تعامل النظام باستخفاف كبير تأسيا بمن زلزلت رياح الربيع العربي عروشهم، فراهن على عامل الزمن لتخبو جِذوة حماس شباب ركبوا ـ في تقدير المخزن ـ موجة الاحتجاجات لإثبات وجودهم في الساحة ولفت الانتباه إليهم. غير أن أسبوعين كانا كافيين ليدرك النظام أن الأمر جد ليس كما صورته التقديرات الاستخباراتية، فدخل على الخط بخطاب 9 مارس الذي وعد بإصلاح في شكل دستور اعتُبر استمرارا للدساتير الممنوحة التي يجدد من خلالها النظام منذ 1962 تموقعه في المشهد السياسي ويرسخ مركزيته في اتخاذ القرار؛ دستور جندت له الدولة كل الإمكانيات أحزابا ونقابات وجمعيات، إلا ما أعلن مساندته لحركة 20 فبراير، وزوايا ومنابر جمعة المساجد وشمكارى/ بلاطجة، واحتكرت الإعلام العمومي، واستفردت بالإشراف على استفتاء دستور تبناه الملك في خطاب 17 يونيو، وهو ما فرض على السلطة أن توفر له شروط الإقرار بالنسبة التي تليق بمقام الملك، وروجت وزارة الشأن الديني للدستور في خطبة الجمعة 24 يونيو واعتبرت التصويت بنعم واجبا دينيا وشهادة قد يأثم من أخل بها، فصوَّت الأحياء والأموات، وناب أعوان السلطة عن المقاطعين والغائبين. استفتاء سارت بفضائحه الركبان، ونرجو أن تكون نتائجه الحقيقية بين يدي النظام ليبني قراراته وخطط تعامله مع الحراك الشعبي على معطيات صحيحة لا مغلوطة، حتى لا يقال مستقبلا إنه كان ضحية تقارير مغلوطة كما صرح الرئيس التونسي المخلوع بن علي لما أدركه الغرق.

راهن النظام على إقرار الدستور للالتفاف على حركة 20 فبراير ومطالبها، لكن استمرار الحراك أعاد المطلب الإصلاحي إلى المربع الأول أي قبل 9 مارس، ترى ما عساه يفعل؟ وكيف سيتصرف؟

واضح أن النظام في وضع حرج، فقد لعب ورقته الأساسية، وضيق على نفسه هامش المناورة، ولم يبق أمامه إلا خياران:

أحدهما أن يمارس هوايته المفضلة، فيلجأ إلى الخيار الأمني الذي راكم فيه تجارب عقود، ويتسنى له اختبار المنتوج الجديد “فرقة الصقور”؛ وهذا خيار لا بد له من تغطيتين سياسية وميدانية.

السياسية تتمثل في ما يسمى احترام الشرعية الديمقراطية أي أن الاستفتاء حسم القضية، وحيث إن نسبة “النَّعميين” ـ نسبة إلى نعم ـ فاقت 98%، فلا مسوغ لاستمرار الاحتجاجات التي تعرقل سير الحياة العادية للبلد، ولهذا لم يتأخر قادة الأحزاب المناوئين لحركة 20 فبراير ومطالبها الإصلاحية للتنديد باستئناف الحراك الشعبي، بمعنى أدق، هم بهكذا تصريحات ـ تحت الطلب طبعا ـ يوفرون للنظام التغطية والسند لتعنيف المتظاهرين.

وأما الميدانية فتكلف النظام بها بتشجيع وتحريض “بلاطجته” للنيل من مناضلي حركة 20 فبراير والتهجم على تجمعاتها العامة تحت أعين الأجهزة الأمنية، بل بلغت الجرأة بأحدهم ليهدد بإسقاط الشهيد الثاني بعد كمال عماري؛ تهديد موثق بالصوت والصورة، ولم نسمع أن مسطرة قضائية تحركت، أو أن تجمعا تنديديا بسلوك غير حضاري كما هرعت جهات مخزنية ضد الأستاذ هشام الشولادي الذي اتهم زورا بإراقة الدماء. تزج السلطة بفئات من بسطاء الشعب وتغرر بهم ليخوضوا مواجهات قد تتطور ـ لا قدر الله ـ إلى ما لا يتمناه أي غيور على مصالح البلد تمهد الطريق لاستعمال النظام للقبضة الحديدية حقنا للدماء وتوفيرا للأمن وحرصا على السلم الاجتماعي.

وأما الخيار الثاني وهو الأرجح، فيتمثل في خوض غمار الانتخابات التي سيضطر النظام لإعلان موعدها تحت ضغط الحراك الشعبي رغم مجموعة من الإكراهات، وعلى رأسها تدني شعبية الأحزاب التي يُراهَنُ عليها لإحداث دينامية وحركية مجتمعية تمتص غضب مسيرات حركة 20 فبراير، التي يبدو أن حرارة الصيف وإغراء العطلة لم يؤثر فيها. انتخابات تعرف الأحزاب الداعمة للدستور الجديد أنها ستمثل كارثة أكبر من سابقتها سنة 2007، لهذا سارعت أحزاب تنبه إلى خطورة مغامرة تنظيم الانتخابات في بحر الشهور الثلاثة القادمة بدعوى أن فشلها سيعطي للحراك الشعبي دعما شعبيا كبيرا، لهذا تلتمس الأحزاب ـ تتزعمها العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي ـ إبقاء الاستحقاقات في موعدها ـ شتنبر 2012 ـ حتى يتم إعداد القوانين المنظمة للانتخابات ومراجعة اللوائح وتحيينها ضمانا للنزاهة. والسؤال هو: لماذا لم تتم المطالبة بتحيين اللوائح قبل الاستفتاء، أم أن النزاهة غير مطلوبة، لأن التزوير في الاستفتاء يصادر إرادة الشعب ولا يهدد مصالح الأحزاب.

هكذا تتوالى مناورات النظام للالتفاف على مطلب الإصلاح الجذري، ويستمر رهانه على عنصر الزمن الذي روهن عليه في تجارب سبقت وثبت بوارُها وإفلاسها.