في حوار له مع موقع إسلام أون لاين أكد الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان، على أن الجماعة تدعو ـ بخلاف ما يعتقده كثيرون ـ إلى مدنية الدولة، لأنها النموذج الأمثل لتحقيق مصلحة الشعب، مبرزا أن الدولة المدنية لا تعني الدولة العلمانية، ولا تناقض مفهوم إقامة الخلافة الإسلامية على هدي النبوة.

وأوضح ذ. أرسلان أن الجماعة تدعو إلى “قومة” هادئة محورها الإنسان، يتم من خلالها تحرير الرقاب والإرادات، ولا تنتهك حرمة وكرامة وثروة الشعب.

وبخصوص الثورات العربية، أفاد أرسلان أن انتهاء الحكم الجبري “حتمية تاريخية” و “حتمية واقعية”، بالنظر إلى الإفلاس السياسي الذي أصاب الأنظمة العربية الحاكمة، مشيرا إلى أن الغرب سيكون رابحا من ثورات الشعوب المستضعفة بسبب إعادة ترتيب العلاقات على أسس جديدة.

وفي الحوار أيضا أعلن ذ.فتح الله أرسلان أن الجماعة لا ترفض من أجل الرفض، بل ترفض لئلا تكون شاهد زور على حساب مصلحة الشعب.

وإلى النص الكامل للحوار:

جماعة العدل والإحسان من الجماعات والحركات الإسلامية التي تتفاعل ولاشك مع ما يجري في العالم العربي والإسلامي حاليا من ثورات وانتفاضات واحتجاجات؛ما هي قراءتكم للوضع في الدول التي تخلصت من أنظمتها الاستبدادية والجائرة؟

ما يجري حاليا هو نتيجة طبيعية للمقدمات التي تأسست عليها الأنظمة العربية، ولا يمكن تصور نتيجة أخرى غير ما نعيشه في هذه المرحلة؛ فقد تنكرت هذه الأنظمة لشعوبها ولوعودها بالديمقراطية والعدالة، فولَّد الضغط الذي مارسه الاستبداد ما نعيشه اليوم من انفجار الشعوب في وجهه.

لقد تخلصت تونس ومصر من أحد أكبر رؤوس الاستبداد، ولكن يبدو أن أطرافه لا تزال تقاوم ثورة الشعبين، بما بقي لها من قوة ونفوذ ومال ومكر.

ودرْس تونس ومصر يفيدان أن إسقاط رأس الاستبداد ما هو إلا الخطوة الأولى من مسيرة طويلة وشاقة لن تسلم من المكر الداخلي ومن لعبة المصالح الخارجية، وهو ما يفرض على كل المكونات أن تتحد، وأن يكون لها تصور واضح لمسار التغيير وأفقه وعقباته، وأن تجعل من مصلحة الشعب العنصر المحدد للاختيار.

برأيكم، ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الإسلاميون في هذه البلدان مثل تونس ومصر وليبيا وسوريا وغيرها، بحيث لا يقصون أنفسهم ولا يقصون غيرهم من الأطياف السياسية؟

لم يعد أحد يشك فيما للإسلاميين من دور في التغيير، إذ أضحوا رقما لا يمكن تجاوزه أو إقصاؤه. ولا أظن أن الإسلاميين يقصون أنفسهم عن تحمل مسؤولية التغيير وضريبة الوجود في الميدان، كما أظن أن النخب السياسية الفاعلة جميعا ، ومنهم الإسلاميون، قد نضجوا إلى الدرجة التي أصبحوا بها على يقين أنه لا يستطيع أحد أن يزعم القدرة على العمل والتغيير منفردا.

ثورات الشعوب العربية الحالية.. هل ترون أنها إيذان بانتهاء الحكم الجبري؟

انتهاء الحكم الجبري “حتمية تاريخية” يدل عليها تاريخ البشرية الذي يعلمنا أن مآل الظالمين إلى زوال مهما طال حكمهم، وفي التاريخ القديم والحديث أقوى دليل، وما رحيل طاغيتي تونس ومصر عنا ببعيد.

وهو “حتمية واقعية” بالنظر إلى الإفلاس السياسي الذي أصاب أنظمتنا الحاكمة و هو الذي هوى بها إلى نقطة ليس بعدها إلا التفكك الوشيك، وهو “بشارة نبوية” أنبأنا عنها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف، وهو الصادق المصدوق.

إذا نظرنا إلى القضية من زاوية أخرى…هل الثورات العربية الحالية تعد وسيلة إضعاف للغرب المتسلط على خيرات الشعوب المظلومة والمقهورة؟؟

بمنطق العقل وبعد النظر، فإن الغرب سيكون رابحا من انتفاضة الشعوب المستضعفة إن قطعت الأنظمة الجديدة بصدق صلتها بعهد الظلم والنهب والاستبداد والاستفراد بالقرار، لأن العلاقات سيعاد ترتيبها على المصالح المشتركة حقيقة والمستقرة، وعلى الاحترام المتبادل .

نحن ندعو إلى علاقة متوازنة تكون مصلحة شعوبنا المحدد الرئيسي لها من جهة، ويكون التعاون والمصالح المشتركة المتوازنة، تحت نظر الشعب، هي عنوان المرحلة الجديدة في علاقتنا بالغرب، لا علاقة غالب ومغلوب وناهب ومنهوب.

هناك أستاذ أرسلان من يتهم جماعة العدل والإحسان بوجود صلات تفاهم وانسجام في أهدافها مع قاعدة المغرب الإسلامي، بم تردون؟

في الحقيقة.. هذه أول مرة أسمع مثل هذا الاتهام..

لكن هناك أصوات ترى أن الجماعة وقاعدة المغرب الإسلامي لهما هدف استراتيجي واحد هو إزالة ما تسمونه في أدبياتكم السياسية: الاستبداد..؟

على كل حال.. من يتهمنا بهذه التهم فهو لا يعرف الجماعة ولا يعرف القاعدة ولا يعرف الواقع أو يعرف، ولكنه يحاول طمس الحقائق التي لا يستطيع أحد طمسها.

جماعتكم تتأسس على مفهوم “القومة” التي تقابل مفهوم الثورة في أدبيات الفكر الماركسي واليساري عموما، فهل برأيك ما يجري في العالم العربي وفي المغرب عبارة عن “القومة” التي تتحدثون عنها؟”

مفهوم القومة مفهوم قرآني له بعد فردي وبعد جماعي، وحين يلتقي البعد الفردي المرتكز على النية الصادقة في القيام بأوامر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم مع البعد الجماعي المرتكز على الاجتماع على الشهادة بالحق حين يستكين الآخرون للظالم، وعلى القيام في وجه الظلم والاصطفاف مع المظلومين والانتصار لهم مهما كان الثمن… حينذاك نسميها “قومة”.

وفي تصورنا أن الثورات الشعبية الغاضبة في وجه الاستبداد اليوم هي مقدمات لتوفير فضاء الحرية حتى يعرض كل صاحب مشروع دعوته ويكون للشعب مطلق الإرادة في الاختيار، ودعوتنا نحن هي قومة هادئة محورها الإنسان، تحرر فيها الرقاب والإرادات حتى لا تركع ولا تخضع إلا لله عز وجل، فتقبل على عبادته بإيمان وحب لا بطقوس وإكراه، وحيث لا تنتهك حرمة أو كرامة أو ثروة الشعب.

ما مطالبكم بخصوص هوية الدولة؟ دولة مدنية أم دولة دينية؟

لا نمل من تكرار تأكيدنا على مدنية الدولة التي نطالب بها، فهي في نظرنا، النموذج الأمثل الذي يصلح لتحقيق مطالب الشعب ومصلحته، مع التأكيد أن الدولة المدنية لا تعني أيضا الدولة العلمانية.

لكن أستاذ أرسلان…قولكم بمدنية الدولة ألا يناقض أحد غايات الجماعة وهو تأسيس خلافة إسلامية على هدي النبوة؟

هنا موطن التخبط، بحسن نية، أو الخلط المقصود، الذي يسقط فيه بعض الناس.. مفهوم “الدولة الـمدنية” يعني أن لنا حرية العمل السياسي وحرية تشكيل الأحزاب والتداول السلمي على السلطة وفصل السلطة وبناء دولة المؤسسات، وَتَبَنِّي الآليات الديمقراطية في تدبير شؤون البلاد، وانتزاع الشعب حريته في اختيار نظام حكمه واختيار من يحكمه ومحاسبته…

أما “الدولة الدينية” التي تتحكم فيها طبقة من الناس يعدون أنفسهم، قولا أو فعلاً، “آلهة” أو “أنصاف آلهة”، كلامها مقدس لا يناقش، وتتحكم في الشعب باسم الدين، فيصبح كل من يعارضها معارضا الدين ويصبح الاختلاف معها اختلافا مع الدين بما يترتب عليه من أبعاد عقائدية وقانونية وسياسية… فنحن ضدها جملة وتفصيلا.

ونحن نرى أنه ليس هنالك تناقض أو تنافر بين مفهوم “الدولة المدنية” كما سبق، وبين مفهوم “الخلافة” الذي تركه الشارع واسعا بالقدر الذي يحقق مصلحة الأمة في الدنيا والآخرة، وهو الذي نفهمه نحن تكاملا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا بين أقطار وشعوب الأمة التي مزقها الاستعمار والاستبداد معًا، مع مراعاة خصوصيات هذه الأقطار، في عالم اليوم الذي تتكتل فيه الدول باتحادات للتعاون على تجاوز ما يواجهها من تحديات.

هل المقصود عندكم بالخلافة الإسلامية جانبها السياسي، أم جانبها المدني المتمثل في تبليغ الإسلام على منهاج النبوة؟

الخلافة، في نظرنا، مرحلة لاحقة بتحرر الأقطار العربية والإسلامية من الاستبداد ومن التبعية للخارج، وثمرة من ثمار تحكم الشعوب في مصيرها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وشكل من أشكال الاتحاد والتكامل بين أقطار لها أرضية مشتركة صلبة.

ولهذه الخلافة بُعد إنساني يتمثل في ضمان وتيسير السبل والوسائل كلها ليسمع كل إنسان الكلمة التي تذكره بربه، وبالغاية من وجوده على الأرض وبمصيره الخالد بعد الموت.

إمارة المؤمنين من القضايا التي تُسأل عنها الجماعة كثيرا، فكيف ترى الجماعة إمارة المؤمنين بالمغرب؟ هل لها شرعية دينية معتبرة أم هي مجرد حكم جبري بصيغة دينية؟

إمارة المؤمنين صفة شرعية حدد لها العلماء مؤهلات دقيقة ومعايير علمية وسياسية واضحة، وبالتالي فقد أضفوها على شخصيات معدودة لها بصماتها مدى تاريخ المسلمين.

لكن إمارة المؤمنين في الدستور المغربي، بما فيه الدستور المروج له اليوم، تعد سلطة فوق الدستور وفوق كل السلطات، وتضفي على الحاكم قدسية تتناقض مع تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام.

نأتي إلى الحراك السياسي في المغرب وحركة 20 فبراير، هناك من يرى أن جماعتكم كانت تنتظر فقط سببا يسوغ لها الخروج على الحاكم، فكانت الحركة هي ذلك السبب، ما رأيكم؟

موقفنا الذي تسميه خروجا على الحاكم ليس مرتبطا بحركة 20 فبراير، وارجع إلى صفحات تاريخ المغرب الحديث خلال أربعين عاما الأخيرة لتتأكد أكثر…

لقد صدع الأستاذ عبد السلام ياسين بكلمة الحق في وجه الملك الراحل الحسن الثاني ولم يكن معه إلا رجلان اثنان قبل أن تتأسس الجماعة، ودفع من عمره وصحته وحقوقه ضريبة كلمته تلك سجنا وحصارا وتضييقا، ودفعت الجماعة على مدى أكثر من ثلاثين عاما شهداء ومعتقلين ومطرودين من وظائفهم وبيوتهم…

وكان لنا مدى تاريخنا محطات كثيرة في مواجهة الاستبداد، محطات لكل منها طبيعتها وخصوصيتها، وهبَّت على الأمة وعلى بلادنا ريح أيقظت الراقدين، فالتقت الإرادات الصادقة من كل الاتجاهات مستجيبة لنبض الشعب وتعبئته ليطالب بحقوقه بالخروج إلى الشارع، بعد أن تأكد أن هذا النظام لا يمكن أن يغير من طبيعته الاستبدادية.

ما تصوراتكم لمستقبل الحراك الجاري بالمغرب؟ هل يمكن للجماعة أن تحول دفة الحراك إلى ثورة شعبية بمعنى الكلمة؟

مستقبل الحراك، بعد مشيئة الله تعالى، ليس بيد الجماعة وحدها وليس بيد أي طرف آخر مهما بلغت قوته وتنظيمه وعدده.. إن أي تغيير في البلد لن ينجح أبدا إلا بشرط أساسي هو تضافر جهود كل المخلصين بغض النظر عن خلفياتهم الفكرية والإيديولوجية.

اختلفتم مع حركات إسلامية بالمغرب في مواقفكم إزاء الدستور والاستفتاء وغيره برفضكم كل هذه العمليات، ألا ترون أنه اتجاه عدمي يرمي إلى الرفض من أجل الرفض وإلقاء المسؤوليات والتهم دائما على عاتق الآخرين؟

العدمي هو الذي يسير بقاطرته في الطريق المسدود الذي ثبت أنه لا يوصل إلا إلى الهاوية… ونحن لا نرفض من أجل الرفض، بل نرفض لئلا نكون شهود زور على حساب مصلحة الشعب الذي سيأتي الوقت الذي يحاسب فيه كل من آثر مصلحته الخاصة على مصلحة الشعب العامة.

إذا كان الاختلاف بين جماعتكم وبقية التيارات الإسلامية بالمغرب إلى حد الاختلاف الكلي حول الدستور وطبيعة الإصلاحات في البلاد، فبماذا يمكن أن تلتقوا إذاً؟

مصالح الشعب، وأولها إسقاط الفساد والاستبداد، هي الأرضية الأساس التي نفضل أن تكون ملتقانا بكل من يجعلها أولويته الأولى، حتى ولو كان يختلف معنا في المرجعية والأسس والمنطلقات.