يكاد يجمع أهل السياسة والفكر ومعهم الشعب على أن هناك فسادا إداريا وسياسيا واقتصاديا في مؤسسات الدولة، واتفقوا على وجوب إيقاف هذا الفساد أو إلغائه أو إسقاطه، كي يَحُلَّ محله العدل الذي هو من أهم مقاصد الشريعة، ومطلوب إقامتُه على جهة الوجوب.

ولقد تنوعت وسائل الناس للوصول إلى هذا المقصد النبيل، ومن جملة ذلك خروجهم في مسيرات وتظاهرات منددين بالمفسدين والفساد، ومطالبين بالحرية والمساواة والكرامة، والوسائل لها حكم المقاصد، والمقصِد الذي هو العدل مُعْتَبر، فكانت الوسيلة الموصِلةُ إليه تَبَعٌ له كما هو مقرر في قواعد الأصول 1 .

وهكذا نجد أن حق التظاهر مكفول في القوانين والشرائع، شرط سلمية التظاهرات، ومحافظة المتظاهرين على ممتلكات الناس ومؤسسات الدولة، وفي المقابل تقوم أجهزة الدولة بحماية المتظاهرين وتوفير الأمن لهم، محافظةً على أبدانهم وأرواحهم، إذ بالأبدان تقام الأوطان والأديان، وحفظ النفس هو أحد الضروريات الخمس التي لا يستقيم نظام الأمة باختلالها 2 . وإذا كان الأمر على ما وُصف فإنه لم يعد هناك من مسوغ للقول بحظر التظاهر سدا للذرائع 3 ، وأن هذه التظاهرات قد تؤدي إلى الفتنة، وأن فيها اختلاطَ البر بالفاجر، وأن من يخرجون فيها غير متمثِّلين لحاجة المجتمع وانتظاراته، وأنهم لا يفرقون بين مصالح الخروج ومفاسده، وأن السبيل الموصلة للتغيير هو النصح بدل الاحتجاج.

إن ما ذكر قبلُ هو ما ينبغي أن تكون عليه الأمور وتدور، بَيْدَ أن الدولة المغربية عندنا تُقِرُّ بحق التظاهر نظريا، لكنها في الغالب تحظرُه واقعا، متعلِّلة بعلل قد لا تقنع المحتجين والمتظاهرين وأهل الفكر والنظر.وإذا كانت الدولة قد غضت الطرف عن عدد من التظاهرات منذ بدئها في 20 فبراير 2011، فإن ذلك راجع إلى أوضاع إقليمية ودولية، وما كان للدولة أن تفعل غير ما فعلته حينئذ، حتى ظن الناس أن المغرب سيكون استثناء، وأنه ماض في الإصلاح والتغيير فعلا.

لكن الذي حدث أيام 22 و29 ماي 2011 وما بينهما، وكذا ما بعدها في بعض المناطق، جعل الناس يظنون بعملية الإصلاح الظنونَ، قائلين : إن شِنْشِنَة الاستبداد لا تتغير، ومرددين كلمة قالها أحد شيوخ العرب: 4 إِنَّ بَنِيَّ رَمَّلُوني بالدَّمِ *** شِنْشِنَةٌ أَعْرِفها من أَخْزَمِ 5 والآن يقولها شُبَّانٌ وشوابّ خرجوا من ديارهم يطالبون بالكرامة وحرية التصرف والعيش الكريم، وينددون بالفساد، فما كان من الاستبداد إلا أن قمع مظاهراتهم، وكسر عظامهم، وشَجَّ رؤوسهم، ورمَّل وجوههم بالدم، واعتقل منهم من اعتقل، من النساء والرجال والأطفال، حيث بعث ناسا معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها الناس، بدعوى الحفاظ على هيبة الدولة، وتطبيق القانون.

إن ما يقع من قمع للتظاهرات ليؤكد أن الاستبداد لا نية له في التغيير ولا في الإصلاح، وإنما لسان حاله يقول: مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى، فمن وَهَنَ وضعُف واستكان منحتُه شيئا مما أريد، ومن خرج عن طوعي قهرته، أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا.

كيف يسوغ لرجال “الأمن” الخروج على الناس المتظاهرين المسالمين الآمنين بعِصِيِّهم لِتَرويعهم وزَبْرِهم وإذايتهم والبطش بهم؟ والرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “صنفان من أمتي لم أرهما: قوم معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات” 6 ، لعلهم يقولون: إننا مأمورون، وإننا نطيع سادتنا وكبراءنا، وهل طاعة المخلوق في معصية الخالق تعد طاعة؟.

ألم يعلموا أنهم بصنيعهم هذا يُتلفون أطرافا من أجساد الناس أو يُعَطِّلُونها أو يشوِّهونها، ومن باب حفظ النفس المحافظة على أجزاء الجسد من التلف والتعطيل، وأن هذا العمل غير الصالح قد يؤدي إلى إزهاق النفس بغير حق، والله تعالى يقول: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا، وقال سبحانه: مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وأن من قُتِل من المتظاهرين كُتِب من الشهداء، لخروجه منددا بالفساد، ومطالبا بالعدالة الاجتماعية.

ما كَسَر هؤلاء المتظاهرون زجاجا، ولا اقتحموا مؤسسات الدولة، ولا سطوا على ممتلكات غيرهم، ولا خرجوا بَطَراً ورِئَاء الناس، وإنما رامُوا من تظاهرهم أن يُسمعوا صوتهم المنادي بالحرية للأحياء من صناع القرار، فكان من أمرهم ما كان، مما يعد نقطة سوداء في تاريخ الحكم بالمغرب.

إن هذه المسيرات مذ بدأت يوم 20 فبراير شهد المغاربة ومعهم العالم أنها كانت جانحة للسِّلم قولا وفعلا، فما الداعي لقمعها بهذا الأسلوب الممنهج، والذرائع تسد عند ظهور غلبة مفسدة المآل على مصلحة الأصل) 7 ، إلاَّ إنْ عُدَّ مَآلُ الضَّرب على أيدي المفسدين ومحاكمتهم على جرائمهم السياسية والاجتماعية مَفْسدة، وعُدَّ قمع المتظاهرين السِّلميِّين واعتقالُ حرياتهم مصلحة.

إن هذه التجاوزات لا ينبغي السكوت عنها، وأن طريق الإصلاح يتنافى مع قمع الشعب وقهره.

وإن الأمة لتنتظر من مؤسسات الدولة كي تكون استثناء ألا تنحو نحو من نكل بشعبه وقتله وعذبه، بل تسمع لأصوات المظلومين، وتنخرط في التغيير الفعلي، لا أن تجنح إلى الترميم والتجميل، فإن الله تعالى: لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وفي الآن ذاته فإنه سبحانه وتعالى : لا يضيع أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً.


[1] ينظر شرح تنقيح الفصول ص: 427 للإمام القرافي المالكي.\
[2] و”معنى حفظ النفوس حفظ الأرواح من التلف أفرادا وعموما؛ لأن العالم مركب من أفراد الإنسان، وفي كل نفس خصائصها التي بها قوام العالم”مقاصد الشريعة للشيخ الطاهر بن عاشور ص: 78.\
[3] الذريعة: الوسيلة للشيء.وسد الذرائع معناه : “منع ما يجوز لئلا يتطرق به إلى ما لا يجوز” مقاصد الشريعة للشيخ الطاهر بن عاشور ص: 78.\
[4] هو أَبو أَخْزَمَ، وهو جَدُّ أَبي حاتِمِ طَيِّءٍ أَو جَدُّ جدّه، وكان له ابن يقال له أَخْزَمُ، فمات أَخْزَمُ وترك بَنين فوثبوا يوماً في مكان واحد على جدهم أَبي أَخْزَمَ فأَدْمَوْه.\
[5] والشِّنْشِنةُ: الطبيعة أَي أَنهم أَشبهوا أَباهم في طبيعته وخُلُقِه.\
[6] أخرجه ابن حبان في صحيحه.\
[7] مقاصد الشريعة لابن عاشور ص: 113.\