السياق العام

أصابت المتأملَ في ما يقع اليوم في العالم العربي الدهشةُ من الهبة المفاجئة للشعوب العربية مطالبة بزوال استبداد حكام جبلوا على حب السلطة والثروة، وحكموا البلاد والعباد عقودا بالقهر والجبر. فكلما ارتفعت أصوات تنادي ببعض حقوقها الاجتماعية أو السياسية قمعت قمعا شديدا وألبست لها تهم الإخلال بأمن الدولة أو المس بالمقدسات، ثم نعتت بالعنف والتطرف والإرهاب، خاصة وأن المناخ العالمي هيئ بعد أحداث 11شتنبر2001 لخنق كل صوت حر يناهض الحاكم العربي المنفذ للإملاء الغربي.

مهندسو الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا وضعوا مخططات إصلاحية طويلة المدى ورصدوا لها ميزانيات ضخمة، بتنفيذ ورعاية الحاكم العربي من أجل ترويض الشعوب العربية وتركيعها لسياسة السيد الغربي، ونهب ثرواتها الطبيعية التي تزخر بها الأرض العربية.

لكن رياح التغيير التي هبت على العالم العربي أربكت الاستراتيجيات الغربية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

واقع جديد بصناعة شباب عربي خرج من رحم الظلم والاستبداد بصرخة مدوية موحدة من المشرق العربي إلى المغرب العربي: الشعب يريد إسقاط الاستبداد.

معطى غير منتظر من طرف المنتظم الدولي على الساحة العربية المستهدفة أرضها وثرواتها المادية والبشرية برعاية حاكم عربي بلغة القهر والبطش وإسكات الصوت بجميع الوسائل، وإن تعارضت مع المواثيق الدولية التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان.

كل ذلك يجعلنا نمسك بأطراف الخيوط الخفية لنكتشف كواليس تدبير الشأن العربي والإسلامي في صالونات الغرب. كما يمكننا من جهة فهم تأخر الإدارات الغربية في التعقيب على الواقع العربي الجديد، ومن جهة أخرى فهم الحذر الشديد الذي تتعامل به الديبلوماسية العالمية مع الملف العربي المليء بالمفاجآت التي لا تسر في مجملها السيد الغربي، خاصة أن الصفقات الكبرى المبرمة في الساحة العربية بناء على قاعدة مشروع الشرق الأوسط الجديد وشمال إفريقيا، مازالت ثمارها بعيدة المنال.

2011 سنة التغيير في العالم العربي

انتفض الشعب التونسي يوم 14 يناير2011، هرب إثرها الرئيس بن علي بعد أن حكم شعبه بالقهر والجور وحرمه من أبسط حقوقه في العيش الكريم ونزع الحجاب عن رؤوس المؤمنات الطاهرات، وأسكت صوت المآذن، وأغلق الأبواب أمام أصحاب الفكر والرأي…

كما انتفض الشعب المصري على أكبر فراعنة عصره الرئيس المخلوع حسني مبارك الذي غادر السلطة فارا بأضخم ثروة نسي أنها ممتلكات شعب فقره ثلاثة عقود وسن قانون الطوارئ في البلاد لكبح إرادة التغيير.

وهاهو شعب اليمن والبحرين وليبيا وسوريا يعيش مخاض التغيير ودماء طاهرة تشق طريقها على أرض عم فيها الفساد والإفساد، من أجل إزاحة رؤساء شبوا في الرئاسة وشابوا عليها عاضين عليها بالنواجد.

لكن شباب التغيير مصمم على “إسقاط الاستبداد”، فالشجرة المباركة تسقى بدماء الشهداء، وثمار التغيير سوف تظهر بعد السقي والتعهد. شباب التغيير شباب بناء وعمران، أكد على ذلك رقي سلوكهم في ميادين التحرير وتشبتهم بقولهم “لا”:

• لا للظلم والاستبداد.

• لا للجور ونهب الأموال.

• لا لإسكات صوت الحق بالكذب والبهتان والتشويش على إرادة تغيير.

شباب التغيير أصبح قوة مجتمعية تنكسر أمامها العصا الغليظة ويرتبك رشاش جيش كانت مهمته مواجهة الأعداء لكنه وجد نفسه في ربيع عربي أمام شباب عاري الصدر شامخ الرأس يحمل زهرة قلبه على يده البيضاء فاندهش الجيش وحمى “الثورة” من بطش الكائدين والمناوئين ومن يدور في فلك المفسدين.

من بين حكامنا العرب من كان أذكى من غيره، وأراد استباق رياح التغيير قبل أن يصله زلزال أصوات شباب التغيير وطوفان لا يعلم مده إلا مدبره، فأعلن عن إصلاحات اجتماعية واقتصادية ودستورية.

ماذا عن المغرب؟

المغرب يشكل هذا النموذج الاستباقي لترميم وضعية اجتماعية هشة وحالة اقتصادية ضعيفة ومشهد سياسي بائس تمسك بخيوطه أحزاب ونقابات هرمة فقد الشباب ثقته فيها فكان منهم العزوف والنفور من أي مبادرة للإصلاح وإصلاح الإصلاح…

فكانت حركة شباب 20 فبراير المدعومة من طرف هيئات سياسية وجمعيات حقوقية ومدنية من خلال عمل التنسيقيات المحلية في مدن المغرب، ترفع صوتها من أجل التغيير.

جاء على إثر ذلك الخطاب الملكي في 9 مارس 2011 بعد الضغط المتزايد للشارع المغربي والذي عبر بكل وضوح على أن “الشعب يريد إسقاط الاستبداد”. صرخة مدوية وقوية وصل صداها إلى “المربع المقدس”, فكان لزاما على من يهمهم الأمر إعطاء الجواب، سبقه قبل حين جواب إنذاري لوزارة الداخلية بتدخل عنيف لتفريق وقفات ومسيرات شباب 20 فبراير في مدن مثل طنجة ومراكش والقنيطرة وأكادير، لكن عصا المخزن لم تثن الشباب عن مطالبهم المشروعة فانتظموا في تنسيقيات محلية تؤكد على استمرارها في رفع الصوت والقلم في الشبكة العنكبوتية الفيسبوكية والتي لم يستطع بعد من يرعى الاستبداد حجبها.

جاء الجواب الثاني من خلال خطاب ملكي رأى فيه البعض جرأة غير مسبوقة في تاريخ الإصلاح السياسي في المغرب، ولكنه، على كل حال، لم يرق لمطالب حركة 20 فبراير ولم يستجب لطموحات شباب التغيير الذي يرفض قطعا دستورا ممنوحا وإصلاحا فوقيا، أو حتى تعيين لجان تقنوقراطية تضم فقهاء القانون لصياغة مشروع إصلاح شامل.

المبادرة الملكية ركزت على إحداث مؤسسات ولجان من أجل معالجة القضايا الدستورية وكأن الأزمات المركبة التي يعرفها الشعب المغربي مختزلة فقط في الجانب القانوني الذي يشرع لفعل ويكبح آخر.

فكم من فصل في الدستور القديم ينص صراحة على أمر يناقضه فعل المستبد ضدا على روح الدستور والقوانين المنبثقة عنه نتج عن ذلك تأسيس فعل استبدادي أخل بمنظومة توازن الدولة والمجتمع، تراكمت على إثرها مشاكل مجتمعية أفرزت في المغرب حراكا سلميا غير عنيف أفرز مطلبا مركزيا مشروعا لحركة 20 فبراير: الشعب يريد إسقاط الفساد والاستبداد.

فكيف يمكن لدستور جديد أن يحسن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة في ظل بقاء المفسدين والمستبدين الذين لهم القدرة على التكيف مع أي وضعية وتحت أية عباءة شريطة حفاظهم على مصادر القرار ومراكز الهيمنة والسيادة وامتصاص دماء الشعب؟

هذه اللجان المحدثة والمكلفة برفع مقترحات الإصلاح وصياغة الدستور لإنقاذ المغرب من واقع الأزمة تضم أعضاء هم مصدر الداء، فكيف يمكنهم أن يعطوا الدواء؟ خاصة وأن المعضلات التي يعاني منها الشعب المغربي مركبة، تتجلى في الفقر والأمن وتردي الأوضاع الاجتماعية والتعليمية والصحية والحقوقية…

شباب المغرب اليوم ليس في معزل عن غيره من شباب العالم خاصة وهبات العالم الافتراضي أيقظت الجميع وكشفت خبايا المستبدين ورعاة الإرهاب الذين يتفننون في ذرف الدموع في المنتديات الدولية لكسب الشرعية الدولية والترسانة القانونية والمظلة الأممية لقمع الشعوب حينما تنتفض للمطالبة بالعدل والحرية والكرامة.

حينما طالب شباب المغرب بدستور جديد:

لم يطالبوا بمنحة أو بمكرمة. أي دستور ممنوح بمقاس لجنة تقترح بأجندة غير معلومة وخطوط حمراء لا يجب التفكير في محاذاتها. الدستور الممنوح خدعة كبيرة، يمنح به الشعب نصا، يمأسس لاستيلابه وخضوعه لأحد الأنظمة الأكثر استبدادا، عوض أن يضمن له الكرامة والحرية…

لم يطالبوا بعملية تفكيك وإعادة تركيب من 108 فصل إلى 180 فصل تحت عناوين أخاذة لكنها غير فعالة.

لم يطالبوا أيضا بنهج أساليب الترقيع في معالجة القضايا الحيوية للفرد والمجتمع.

لم يكونوا في عجلة من معالجة الأزمة المغربية التي تم تشخيصها واقتراح علاج لها من أجل تنزيلها في فترة قياسية من الزمن.

حركة 20 فبراير المغربية رفعت مطالبها بكل وضوح وفي أرقى شكل نضالي عرفه الحراك السياسي في العالم العربي والإسلامي، وهي ماضية في طريقها منذ 20 فبراير إلى اليوم، إذ مرت بمنعطفات خطيرة وما تزال، كادت أن تحول رياح التغيير إلى عاصفة مدمرة تأتي على اليابس والأخضر، إثر تدخلات متكررة لبلطجية مقنعة باسم حب الوطن ودافع الوطنية!!

ومازالت حركة 20 فبراير تناوئها الأيدي الخبيثة لشق صفها والنيل من أعضائها وشراء الأفراد ونعتها بأقدح النعوت كالخيانة وعدم المروءة.

إنها أساليب قديمة/جديدة يتقن أهل الاستبداد لعب أدوارها، يسخرون فيها كل ما أوتوا من وسائل مادية وبشرية ومعنوية لإضعاف الإرادات وهزيمة النفوس قصد الاستسلام لهيمنة الفساد.

نعم النموذج المغربي يشكل الاستثناء في أسلوب التغيير،لأن:

شباب التغيير لم يؤمن قط بأسلوب العنف ورد الفعل على أساليب التقتيل وتهشيم الرؤوس وكسر العظام والتهديد والترهيب…

شباب يؤمن بالحوار على قاعدة كونه المكون الرئيس للمجتمع المغربي يجب سماع صوته وإدراج رأيه في أجندة التغيير دون وصاية أو رقابة.

شباب مسؤول، لا راكب ولا مركوب -عكس ما يظنه الناطق الرسمي للحكومة، وما تروج له الأبواق المأجورة- وكأن قدر المغرب والمغاربة يتدحرج بين لونين، إما أبيض أو أسود. وكأن الساحة المغربية لا تعرف ألوان الطيف لتتنوع الآراء وتتكامل المواقف، كما هو شأن الشعوب الأخرى.

لست أدري من أي معين ينهل ناطقنا الرسمي المنفعل المتشنج، وأقول له بالمناسبة: إذا كنت فعلا تؤمن بالديمقراطية كما تصرح في قناتك الأولى والثانية، فاترك غيرك يتحدث للمغاربة كما تحدثت وصنفت كما يحلو لك من وصفتهم بالعدميين والمخربين ومن يخدم أجندة خاصة… الديموقراطية التي تدعي الإيمان بها تستوجب عليك أن تفتح الإعلام للجميع دون إقصاء أي طرف لتقديم وجهة نظره للمغاربة أجمعين، حتى تكون الكلمة الفصل للشعب، ويسمع الشعب الرأي والرأي الآخر في الدستور موضوع الحراك السياسي الحالي.

أما والديمقراطية منعدمة في هذا الحراك الحالي والأسلوب الذي نهجه المخزن من حركات بهلوانية تقلب الصورة وتخفي حقيقة المشهد السياسي المغربي… لا أظن أن ذلك سوف يحل أزمة المغرب.