مقدمة

تلا خطباء المساجد المغلوبون على أمرهم دعاية المخزن بالوكالة. وكان من المفروض أن يتوفر فيها شرط الطهارة، أو لنقل شيء من الطهارة، مادام المقام مقام صلاة وطهارة. لكن هذا الاستفتاء لفاتح يوليوز 2011 شابته خمس نواقض مبطلة.

نواقض تنفي طابع الشرعية والمصداقية عن هذا الاستفتاء، لكنها نواقض واجبة ضرورية يستحيل بدونها الفعل السياسي في مذهبنا المخزني، و”ما لا يتم الواجب به فهو واجب”. بل نواقض يستحيل بدونها بقاء المخزن واستمراره. فالمسألة إذن ليست بالهينة كما يظن البعض، إنها “مسألة حياة أو موت”. لذلك، كما سنرى أسفله، سيقيم المخزن الدنيا ولا يقعدها في تخبط جنوني غير مسبوق. وله عذره.

وهنا لابد من شيء من الواقعية. لابد من قول كلمة حق: قليلا من التعقل والرحمة يا سادة! أتريدون أن يلقي بنفسه إلى التهلكة؟! النواقض ضرورة قصوى، بل واجب وطني وديني ليرضى عنك الرب وتكون لك عنده حظوة.

هذه النواقض تجلت في:

– دواعي الاستفتاء

– موضوع الاستفتاء

– الإشراف على عملية الاستفتاء

– الدعاية للاستفتاء

– نتيجة الاستفتاء

دواعي الاستفتاء

جاء استفتاء 1 يوليوز 2011 على مشروع الدستور الحالي كغيره من الاستفتاءات السابقة على دساتير: “ديسمبر 1962″ و”يوليوز1970” و”مارس “1972 و”سبتمبر “1992 و”سبتمبر 1996” امتصاصا لغضب الشعب وتضليلا للرأي الدولي والمحلي والتفافا على مطالب الشعب في إقامة نظام ديمقراطي حقيقي يؤسس لمغرب جديد، مغرب العدل والكرامة والحرية وحقوق الإنسان.

جاءت نسخة طبق الأصل في الداعي إليه والغاية منه. مع اختلاف كبير في الواقع الدولي والمحلي ودرجة وعي الشعب الناهض للتغيير والإصلاح بالمسؤولية وإصراره على حقوقه ومطالبه العادلة.

فإذا كانت الاستفتاءات الخمسة السابقة قد أعقبها صمت شعبي واستسلام للأمر الواقع الذي فرضه المخزن فإن هدف المخزن من هذا الاستفتاء الحالي على دستوره الاستبدادي لم يتحقق. فقد خرج الشعب، مباشرة بعد مهزلة الاستفتاء، في مسيرات حاشدة وفي مختلف أنحاء البلاد رافضا لنتائج الاستفتاء المزورة وللدستور الممنوح.

خرج ولا يزال مربكا بذلك أوراق المخزن وتعويذات كهنة حكمه الذي لا زال يحبس أنفاسه جاهلا كيف يتعامل مع هذه النازلة السياسية وهو الذي ألف لعقود الصمت والولاء وطقوس الطاعة والانحناء.

لم تنفعه في هذه النازلة سياساته الماضوية لذلك عمد إلى برنامج استعجالي جديد وفاعل سياسي فريد: “الشماكرية”، مقتفيا بذلك أثر المفسدين المستبدين الهالكين من حوله. ولا عجب ففي “الدين المكيافيلي” الغاية تبرر الوسيلة، والحفاظ على الحكم ضرورة مقدسة، والمفسد المستبد أسوة حسنة؟!

موضوع الاستفتاء

مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء يفتقد لأي شرط من شروط الشرعية والمصداقية، شكلا ومضمونا. وبذلك نكون أمام عملية عبثية لا تستحق العرض على التصويت أصلا، فضلا عن أن تطرح كخيار للتصويت عليها بـ “نعم”.

وإليكم بعض مظاهر هذه العبثية:

– موضوع الاستفتاء دستور ممنوح وضع بطريقة انفرادية تسلطية في غياب تام لإرادة الشعب وسيادته ومطالبته بـ ”جمعية تأسيسية” منتخبة تتولى عملية وضع الدستور ويعرض على استفتاء شعبي نزيه.

– موضوع الاستفتاء (الدستور الممنوح) ضل الشعب يرفضه ويعارضه قبل صدوره لعلة “المنحة”. فكيف

القبول بموضوع استفتاء تجاهل فيه المخزن كلمة الشعب وإرادته وتظاهراته طيلة أربعة أشهر وفي مختلف أنحاء البلاد؟!

– موضوع الاستفتاء يقر بكل استخفاف ما نهض ضده الشعب من “ملكية مطلقة” و”دكتاتورية” و”ثيوقراطية”… فكيف يكون كل هذا الباطل محط استفتاء وتصويت؟!

الإشراف على عملية الاستفتاء

أشرف على المسرحية المخزن وبطانته من بدايتها حتى النهاية. قام بالدعاية لدستوره، وحدد الكتلة الناخبة في عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية فقط، وصال وجال في مكاتب التصويت كما يريد، وتسلم الصناديق، وفرز الأصوات، وأعلن النتائج: نسبة المشاركة وعدد الأصوات بـ”نعم” و”لا”.

حقوق المخزن في هذا الباب كاملة غير منقوصة وله اليد الطولى في النتيجة النهائية. النجاح طبعا. وارم أنت ظرفك المغلق في صناديق صنعها المخزن من زجاج.

كيف ترجى النزاهة من عملية يشرف عليها المخزن ومؤسساته الفاسدة الخانعة الغارقة منذ عقود في التزوير والتلاعب ولو سلمنا بالمشاركة فيها؟!

كيف يرجى منها خير والمخزن أبدى عزمه قبل الاستفتاء بيومين وبشكل سافر على فرض دستوره المشؤوم على الشعب، مستغلا بيوت الله تعالى، موظفا خطبة الجمعة في ربوع البلاد بضرورة وواجب التصويت بـ”نعم”؟!

الدعاية للاستفتاء

دعاية فجة بدا فيها وجه المخزن القبيح بشكل سافر. ظهر بالواضح والملموس أن في المغرب حزبا وحيدا هو “حزب القصر”. هو من يسوق بـ”نعم” لدستوره الممنوح المفروض المشؤوم في الوقت الذي كان يجب عليه التزام الحياد وترك المجال لأحزابه البئيسة لتسويق “نعمه” في نزال محايد أمام “حركة 20 فبراير”.

اضطر المخزن لهذا السلوك السياسي الهجين، و”للضرورة أحكام”، و أقحم أنفه في شأن شعبي صرف وبشكل فج لأنه يعلم يقينا هزالة أحزابه الكارتونية ورخاوتها أمام أحرار ومناضلي”حركة 20 فبراير”. وشتان ما بين أصحاب قضية، أنصار الحق وبين أنصار الباطل!

وظف المخزن في هذه الدعاية كل قواه وكل الوسائل والطرق ما استطاع إليها سبيلا:

– بدأها بدعوة الملك في خطاب 17 يونيو 2011 إلى التصويت بنعم على مشروع الدستور. وهذا خرق خطير للقانون: ينسج دستورا ممنوحا على مقاسه ومصلحته وهواه، مبقيا فيه على جميع بنود الاستبداد والتسلط ثم يأمر الشعب بالتصويت عليه بـ “نعم”!! في أي تاريخ نحن وفي أي كوكب؟!

– كل مساجد القطر يوم الجمعة 24 يونيو 2011، ستة أيام قبل الاستفتاء، شهدت خطبة مخزنية نمطية تلاها الخطباء المغلوبون على أمرهم على المصلين مضمونها أن التصويت بـ “نعم” في استفتاء 1 يوليوز على دستور الملك الجديد “واجب ديني و وطني”، و”امتثال لأمر الله تعالى” و”طاعة لأولي الأمر”. بمفهوم المخالفة تكون “مقاطعة الاستفتاء” أو التصويت عليه بـ”لا” إخلال بـ “الواجب الديني والوطني” و”عصيان لله” وأمر “يستوجب سخطه”!!

دعوة صارخة لشهادة الزور. استغلال للدين من أجل أغراض سياسية. توظيف مبتذل للدين لتسويق الباطل: الظلم والفساد والاستبداد.

– وظف كل قنواته، الأرضية والفضائية، ليل نهار في خرق تام لمبدإ الديمقراطية: المساواة وتكافؤ الفرص في حق المعارضة في التعبير عن رأيها.

– استنفار جميع بطانته الحزبية والنقابية والحقوقية والجمعوية والدينية… على هزالتها وانعدام شرعيتها ومصداقيتها.

– وحتى بطانته الفنية والفولكلورية!

– دون أن ننسى مستجد “ظاهرة إنزالات الشماكرية” الذين زج بهم المخزن بنفوذه وماله الحرام في موسم “سيدي دستور” في حرب قذرة عل أحرار ومناضلي “حركة 20 فبراير” الغرض منها إرهاب أحرار ومناضلي الحركة شتما وتعنيفا واعتداء بالسلاح الأبيض.

– وبطانته في الخارج أو التي سافرت إلى الخارج بهذا “القصد النبيل” وفي سبيل “الواجب الوطني” لتضليل الجالية المغربية.

نتيجة الاستفتاء

والنتيجة؟ ركوب سياسة “مشارف مائة في المائة” التي طبعت جميع الاستفتاءات السابقة.

مشاركة عالية بنسبة 98,50 في المائة!! و موافقة بنسبة46,73 في المائة!! رغم أنف المنطق و الحقيقة، و الشعب الصارخ بــ”لا” في وجه الوثيقة.

كان عنوان الاستفتاءات والانتخابات في المغرب ولا يزال: التزوير والتلاعب بالنتائج وقبل ذلك، وهذا أخطر، الاستهانة بإرادة الشعب والاستخفاف بذكائه. هذه بديهية وحقيقة مرة يعرفها الشعب جيدا ولا تحتاج لتذكير ما دام هذا المخزن جاثما على أجسادنا، راقصا على جروحنا.

فلا عجب إذن حينما يطلع علينا المخزن ببهتانه وهرائه، لا عجب.

لا عجب وقد بدا للجميع منذ خطاب 9 مارس مخطط المخزن وإصراره على إنجاح مشروع دستوره.

خاتمة

بدأ المخزن دعايته الفجة للاستفتاء على دستوره “الجديد” في بيوت الله تعالى بشكل سافر. فرض على خطباء الجمعة دعوة المصلين للتصويت بـ “نعم” وختموا.

لكن الشعب لم يختم بعد. لازال صامدا في الشارع، مطالبا بإسقاط الفساد والاستبداد. معارضا، مدافعا عن حريته وكرامته وحقوقه.

ويا لها من مفارقة عجيبة كشفت للجميع بالصوت والصورة مؤسسة من مؤسسات المخزن الرئيسة ضلت لعقود بعيدة عن علم المغاربة البسطاء منهم و كثير من المثقفين: “مؤسسة رجال الدين” وكيف يتلاعب المخزن بالدين!!

يا لها من مفارقة عجيبة الشعب فيها في واد العزة والكرامة والنصر إن شاء الله. والمخزن وبطانته و” مؤسسة علماء الدين” في واد!!

اعتداء على حرمات الله. ابتزاز للأئمة وإحراج. استفزاز للمصلين. استغلال للدين من أجل تبرير وتغطية الفساد والظلم والاستبداد القابع في “دستور البلاد”.

أفاعيل مثيرة للدهشة، مصائب مركبة، لكن في لحظات الحرج التاريخية لا مجال للمناورة ولا لـ “الرشد” و”الحكامة”!

كل هذه الأفاعيل والشعب هو الشعب، مؤمن بقضيته ثابت مناضل مقدام.

نازلة عويصة لم يعرف لها المخزن مثالا ولم يجد لها حلا ولا جوابا.

نسأل الله اللطف والحفظ. وأن ينصر المستضعفين في الأرض ويخزي الظالمين والمفسدين.