إن الناس بفِطَرِهم منقادون إلى الدين في مجمله، وإن اختلفوا في الاجتناب والامتثال؛ لاختلاف إراداتهم.

ولقد كانت أنظمة الحكم تستخدم “الخطاب الديني” ورجاله لتقوية مواقفها اتجاه شعوبها، رفعا للحرج الواقع أو المتوقع، وبخاصة في الأمور التي احتدم حولها الجدل، واختلف فيها النظر، فهذا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه لما أراد أن يستخلف يزيد ابنه كتب إلى مروان بن الحكم، وكان وقتئذ عاملا له على المدينة النبوية، فجمع مروان الناس فخطبهم فذكر يزيد ودعا إلى بيعته وقال : إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأياً حسنا، وإن يستخلفْه فقد استخلف أبو بكر وعمر، وروي أن مروان قال : سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق : سنة هرقل وقيصر 1 .

لذلك رأينا هذا الخطاب مستخدما بكثرة في البلدان التي تعرف حركة احتجاجية قوية، وهكذا ظهر في هذه الأقطار الحديث عن المُلك، وولاية العهد، والاستخلاف، ووليّ الأمر، وأحاديث السمع والطاعة للإمام، ومفاسد الخروج على الحاكم، والنصح لأئمة المسلمين، وإمارة المؤمنين، وسد الذرائع…

ففي المغرب مثلا، وعلى إثر الاحتجاجات الشعبية المتوالية التي عرفتها مدن وقرى هذا البلد، اختارت الدولة مسلكا للتغيير، بدأته بتعديل دستوري، كان محل نقد من قبل كثيرين منهجا وشكلا ومضمونا. والمعهود في الدولة كي تجعل الدستور الجديد متقبلا من لدن الناس، فإنها حشدت كل قواها ليصوت الشعب عليه بـ”نعم”.

ولقد أسهمت المؤسسات العلمية الرسمية في التعبئة، واعتبرت أنه “من واجبها الشرعي أن تنخرط في مشاريع الإصلاحات الكبرى التي يخوضها جلالة الملك”، وأن “تتعبأ وتُعبّئَ الناس وراء أمير المومنين ورئيس المجلس العلمي الأعلى، في كل عمل إصلاحي يكتمل به بناء الصرح الديمقراطي، بما فيه ورش الإصلاح الدستوري وما يقتضيه من مواكبة”، وهكذا عمدت هاته المؤسسات بكل فاعليها من علماء وخطباء ومرشدين ومرشدات وواعظين وواعظات، إلى شرح مضامين الدستور الجديد، وبخاصة الفصول المتعلقة منه بالإسلام، والمجلس العلمي الأعلى، وإدماج العلماء في مؤسسات الدولة، وكذا دعوة الناس صراحة وحفزهم على قول نعم يوم التصويت، وقال قائلهم: لا يسع كل غيورة وغيور من بنات وأبناء هذا البلد الكريم إلا البصم بالإيجاب على هذا الدستور، وسوف نقول، كما قال صاحب الجلالة أيده الله، نعم صادقة للدستور) 2 ؛ وتخصيص خطبة جمعة ما قبل الاستفتاء لهذا الغرض.

إن كل هذا أحسبه منسجما مع هذه المؤسسات الوفية “لعقيدة البيعة والإمارة”، والداعمة لأطروحات الدولة واختياراتها، والعلماء فيها نواب عن الإمامة العظمى، وما كان للنواب أن يروا غير ما رآه “الإمام”، وإلا لما استحقوا وصف النيابة.

ثم إن هذه النيابة لها مقتضيات تكمن في احترام هؤلاء لاختيارات الدولة السياسية والثقافية والدينية 3 ، وهذا الاحترام يُترجَم بعدم خروج العلماء عن هذه الاختيارات وعدم نقدها، بل الواجب عليهم تزكيتها وشرح مقاصدها، دون إعمالٍ للنظر في حقيقة هاته الاختيارات ونتائجها وتبعاتها.

لذلك، نسجل أن هذا الـمنحى الذي اختير من قبل الـمؤسسات العلمية لدعم اختيارات الدولة بإطلاق، يضرب مشروعيتها ومشروعية المنتسبين إليها في الصميم، ونكتفي في هاته الوقفة المستعجلة بإبداء بعض الملاحظات، نطرحها على أعضاء هذه المؤسسات، ورثة الأنبياء، وأهل الخشية لله، الدالين على الله تعالى، الذين نُكِنُّ لهم كل تقدير واحترام :

1- إن هذه التعبئة السياسية التي قادتها المؤسسات العلمية بالمغرب كان ينبغي أن تكون في أمر مجمع عليه، ارتضاه الناس طوعا، وليس في أمر مختلف فيه اختلافا كبيرا، مع اختلاف الفريقين : فريق تدعمه الدولة بكل ما لديها من وسائل وإمكانات، وفريق يستند إلى الشعب.

2- أرجو أن يستمر انخراط الفاعلين الدينيين بالقوة نفسها والتعبئة نفسها حين تنتهك حرمات الله تعالى، وحينما ترى المؤسسة العلمية أمورا في الدولة منافية لقواطع الأدلة، ومجافية لمقاصد الشريعة، ومتعارضة مع الأخلاق العامة.

3- إن الدستور القديم كان ينص على أن الإسلام دين الدولة الرسمي، وفي الآن ذاته كنا نرى السياسة المالية والاقتصادية للدولة بعيدة عن نظم الإسلام، وإنما كانت جانحة لاقتصاد الريع واحتكار المال والسلطة، ونهب الثروات، وجَعْلِ الْمَالِ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ.فهل يستطيع العلماء الذين سيدمجون في مؤسسات الدولة أن يقفوا ضد ما يخالف الشريعة، “باعتبارهم راعين للدين”؟.

4- إن الدستور الجديد جعل للملك صلاحيات واسعة، حيث إنه يرأس المجلس العلمي الأعلى، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمجلس الأعلى للأمن، وهو الذي يعين السفراء ورئيس الحكومة ورئيس المحكمة الدستورية، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة…دون خضوعه لنقد أو مساءلة أو متابعة، وهذا ما جعل ناسا يتهمون الدولة باستخدام المرجعية الدينية أداة للتسلط والاستبداد، والتحكم في رقاب الناس، وأنها تشرعن للواقع القائم، وفي الفقه السياسي الإسلامي رئيس الدولة إنما هو وكيل عن الأمة، وهو أجير عندها يخدم مصالحها، ويحاسَب على مسؤوليته أمام نواب الأمة.

5- إن المقاطعين لهذه الإصلاحات والمحتجين عليها وإن اختلفت مشاربهم ومذاهبهم، فإنهم مجمعون على استبدال شيء بآخر، استبدال العدل والحرية والكرامة بالظلم والتضييق والإهانة، ومتفقون على إسقاط الفساد والاستبداد، أياًّ كان نوعه، وعن أيٍّ صدر، فمطالبهم هي من قبيل المشترك الإنساني المرعي في كل ملة ونحلة ومذهب.


[1] ينظر فتح الباري لابن حجر العسقلاني 8/708-709. قال الجويني : “ولم أر التمسك بما جرى من العهود من الخلفاء إلى بَنِيهِمْ؛ لأن الخلافة بعد مُنْقَرَض الأربعة الراشدين شابتها شوائب الاستيلاء والاستعلاء، وأضحى الحق المحض في الإمامة مرفوضا، وصارت الإمامة ملكا عضوضا” غياث الأمم ص : 78.\
[2] جزء من تصريح الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء لوكالة المغرب العربي للأنباء، منشور بالموقع الإلكتروني للرابطة.\
[3] ينظر دليل الإمام والخطيب ص: 45.\