروبة في 100، أما مسيرات الحراك الشعبي التي تعج بها الشوارع والساحات فلا تلتقطها عينها الحولاء، وإن أُكرهت لتراها تراءت لها أعدادها مقسومة على 100.

فهل يعقل أن يستقيم حال رباط/نظام يُجهد نفسه ليخفي الشمس الساطعة بغربال؟ وهل بمثل هذا المنطق نؤسس للدمقرطة؟ ثم ما مصداقية رباط يعلن مثلا أن في مدينة جبلية نائية كأزيلال تظاهر أكثر من 12000 مواطن تأييدا للإصلاح الدستوري، وأهل أزيلال بما فيهم المشاركون المُكرَهون على التظاهر يكادون يعرفون المتظاهرين بأسمائهم وليس بعددهم؟ وهل بارت سياسة المخزن وفقد تأثيره في الشعب ليحشد بسطاء الناس من العوام والذراري باسم سهرة فنية ثم يعتبر الحاضرين للسهرة متظاهرين مؤيدين للدستور؟ نخشى أن يعلن الرباط في الأسابيع القادمة تحت ضغط الزخم الشعبي الرافض للدستور المُطالب بإصلاح حقيقي عن عدد للمتظاهرين يفوق سكان مدينة معينة شيوخا وشيبة رجالا ونساءً. قد يحدث وهذا ليس غريبا في بلد يصوت فيه الأموات ونزلاء مشافي الأمراض العقلية تعبيرا عن أسمى معاني الولاء للوطن.

يا قومُ، استفيقوا من سباتكم، وكفوا عن هذيانكم، إننا في عصر الطرق السيارة للمعلومات، حيث يتم تبادل الأخبار معززة بالصوت والصورة، ولم يعد هناك مجال لتغليط الرأي العام المحلي أو الوطني أو العالمي؛ ولعل ادعاء أحد البلاطجة بالدار البيضاء أنه اعتدي عليه بسيف من طرف أحد أعضاء جماعة العدل والإحسان كذبه الفيديو الذي وثق لطيش المدعي، فما كان من الرباط إلا أن طوى الملف وسحبه من وسائل الإعلام الالكترونية تجنبا لفضيحة مخزنية مخجلة.

إن من أهم حقوق الإنسان حقه في الإعلام النزيه، ليعرف حقيقة ما يجري في بلده، أو ما يرتبط ببلده، ولنا في الدول العريقة ديمقراطيا خير مثال. ألم يساهم تغليط الرأي العام البريطاني في أسباب غزو العراق في الانتحار السياسي لطوني بلير؟ أليس مستقبل رئيس الحكومة البريطاني الحالي “كامرون” على كف عفريت بسبب فضيحة إعلامية؟ فإلى متى تظل حقوق الإنسان المغربي مهضومة، ومنها حقه في معلومة صحيحة؟ كيف يستقيم الحديث عن بناء الثقة بين الحكام وبين الشعب إذا كانت العلاقة من طرف الرباط قائمة على التدليس والتغليط؟

وإلى أن يتعافى بصر رباطنا من الحَوَل، ويُشفى من الداء الفرعوني ـ ما أريكم إلا ما أرى ـ لا يملك الشعب إلا أن يغير الموجة بعيدا عن الرباط ولو اضطُر لالتقاط محطة إذاعية في جزيرة “الواق الواق” ليعرف حقيقة ما يجري في شوارع الرباط وساحة البريد التي هي أقرب إلى دار البريهي من حبل الوريد.