سورة الفاتحة مكية عدد آياتها 7.

1. بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

2. الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

3. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

4. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ

5. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

6. اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ

7. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ

أقبس لكفي فضلها نقلا عن القرطبي في تفسيره:

رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا أَنْزَلَ اللَّه فِي التَّوْرَاة وَلَا فِي الْإِنْجِيل مِثْل أُمّ الْقُرْآن وَهِيَ السَّبْع الْمَثَانِي وَهِيَ مَقْسُومَة بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ”.

وَقِيلَ: سُمِّيَتْ أُمّ الْقُرْآن لِأَنَّهَا أَوَّله وَمُتَضَمِّنَة لِجَمِيعِ عُلُومه, وَبِهِ سُمِّيَتْ مَكَّة أُمّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَوَّل الْأَرْض وَمِنْهَا دُحِيَتْ, وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْأُمّ أُمًّا لِأَنَّهَا أَصْل النَّسْل, وَالْأَرْض أُمًّا.

وسميت الْقُرْآن الْعَظِيم لِتَضَمُّنِهَا جَمِيعَ عُلُوم الْقُرْآن, وَذَلِكَ أَنَّهَا تَشْتَمِل عَلَى الثَّنَاء عَلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِأَوْصَافِ كَمَالِهِ وَجَلَاله, وَعَلَى الْأَمْر بِالْعِبَادَاتِ وَالْإِخْلَاص فِيهَا, وَالِاعْتِرَاف بِالْعَجْزِ عَنْ الْقِيَام بِشَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا بِإِعَانَتِهِ تَعَالَى, وَعَلَى الِابْتِهَال إِلَيْهِ فِي الْهِدَايَة إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم; وَكِفَايَة أَحْوَال النَّاكِثِينَ, وَعَلَى بَيَانه عَاقِبَةَ الْجَاحِدِينَ. انتهى.

وإذا استقرأت هذه السورة العظيمة، وجدتها قد اشتملت على الحمد والعبادة والدعاء، وكلها ترجع إلى معنى واحد وهو إخلاص العبودية لله عز وجل، وهذا هو غاية الغايات.

قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. سورة الذاريات الآية 56.

والحمد لله كمال العبادة والدعاء مخها.

“الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ”

قد عرفت أن أفضل الخلق وخاتم الأنبياء اسمه محمد وأحمد. وتناهى إلى علمك أن أعلى المقامات عند الله ينعت بالمقام المحمود. فانظر رحمك الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم، أو تنتفخ، قدماه، فيقال له، فيقول: “أفلا أكون عبدا شكورا”؟! كل ذلك أوصاف وأسماء، كما ترى، ترجع إلى معنى الحمد لله بأوصاف كماله وجلاله، وتشهد له أنه المقام الأرفع.

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (3)النواظم الأخوية

وإنما كان الحمد لله كمال العبادة لأنه يجمع معاني الافتقار إليه فهو رب العالمين، ومحبته فهو الرحمن الرحيم، والإخلاص في العمل له فهو مالك يوم الدين، والاستزادة من كل ذلك.

قال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ. سورة إبراهيم الآية 7.

إِيَّاكَ نَعْبُدُ

وإذا كان الحمد أعلى مقامات العبادة فإن الدعاء مخها. فكما المخ يهب الجسد الحركة ويجعلها سديدة، كذلك الدعاء يمدك بقوة تعينك على العبادة، ويقبسك نورا يهديك صراطها.

إن الحمد، الذي هو كمال العبادة، لا يكون إلا بدعاء يستجدي العون من الله فهو استعانة، ويسأل الهداية منه فهو استهداء.

فهذان أصلان في الدعاء: الاستعانة والاستهداء.

وتمام التحقيق، أن عبادة الله عز وجل كمالها الحمد ومخها الدعاء. والدعاء استعانة واستهداء. فالاستعانة تهب القوة ولا حول ولا قوة إلا بالله، والاستهداء يورث الهداية ولا هادي إلا الله.

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين

قال الله تعالى في شأن قريش في سورة قريش:

1. لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ

2. إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ

3. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ

4. الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

ولا يخفى على بصير، أن الأمن من الخوف والإطعام من الجوع مما يعين الله به عباده في عبادته. ولذلك قال الفقهاء إن صحة الأديان في صحة الأبدان. ولذلك كذلك، شرع إلى جنب أحكام العبادات أحكام العادات، وهي تتعلق بالمأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات وما أشبه ذلك.

والعون في العبادة يكون بأن يمنحك الله إرادة العبادة، و يورث فيك همة التقرب إليه بالفرض والنفل. ومنه وصيته صلى الله عليه وسلم لمعاذ: “أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك”. الراوي: معاذ بن جبل. المحدث: النووي – المصدر: الأذكار – الصفحة أو الرقم: 103.

خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

ومن العون أن ينعم الله عليك بالأمن من الخوف والإطعام من الجوع، وينعم على الأمة بالتمكين والاستخلاف حتى تتحقق بمعاني العبودية لله عز وجل وهو القائل سبحانه: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور. سورة الحج الآية 41.

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (10)المنهاج النبوي في التغيير

وإذا كان هذا، فقد وجب اتباع الأسباب الموصلة إلى التمكين وهي الإيمان والعمل الصالح.

قال علت كلمته: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. سورة النور الآية 55.

وقال تعالى: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ. سورة الأنفال الآية 60.

وفي المثل المغربي “سبب يا عبدي وأنا نعينك”.

فالعون يكون بقوة ينبغي اتخاذ الأسباب إليها. هدفها التمكين والاستخلاف، وغايتها التحقق بمعنى العبادة في أعلى مقاماتها، وهو مقام الحمد، وهو مقام إحساني.

وجملة الأمر أن العون الإلهي والعناية الربانية يصحبان من تضرع إلى الله، ثم أعد القوة بين يدي الاستخلاف.

“اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ”

ويجيء لك من هذه الآية أن الهداية قد أناطها الله عز وجل بمحبة الذين أنعم عليهم واتباع صراطهم. وهم الوارد ذكرهم في قوله سبحانه: وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا. سورة النساء الآية 69.

هذه هي أخوة الإيمان. وفيها قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. سورة الحجرات الآية 10

ولا شبهة أنها السبيل الوحيد إلى الهداية والنور والرحمة. فقد أنزل الله هذه المعاني على قلوب أصفيائه، ولا سبيل لنيلها إلا بمحبتهم واتباعهم. وهل ينزل هدى الوحي إلا على قلوب الأنبياء؟. وإن أردت أن تزداد تبيينا فهاك اقرأ:

قال عز من قائل: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. سورة آل عمران الآية 31.

طالع أيضا  من وحي الفاتحة (9)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

“ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار” الراوي: أنس بن مالك. المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم: 6941.

خلاصة حكم المحدث: [صحيح].

“لن تؤمنوا حتى تراحموا قالوا يا رسول الله كلنا رحيم قال إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة الناس رحمة العامة”. الراوي: أبو موسى الأشعري. المحدث: الهيثمي – المصدر: مجمع الزوائد – الصفحة أو الرقم: 8/189خلاصة حكم المحدث: رجاله رجال الصحيح.

“الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل”. الراوي: أبو هريرة. المحدث: النووي – المصدر: تحقيق رياض الصالحين – الصفحة أو الرقم: 177.

خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح.

فتأمل كل هذا، واستقرئه واحدا واحدا، يدلك على الدستور الذي لنا فيه، إن تأملنا، غني عن كل ما سواه، وهو أن الهداية إلى طريق العبادة والتحقق بمعانيها الإيمانية لا يكون إلا من طريق الصحبة الربانية والأخوة الإيمانية. من أجل ذلك، شرعت أحكام المعاملات إلى جنب أحكام العبادات.

وحاصل ما تقدم أن العبادة، التي كمالها الحمد، إنما تحصل بشرطي الاستعانة والاستهداء. وهذان لا يتأتيان إلى التأييد الإلهي والهداية الربانية، إلا بالسعي في طريق إعداد القوة الاستخلافية وتثبيت الأخوة الإيمانية.

وإذ قد عرفنا هذا، فإنه يشهد أن الدين سعي في العبادة والأخوة وإعداد القوة جميعا. الصلة بالله تخدمها الصلة بالإنسان أخوة وبالكون قوة.

لا إله إلا الله محمد رسول الله. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.