3.2ـ أية قوة لدى النقابات العمالية؟

تتجلى قوة النقابات عموما في تميز سقف مطالبها المنطلقة من تقييم علمي للوضع الاجتماعي بناء على ثمرات النمو الاقتصادي وعلى قاعدة السلم المتحرك. كما تتجلى في مصداقية أطرها وقياداتها الوطنية والمحلية، ونزاهة بناء مؤسساتها، وأيضا في عدد منخرطيها وفي قدرتها على تعبئة مناضليها والمتعاطفين وعامة الجماهير على دعم المحطات النضالية الحقيقية التي يتم اللجوء إليها اضطرارا من أجل إجبار الطرف المقابل على التفاوض وقد توفرت أفضل شروط الاستجابة.

ولعل أكبر مؤشر للقوة النقابية يتجلى في مدى استقلاليتها المالية والتنظيمية مما يجعلها تتخذ قراراتها بمنأى عن كل التأثيرات الخارجية. ويضاف إلى هذا كله قدرة النقابة على تدبير الحوار الاجتماعي.

لن نعود إلى تفصيل التراجعات التي عرفـها الــعمل الــنقـابي بالمغرب، ولكن نقف عند معطيين اثنين لهما ارتباط بنتائج ومجريات الحوار الاجتماعي لسنة 2011.

3-2-1ـ التفكك النقابي.. تضييع لحقوق المحرومين

إذا كانت منظمة العمل الدولية تشترط لنجاح الحوار الاجتماعي منظمات نقابية عمالية قوية، فإن ادعاء جلب الاستثمار الأجنبي ودعم سياسة الخوصصة والرأسمال الاحتكاري الداخلي بالمغرب يشترط العكس، أي عدم وجود عمل نقابي أو أن يكون ضعيفا في حالة وجوده.

منذ 1978 كانت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل هي أقوى مركزية نقابية بالمغرب، خصوصا بعد نكسة الاتحاد المغربي للشغل التي طال أمدها، إلى أن استدرجت الكونفدرالية، في ظروف جنحت فيها الأحزاب نحو توافقات سياسية مع المخزن، إلى الدخول في سلم اجتماعي بعد التوقيع على تصريح فاتح غشت 1996. وبعد ذلك، وحتى يؤمن “شرها” أكثر، عملت قوى الظلام على شقها ابتداء من سنة 2001 مرورا على 2002 و2003. فتعددت الرؤوس النقابية وسادت الفرقة، حتى أصبحت أضعف حكومة، جاءت على إثر انتخابات 2007 التي عرفت أكبر مقاطعة شعبية، تصول وتجول وتأخذ القرارات الاجتماعية بشكل انفرادي وتغامر بمستقبل المغرب والمغاربة بالرجوع إلى مكاتب الخبرة الأجنبية في القطاعات الحيوية! في حين تبقى نقابات الفرقة، وفي أحسن الأحوال حينما جمعتها مائدة المعتصم، تطالب فقط بتمثيلها في المجالس الإدارية لبعض المؤسسات العمومية ذات الصلة بعالم الشغل) (محضر 26 أبريل 2011)، يعلم الشعب المغربي أنها مجالس لا قرار لها!

النقابة القوية حصن للطبقة الشغيلة وللفقراء والمهمشين اجتماعيا، إذ لا ينتزع الحق إلا قوي. ومن هنا فهي ملك عام، به يضمن المجتمع استقراره وبه يحمي نفسه من بطش المستغلين وناهبي الثروات وسارقي مستقبل البلد.

لذا فمن حق الشعب المغربي، عاجلا أم آجلا، أن يعيد فتح الملفات القديمة الجديدة التي أدت إلى تدهور وضعه الاجتماعي. وهذه المرة ليس في صفوف الأيادي المخزنية فقط، ولكن أيضا في شخص من أضعف له نقاباته من الداخل سواء في صفوف من انشقوا أو من بقوا:

ـ لابد أن يفتح الشعب ملف الاتحاد المغربي للشغل عندما انحرف عن الخط التحرري في الستينيات!

ـ لابد أن يفتح ملف تغييب الرموز النقابية!

ـ لا بد أن يفتح ملف شق الكونفدرالية الديمقراطية للشغل خصوصا ذلك الذي استقبلت به القرن الجديد!

طالع أيضا  الحوار الاجتماعي بالمغرب لسنة 2011 على ضوء معايير منظمة العمل الدولية 2/1

ـ لابد أن يفتح ملف الفرقة والتمزيق النقابي!

ـ لابد أن يفتح ملف تضييع حقه الاجتماعي، وفك ألغاز تفقيره لعقود!

وإذا كان كلام العقلاء منزها عن العبث، فإننا واستباقا لكل ما لا تحمد عقباه، نقترح تأسيس هيئة تضم مجموعة من أهل الفضل والسابقة في الميدان الاجتماعي، تعمل على تنظيم لقاءات تشاورية، بعد تذويب جليد الفرقة والتنافر والخلاف بين المركزيات النقابية الفاعلة في الميدان، تتبعها لقاءات قطاعية، وذلك من أجل وضع أرضية اجتماعية شاملة مشتركة يلتقي عليها الجميع، ويدافع عنها الجميع بقوة الاتحاد والتضامن وبدعم من الفقراء والمحرومين والمهمشين والموظفين والوطنيين من أرباب العمل. ستكون هذه الخطوة إن تمت، أحسن هدية تقدمها المركزيات النقابية إلى الطبقة العاملة وإلى الشعب المغربي قاطبة.

3-2-2ـ الحوار الاجتماعي 2011: ضياع بوصلة السياق والدلالات

لقد اتضح أن المركزيات النقابية، نتيجة ضعفها، استدعيت كإطفائي إلى المدعو حوارا اجتماعيا على إثر صفارة المعتصم التي أعطت انطلاقته. وأنها لم تعد تحسن توظيف مبدأ الأخذ بالسياق، ولا مبدأ إعطاء الاعتبار للظرفية الاجتماعية الداخلية والظروف الإقليمية، كما عودتنا في بياناتها وبلاغاتها.

ما بعد 20 فبراير 2011، لم يعد مطلوبا من المركزيات النقابية أن تكون لها القدرة على جس نبض الفئات الصامتة المحرومة، وهي أغلبية الشعب المغربي، وتصوغ من خلالها ملفات مطلبية، فهذا زمن قد ولى. ولكن فقط الإنصات إلى الأصوات المبحوحة بالتنديد بنهب المال العام، وبالفساد والمفسدين، ومغتصبي إرادة الشباب مسودي مستقبله. الإنصات إلى الأصوات المطالبة بالكشف عن مصير الثروات المغربية المستخرجة من البحر ومن باطن الأرض ومن فوق الأرض. الأصوات المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية. الإنصات إلى إرادة الشعب في إسقاط الاستبداد…

إذا لم تكن للمركزيات النقابية الأذن الصاغية لفئات الوظيفة العمومية التي احتجت حتى سالت دماؤها، وكسرت عظامها في الرباط العاصمة، حيث لم يكن لهم من عاصم من شر هراواتها إلا الحسبلة والتفويض!

إذا لم يكن لها عين بصيرة بما يتعرض له عمال القطاع الخاص من تضييق وطرد وتشريد!

إذا لم تكن تتألم لأنين المحرومين والمهمشين!

فمن تمثل؟ ولمصلحة من تفاوض؟ وبالتالي على أية خلفية ترتكز؟ بل وعلى أي دعم؟

3.3ـ نقابة أرباب العمل

يعمل أرباب العمل برأس واحد ممثل في الاتحاد العام لمقاولات المغرب، وذلك على عكس نقابات العمال. تتداول على رئاستها مجموعة من الأسماء بعد كل ولايتين.

لم يعد أرباب العمل في عمومهم يعرفون ب”بوشكارة” ولا مقاولاتهم عبارة عن شركات عائلية، بل تأثروا في حياتهم العملية بعلوم التجارة وعلوم المقاولة التي أصبحت ذائعة الصيت عالميا. وهكذا أصبحوا يعملون في إطار مؤسسات وعبر لجان وظيفية متخصصة ترشد القرارات وتقوم بالدراسات، ويعقدون أشكالا متطورة لتبادل الآراء والتواصل، من عروض وندوات ومناظرات ومؤتمرات وطنية ودولية.

تنعكس هذه الحركية الواعية إيجابا على المقاولات، حسب وزن كل منها، تبعا للخطط التي يضعها أصحابها الذين يعملون على حماية أنفسهم من عواقب التحولات الاقتصادية والمالية بل وحتى الاجتماعية التي يعرفها المغرب حاليا. فهم الذين استطاعوا انتزاع منح الدولة لتأهيل المقاولة، وأيضا من أجل دعم التنافسية وما يسمونه خلق مناصب شغل، والحماية من آثار الأزمة المالية العالمية وغيرها، بل سبق لهم أن انتزعوا مدونة شغل على مقاسهم، وبموافقة المركزيات العمالية.

طالع أيضا  الحوار الاجتماعي بالمغرب لسنة 2011 على ضوء معايير منظمة العمل الدولية 2/1

إضافة إلى ذلك فقد نوع الاتحاد العام لمقاولات المغرب تدخلاته، فنجد خطاباته قد غطت فيما يتعلق بتحليل الوضع ثم الاقتراحات التي لا تترك فرصة تمر، وطبعا انطلاقا من مصالح المقاولة، غطت المجالات الوطنية الحساسة التي غادرتها المركزيات العمالية.

فبعد إصداره للكتاب الأبيض والذي ضمنه نظرة الاتحاد لأسس ترقية المقاولات والاقتصاد الوطني عبر مقترحات اعتبرها “واقعية وملموسة ترمي إلى الإسهام في بناء اقتصاد فعال وقوي ومتين” كما جاء على لسان العلمي رئيسه السابق. (المغربية، 17.01.2009).

ليس الغرض عندنا في هذا المقال هو الحكم على مضامين الكتاب الأبيض أو تحليلها، وإنما موضوعه في حد ذاته: الاقتصاد الوطني والسياسات المرتبطة به. هذا الموضوع هو ما غيب عند المركزيات العمالية، ولم يعد يوظف كوسيلة لتعبئة الجماهير من أجل رفض السياسات الاقتصادية التي تنهجها الآلة المخزنية.

أما على مستوى السياسات الاجتماعية، فإن الاتحاد العام لمقاولات المغرب اتخذ أساليب نذكر منها: الأسلوب الاستباقي والواقعي والهجومي.

ففي تفاعله مع التغيرات التي طرأت على الساحة العربية وإرهاصات 20 فبراير، صرح جمال بلحرش رئيس لجنة الشغل والعلاقات الاجتماعية للاتحاد عن صياغة 20 تدبيرا، ستشكل أساسا لبناء حوار ونقاش مستفيض للرفع من فرص التشغيل بالمغرب (المغربية 2 فبراير 2011)، كما أشار في نفس التصريح على أن الاتحاد يعمل على بلورة ميثاق وطني للتشغيل. هذه الخطوات الاستباقية تجلت أيضا في الإعلان المبكر عن تنظيم المناظرة الأولى للمسؤولية الاجتماعية للمقاولات المزمع عقدها في 10 ماي 2011، مع دعوته للشركاء الاجتماعيين، والمقصود منها حسب الاتحاد، هو التعريف بهذا المفهوم لدى المقاولات المغربية.

ما يعنينا في هذا المقال هو السبق الذي حققه اتحاد المقاولات، مقارنة مع تأخر الدولة نفسها التي لم تتحرك رسميا إلا بعد انطلاق تظاهرات 20 فبراير بعدما كانت تتغنى هي وبلطجيتها المثقفة بكون المغرب يمثل “استثناء” بالنسبة لباقي الدول العربية!

أما عن واقعية الاتحاد العام لمقاولات المغرب فكانت واضحة حين صرح جمال بلحرش لجريدة (la tribune) بأنه يجب التأكيد على أن الأحداث الإقليمية والوطنية كان لها الأثر البليغ على طريقة لقاءات الحوار الاجتماعي وعلى سرعة اتخاذ القرارات… وأكد لقد عرفنا أحداثا كبيرة منذ 20 فبراير…

هذه الواقعية لم نجد لها أثرا لا في خطاب المعتصم ولا في خطاب الحكومة، ولا عند المركزيات التي اعتبرت نتائج الحوار الاجتماعي تتويجا لنضالاتها! وكذلك الإعلام الرسمي الذي حاول أن يخرج خطاب 9 مارس عن سياقه الحقيقي، ويجعله نتيجة طبيعية لتقديم مشروع الجهوية الموسعة!

وفي إطار هجوم الاتحاد العام لمقاولات المغرب على شريكيه الاجتماعيين، أكد بلحرش لنفس الجريدة أن المغاربة لهم مداخيل منخفضة بشكل غير طبيعي، مقارنة مع النمو الذي عرفه المغرب وبالمقارنة أيضا مع ارتفاع الأسعار. كما دعاهم إلى اقتراح أو بناء نموذج اجتماعي (modèle social) وبالخصوص في الظروف الحالية مشترطا توخي المساواة.

طالع أيضا  الحوار الاجتماعي بالمغرب لسنة 2011 على ضوء معايير منظمة العمل الدولية 2/1

وقد سبق له أن أوضح أن عدد الأجراء يبلغ 11 مليونا، في حين نجد أن فقط مليونا هم المسجلون في نظام الضمان الاجتماعي، وهذا يبقى غير مقبول، ويتعين على السلطات المعنية مراقبة هذه الوضعية). (المغربية 2 فبراير).

هذه التوضيحات بلغة الإحصاء وتحميل المسؤولية لمن يتحملها، هي من صلب الخطاب النقابي، خصوصا وأن 10 ملايين أجير غير مسجلين في نظام الضمان الاجتماعي إنها كارثة مسكوت عنها من طرف النقابات. ولكن لما تعدى فعل السكوت إلى السلطات فإنها أصبحت مؤامرة!. ربما حتى لا يعاد طرح السؤال المحرج كلما كان هناك خلل: أين ذهبت أموال صندوق الضمان الاجتماعي؟

ثم ماذا عن النموذج الاجتماعي، هل يليق بالمركزيات أن تسمعه من مقاولات يؤطرها تفكير معولم إلا من رحم ربك من أصحابها؟ أليس النموذج الاجتماعي، أو السياسة الاجتماعية بمفهومها الواسع المنحاز كليا إلى الشعب هي ما كان على المركزيات النقابية بلورتها وفتح نقاش جماهيري حولها، ووضعها بعد ذلك على طاولة المفاوضات ومن وراءها حشود المدافعين؟

خلاصة

الحوار الاجتماعي بالمغرب لا تتوفر له الشروط المنصوص عليها دوليا. فالحكومة ليس لها إرادة سياسية صريحة لقيام حوار اجتماعي حقيقي، وإنما تبقى رهن إشارة شرطي المرور، والآمر بالصرف في كل النوازل والأمور. حكومة لا تحكم ولا تضع سياساتها وإنما تنتظر التعليمات لتقف على الأعتاب تحرق البخور.

أما قوة النقابات العمالية فقد أنهكها التفكك والتفريخ التنظيمي دون أن يأتي المولود الجديد بقيمة إضافية اجتماعيا. وأصبحت قوتها تستمد من الولاء للحكم وليس من الارتباط بالقواعد، فإذا ضغط الشارع الاجتماعي “واحمرت عيناه” ينادى على الحكومة وعلى النقابات ليعطى للشارع من يد الحكومة على يد النقابات دون التفريط في “قهوة” هذه الأخيرة.

وفيما يتعلق بالطرف الثالث وهو نقابة أرباب العمل فتبقى أقرب ما تكون إلى مدافع على عولمة بدون بعد اجتماعي، خصوصا وأن المركزيات النقابية وافقت على مدونة شغل مغربية تتربع على عرشها سماحة السيدة المرونة بمفهومها الواسع عند أصحاب العمل.

من جهة أخرى، فإن طاولة الحوار الاجتماعي بين الحكومة والنقابات تقتصر دائما على ما يسمى “مطالب الطبقة الشغيلة المستعجلة”، دون أن يرقى الحوار ليشمل السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والتشغيل، ومحاربة الفقر والتهميش والأمية، بحثا عن السبيل إلى العدالة الاجتماعية.

وأخيرا، نسأل طاولة الحوار الاجتماعي بالمغرب، لماذا لا تدرج في جدول أعمالها مجرد الحديث عن العمل اللائق خصوصا وأنه يشكل محور التقاء الأهداف الاستراتيجية الأربعة لمنظمة العمل الدولية!

هوامش

(العزاوي، مارس، 2008): مساءلة العمل النقابي بالمغرب على ضوء إضراب 13 فبراير 2008:

http://www.aljamaa.net/ar/document/8259.shtml

(العزاوي، ماي، 2008): المرونة… أو صاحبة السيادة في عالم الشغل، 2008:

http://www.aljamaa.net/ar/document/8558.shtml

(العزاوي، منار الهدى، 2009): العمل النقابي بين تسارع التحولات وتباطؤ الأفعال، مجلة منار الهدى، عدد 13، 2009.

(العزاوي،أبريل،2010): الحوار الاجتماعي بالمغرب سنة 2009 بين الهجوم الحكومي والدفاع النقابي المفقود،2010:

http://www.aljamaa.net/ar/document/34452.shtml