تقديم

تبرز خلاصات منظمة العمل الدولية أن غياب الحوار الاجتماعي لا يؤدي فقط إلى تفاقم النزاعات والتوترات الاجتماعية، وإنما ينعكس سلبا على أداء الاقتصاد ويقود إلى ازدياد المصاعب التي تواجهه، كما يؤدي إلى تدني إنتاجية المنشآت الاقتصادية وهبوط معدلات إنتاجيتها وإلى تفاقم مظاهر الفساد والضغط على الحريات وازدياد الفوارق الاجتماعية.

1- الحوار الاجتماعي في أبعاده الدولية: أهدافه وشروطه ومواضيعه

يأتي على رأس الأهداف المرسومة للحوار الاجتماعي الفعلي في أدبيات منظمة العمل الدولية، توفير شروط عمل منصفة، وتحقيق معيشة أفضل وصولا إلى العدالة الاجتماعية. كما يهدف الحوار الاجتماعي إلى جعل المجتمع أكثر تضامنا واستقرارا وإنصافا. وكيف لا وهو يسعى إلى إشراك المجتمع في سَن السياسات الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز الديمقراطية داخل المجتمع، مما يدفع بالنمو الاقتصادي والتنمية العادلة والتوزيع المنصف لثمرات النمو متى ما توفرت الشروط.

ولعل من أهم الشروط توفر إرادة سياسية صريحة لقيام حوار اجتماعي حقيقي. ثم وجود منظمات قوية مستقلة وممثلة لكل من العمــال وأصحاب العمل، تتميز بقدرات على التفاوض والحوار وعلى صياغة المقترحات والبدائل والوصول للمعلومات الضرورية والإحصاءات الحقيقية لمشاركة فاعلة في الحوار الاجتماعي.

هذا وإذا كانت تندرج تحت يافطة الحوار الاجتماعي كل من المفاوضات والمشاورات وتبادل المعلومات والمقترحات فإن مواضيع هذا الحوار تأخذ كل ألوان الطيف الاجتماعي من حماية اجتماعية إلى الأجور والمنح والحوافز، مرورا على التعليم والصحة والإسكان والعدل وقوانين العمل، ثم السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، وظروف العمل وكذا التشغيل ومحاربة الفقر والأمية والبطالة.

وحسب كل موضوع يتم تنضيج توصيات أو قرارات أو توقيع اتفاقيات مشتركة بل وحتى آليات مراقبة ومتابعة وفض النزاعات.

2- الوضع الاجتماعي الحالي بالمغرب

النزاعات والتوترات الاجتماعية هي أهم ما ميز المغرب خلال النصف الأخير من العشرية الأولى للقرن الحالي. يكفي أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر: أحداث صفرو الأولى، أحداث بوعرفة وتهديد سكانها بالنزوح الجماعي خارج الحدود، أحداث سيدي إفني الدامية، أحداث العيون وقتلاها…

أما مظاهر الفساد من رشوة ونهب وسرقة المال العام و استغلال النفوذ من أجل إفساد الانتخابات (2007 نموذجا) والسيطرة على الأراضي الزراعية والتجزئات السكنية، والاستفراد بالصفقات العمومية… فقد تم التطبيع معها في المجتمع!

وبالمقابل يزداد هامش الفقر والحرمان مما يعمق الفوارق الاجتماعية في المغرب فتزداد معها فرص الاستغلال والاستعباد في المدن والقرى. فما أبعد واقعنا عن الاقتراب، حتى لا نقول تحقيق العدالة الاجتماعية.

ومع هذا كله يأتي التضييق على الحريات السياسية (اعتقال السياسيين الستة وحل أحزابهم: حزب الأمة وحزب البديل الحضاري، اختطاف واعتقال القياديين السبعة من جماعة العدل والإحسان…)، وعلى الحريات الحقوقية (ضرب الحقوقيين ومنعهم من حقهم في التظاهر السلمي: قيادات الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، قيادات الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة) وعلى الحريات والحقوق النقابية التي تتصدر الملفات المطلبية لكل النقابات، من حرية الانتماء والتنظيم النقابيين، إلى الحق في التظاهر والاحتجاج والاعتصام، إلى الحق في الوصول إلى المعلومات والإحصائيات. ثم على الحريات الإعلامية (إغلاق الصحف والمجلات وتهجير واعتقال الصحافيين مع توظيف القضاء لمحاربتهم: الجامعي، لمرابط… وأخيرا رشيد نيني بعدما فضح مظاهر الفساد والمفسدين بأسمائهم…).

طالع أيضا  الحوار الاجتماعي بالمغرب لسنة 2011 على ضوء معايير منظمة العمل الدولية 2/2

وفي الأخير، مادامت كل هذه المؤشرات موجودة تطبع بالفعل الواقع الاجتماعي المغربي فإنها، وحسب مقررات منظمة العمل الدولية، تؤكد غياب الحوار الاجتماعي حتى وإن وجدت طقوس ما تحمل هذا الاسم، أو نصوص مدونة شغل يحمل الشركاء الاجتماعيون المفترضون بعضهم البعض مسؤولية عدم تطبيقها.

3- تحديد الخلل

إذا كانت منظمة العمل الدولية، وكذلك منظمة العمل العربية، تعمل على نشر ثقافة الحوار الاجتماعي بين أطرافه الثلاثة للإنتاج: الحكومات، نقابات العمال، ونقابات أرباب العمل، فإنها وضعت شروطا من أجل تحقيق الأهداف التي رسمتها.

فما هي درجة تحقق تلكم الشروط في واقع الحوار الاجتماعي الممارس في المغرب؟

1.3- أية إرادة سياسية للحكومة؟

إذا اقتصرنا على الحكومة الحالية كنموذج، فإنها ضربت الرقم القياسي في البحث عن “المنهجية” الملائمة للحوار مع النقابات، فتتمطط الجلسات وتتشعب، فينسحب من ينسحب، ويقاطع من يقاطع. وفي الأخير تخرج الحكومة بقرارات انفرادية على مقاسها تسميها نتائج الحوار الاجتماعي. فتحتج بعض النقابات وتتحفظ الأخرى دون نسيان الحديث عن محاسن القرار الحكومي. المهم أن الجميع يعود إلى طاولة الحوار في السنة الموالية.

والانفراد الحكومي طال أيضا وزارات بعينها فيما سمته بالإصلاحات. ولعل أخطر إصلاح انفرادي هو ما سمي بالمخطط الاستعجالي للتعليم الذي أهدرت فيه أموال مبالغ فيها. وجهود تحكم فيها العبث، وأغلفة زمنية لو خصصت للتشاور الحقيقي مع الممارسين الفعليين لأثمرت علاجا ملائما للداء العضال لتعليمنا. لكن وزراءنا الذين يشترون كل حاجياتهم الخاصة من الخارج، نجدهم لا يتورعون عن شراء برامج الإصلاح جاهزة من مكاتب الدراسات بالخارج! وجلب التمويلات اللازمة لها من الخارج! وخبراء تنزيل الإصلاحات من الخارج! وفي الأخير، ونظرا لأهمية الشركاء الاجتماعيين، فإنهم يستدعون ليخبرهم الكاتب(ة) العام(ة) للوزارة، بحكم أن الوزير موجود في الخارج، يخبرهم أن كل الصفقات نجحت بشهادة حلفائنا في الخارج! وأن الإصلاح سيبدأ وسينتهي في الآجال المحددة حسب مصادرنا في الخارج! وأما التفاصيل فستعرفونها أثناء التنزيل وشكرا. لا تنسوا أن تذكرونا عند قواعدكم بخير، وذكروهم بالابتعاد عن القيل والقال وكثرة السؤال.

طالع أيضا  الحوار الاجتماعي بالمغرب سنة 2009 (2/2)بين الهجوم الحكومي والدفاع النقابي المفقود

فمن خلال مناقشة الإرادة السياسية للحكومة وفيما يتعلق بمجريات الحوار الاجتماعي ونتائجه يمكن أن نضع افتراضين على الأقل:

أولهما أن الحكومة الحالية شديدة المراس، لها قوة تفاوضية عالية مكنتها من تفويت الفرصة على النقابات خلال السنوات الثلاث: 2008، 2009 و2010، فأعطت ما أرادت ومنعت ما أرادت.

ثانيهما أن الحكومة تتحرك في وضوح مع النقابات من خلال الهامش المسموح لها به، وما نشاهده على خشبة الحوار الاجتماعي ما هي إلا مسرحية كل يتقن دوره المطلوب منه أداؤه.

بالرجوع إلى منتصف التسعينيات، نجد أن القرارات الاجتماعية الكبرى لم تأخذها الحكومة آنذاك، وإنما أخذها إدريس البصري المفوض الرئيسي من القصر، فأدخل النقابات في سلم اجتماعي من جانب واحد! وذلك لما كان للفترة المذكورة من أهمية لدا أصحاب القرار في مرحلة التحضير لانتقال الحكم في ظروف ملائمة. هذه المبادرة لم تعد نفسها إلا بعد انطلاق الشرارات الأولى لحركة 20 فبراير على غرار مجموعة من الدول العربية. وذلك حين استدعى محمد المعتصم المستشار الملكي المركزيات النقابية المسماة أكثر تمثيلية إلى اجتماع خاص لم يصدر عنه إلا كلام عام ووعود. إلا أن الرسالة قد بلغت.

من هنا يمكن القول بأن المفاوضات قد انتهت في كل تفاصيلها مع المعتصم، أو على الأقل تحدد سقف المطالب معه مباشرة، ليفتح الباب لكثير من الأسئلة خصوصا عن الطبيعة السياسية للصفقة وعن ثمنها الاجتماعي! إلا أنه وحرصا على الشكليات فقد اقتضى الحال أن تلبس النتائج ثوبا حكوميا، لنخلص إلى أن المفاوضات مع الحكومة كانت في أحسن الأحوال مجرد عملية تقنية صرفة.

وهذه الواقعة تدفع في تقوية الافتراض الثاني القائل بمحدودية الهامش التفاوضي للحكومة، ومن هنا يخرج من اختصاصاتها ركن مهم يتعلق برسم السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، التي يعتبر إشراك المجتمع في سنها من أهداف الحوار الاجتماعي الحقيقي من منظور منظمة العمل الدولية. فكيف إذن لفاقد الشيء أن يعطيه؟

ولعل ما يزيد في عدم توفر إرادة سياسية صريحة لقيام حوار اجتماعي حقيقي، على الأقل لدى الحكومة، الملاحظات التالية:

الملاحظة الأولى: الإعلان المبكر عن عدم الزيادة في الأجور لسنة 2011، حيث صرح وزير الاقتصاد والمالية صلاح الدين مزوار، ضمن كلمته بشأن القانون المالي لعام 2011 أمام المستشارين البرلمانيين حين قال: إن الجلسات السابقة للحوار الاجتماعي التي لمت الحكومة والنقابات إبان السنوات الثلاث الفارطة، قد أحرزت رفعا مستمرا لكتلة الأجور… وأن هذا الإجراء لا يمكن أن يحدث ضمن الفترة الحالية لأن الحكومة لا رغبة لها في ذلك). (الصباح 17/12/2010).

طالع أيضا  الحوار الاجتماعي بالمغرب سنة 2009 (2/1)بين الهجوم الحكومي والدفاع النقابي المفقود

الملاحظة الثانية: إجماع المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية على قبول نتائج الحوار الاجتماعي والتوقيع على المحاضر، وهو إجماع لم يسبق أن تم على يد حكومة الفاسي. مما يعني أن قوة الجمع جاءت من خارج الحكومة وهو ما يبقيها صورية أو رسما متحركا.

الملاحظة الثالثة: سلم اجتماعي هدية من أعلى إلى الحكومة

دعوة المركزيات النقابية الثلاث (ف د ش، إ ع ش م، إ وش م) الحكومة إلى الإسراع بإخراج القانون التنظيمي المتعلق بشروط وإجراءات ممارسة حق الإضراب، مع العلم أن أهم تلك الشروط هو التنصيص على أن المخول لها إعلان الإضرابات هي النقابات الأكثر تمثيلية، أي تلك التي وقعت على نتائج الحوار الاجتماعي الحالي.

هذا التنصيص يعني سحب البساط من تحت أرجل النقابات الأخرى، من أجل الانفراد بسلاح الإضراب، وربما حتى مركزته بغية التحكم في الأقاليم والجهات المتمردة على النقابات القطاعية، بقصد فرض سلم اجتماعي لم تنضج شروطه بعد في ظل التوترات الاجتماعية الحالية التي يعرفها المغرب. يقول محضر الاتفاق الحكومي والنقابات بتاريخ 26 أبريل 2011 ، إنه يجري تنفيذ مقتضيات هذا الاتفاق من قبل الأطراف الثلاثة ويغطي سنتي 2011 و2012)، مما يعني أن هاتين السنتين هما للتنفيذ وليس للمطالبة والاحتجاج! وهذه هي المدة المفترضة لتجديد المؤسسات التشريعية والتنفيذية إن لم يحدث هناك تغيير!.

لسنا مع التفكك والتوالد النقابي، ولكن لسنا مع منطق الحيتان تتغذى على الأسماك أو تطاردها. لماذا يعطى وصل التأسيس لنقابة ما وفي نفس الوقت تجد نفسها محرومة من حقها في التظاهر والاحتجاج والاعتصام والإضراب!

الملاحظة الرابعة: دعم الحكومة، على رغم أنفها، للمركزيات النقابية بغلاف مالي قدره 20 مليون درهم (مليارا سنتيم)! والرفع من مبلغ الدعم في جانب التكوين النقابي من 2 مليون درهم إلى 3 مليون درهم برسم سنة 2011، والرفع منه خلال القانون المالي لسنة 2012 بما يعزز دور النقابات في التأطير والتكوين، حسب ما جاء في محاضر 26 أبريل 2011!

وللمزيد من التوضيح فإذا كان هذا الدعم الذي أرغمت الحكومة على دفعه، حينما تلقت الأوامر، دلالة على ضعف إرادتها السياسية، فإنه أيضا يطعن في استقلالية المركزيات التي تلقته، أخذا بعين الاعتبار الغموض التاريخي الذي واكب إعطاء الدعم للأحزاب والنقابات، وطرق توزيعه ثم صرفه.

هوامش

(العزاوي، مارس، 2008): مساءلة العمل النقابي بالمغرب على ضوء إضراب 13 فبراير 2008:

http://www.aljamaa.net/ar/document/8259.shtml

(العزاوي،أبريل،2010): الحوار الاجتماعي بالمغرب سنة 2009 بين الهجوم الحكومي والدفاع النقابي المفقود،2010:

http://www.aljamaa.net/ar/document/34452.shtml